تشكيل “ائتلاف إدارة الدولة” في العراق.. قضاء على فرص التغيير؟

تشكيل “ائتلاف إدارة الدولة” في العراق.. قضاء على فرص التغيير؟
أستمع للمادة

ليس واضحا بعد، إن كان إعلان تشكيل “ائتلاف إدارة الدولة” الذي يضم جميع القوى السياسية في العراق، باستثناء النواب المستقلين و“التيار الصدري” بزعامة مقتدى الصدر، سيمثل خطوة جدية نحو تشكيل حكومة جديدة بعد نحو عام من الصراع السياسي حول آلية تشكيلها.

“ائتلاف إدارة الدولة” لم يولد رسميا بعد، لكنه أعلن عنه وخارطته مبدئيا ليلة أمس الأحد، ويضع على رأس أولويته العودة إلى “التوافقية – المحاصصة“، بعد تدافع عطّل تشكيل الحكومة ونشاطات الدولة، منذ انتهاء الانتخابات المبكرة الأخيرة التي أجريت في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

تكتل “ائتلاف إدارة الدولة” الذي يضم القوى الشيعة المقربة من إيران والمنضوية في تحالف “الإطار التنسيقي“، إلى جانب الحزبين “الديمقراطي الكردستاني“، و“الاتحاد الوطني الكردستاني“، وجميع القوى السنية، ولد بعد فشل التحالفات الطولية التي شكلت ما بعد الانتخابات بمحاولة للخروج من كنف التوافقية التي أرهقت البلاد طيلة الـ 19 عاما الماضية وأغرقتها في حالة مستشرية من الفساد وانفلات السلاح.

وكان العراقيون قد خرجوا في تظاهرات عارمة اجتاحت وسط وجنوب البلاد، وعبروا من خلالها عن رفضهم للطبقة السياسية وطالبوا بإصلاح النظام السياسي والقضاء على المحاصصة عبر تغيير قانون الانتخابات وإجراء انتخابات مبكرة، وهو ما اضطرت الذهاب له القوى السياسية بعد عام من الاعتصامات المفتوحة والمواجهات مع المتظاهرين التي أسفرت عن مقتل نحو 800 شخص وجرح الآلاف، بحسب إحصائيات لـ”المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب”.

غير أن إعلان “ائتلاف إدارة الدولة” الجديد مع أهدافه المعلنة، وعودة القوى السياسية إلى الاصطفافات التوافقية، اعتبره البعض محاولة للقضاء على فرص التغيير التي كانت يمكن أن ينتج عنها غضب الجماهير في ما باتت تعرف في “ثورة تشرين” عام 2019، وما لحقها من استقالة حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وصعود كتل نيابية ناشئة، وما وصلت إليه البلاد في ظل حكومات تحاصصية، وهذا ما يذهب معه بالرأي المحلل السياسي علي الشمري.

اقرأ/ي أيضا: أسعد العيداني لرئاسة حكومة العراق؟

“ائتلاف إدارة الدولة” يتحدى رغبة العراقيين

الشمري يقول في حديث لموقع “الحل نت“، إن “إعلان الأحزاب السياسية عن الائتلاف الجديد مع بنوده يعد تجاوزا صريحا لإرادة الشعب العراقي الذي كان قد عبر عن موقفه في عدة مناسبات منذ العام 2003 بخصوص استمرار المحاصصة“، مضيفا أنه “ما تفعله تلك الأحزاب التقليدية محاولة للقضاء على محاولات تغيير في البلاد بما فيها تقويض جهود النواب المستقلين الجدد“.

لكن الشمري لفت إلى أنه “من غير المؤكد إمكانية نجاح الائتلاف الجديد في مساعيه، فما زال الطريق طويل أمامها في تشكيل حكومة جديد“، الشمري لم يستبعد أيضا، أن “يكون إعلان تشكل الائتلاف محاولة لاستفزاز التيار الصدري للعودة إلى المسار السياسي، خاصة وأنه يمثل اليوم أبرز الرافضين للعودة إلى حكومة توافقية“.

كما بين أن “الحديث عن أهمية ائتلاف إدارة الدولة  وإمكانياتها في تشكيل حكومة جديدة، يمكن أن يأتي فيما لو فتح زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باب الحوار معهم مجددا، وإذا ما تم تجاوز المحاولات الجماهيرية لعودة الاحتجاج بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة تشرين، والتي تصادف في الأول من الشهر القادم“.

ويستمر عدد من النشاطين وصناع الرأي العام في العراق في الدعوة إلى تظاهرات جديدة بالتزامن مع الذكرى السنوية لتظاهر “تشرين” 2019، مقابل استمرار رفض التيار الصدري في الانخراط بحوارات من شأنها التخفيف من تحديات “ائتلاف إدارة الدولة” الجديد.

وأنهى تحالف “الإطار التنسيقي” يوم أمس اجتماعا موسعا ضم رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ورئيس مجلس تحالف “السيادة” خميس الخنجر، وبنكين ريكاني عن الحزب “الديمقراطي“، وممثلا عن “الاتحاد الوطني“، وجميع قادة “الإطار“، لاستكمال إعلان “ائتلاف إدارة الدولة“، والاتفاق بشأن عقد جلسة انتخاب رئيسا جديدا للجمهورية، وتشكيل الحكومة.

اقرأ/ي أيضا: تقارب كردي حول رئاسة العراق.. هل يمهد لتشكل حكومة جديدة؟

الأزمة التي انتجت عن “ائتلاف إدارة الدولة”

يأتي ذلك في أعاقب أزمة سياسية شهدها العراق منذ الـ30 تموز/يوليو الماضي، بعد أن اقتحم جمهور “التيار الصدري“، المنطقة الخضراء حينها، وأقاموا اعتصاما مفتوحا من داخلها وأمام مبنى البرلمان العراقي، بعد 72 ساعة من الاقتحام الأول لهم للخضراء، الذي لم يتجاوز 5 ساعات، قبل أن ينسحبوا بتوجيه من زعيم “التيار“، مقتدى الصدر وقتئذ.

بعد أن عاد المشهد ليتطور في 29 آب/أغسطس الماضي، شهدت بغداد تصعيدا صدريا، على إثر إعلان زعيم “التيار الصدري“، مقتدى الصدر، اعتزاله الحياة السياسية نهائيا، من خلال اقتحام أنصاره للمنطقة الخضراء، والقصر الجمهوري الحكومي، قبل أن يتطور المشهد لصراع مسلح.

الصراع جاء بعد أن هاجمت القوات الحكومية مع فصائل تابعة لـ “الحشد الشعبي“، وموالية لـ “الإطار“، أنصار الصدر لتفريقهم وإخراجهم من الخضراء، ما دفع “سرايا السلام“، الجناح المسلح التابع للصدر للتدخل للدفاع عن المتظاهرين الصدريين، لتندلع مواجهة مسلحة داخل الخضراء، انتهت عندما دعا الصدر، في اليوم التالي من خلال مؤتمر صحفي، أتباعه للانسحاب وإنهاء اعتصاماتهم.

جراء العنف المسلح سقط 37 قتيلا و700 جريح، وانتهت اعتصامات الجمهور الصدري، بعد شهر من خروجها أمام البرلمان للمطالبة بحله وإجراء انتخابات مبكرة جديدة.

تلك التطورات جاءت نتيجة لصراع سياسي، دام لأكثر من 10 أشهر، منذ انتهاء الانتخابات المبكرة الأخيرة، وفوز كتلة الصدر فيها أولا، وخسارة قوى “الإطار“، الموالي لإيران، الذي وقف بوجه مشروع “التيار الصدري“، عندما سعى إلى تشكيل حكومة “أغلبية وطنية“.

سبب فشل جهود “إنقاذ وطن”

بعد الانتخابات المبكرة، ذهب “التيار الصدري” بقيادة الصدر، إلى تشكيل تحالف ثلاثي مع الحزب “الديمقراطي الكردستاني“، وتحالف “السيادة” الجامع لأغلب القوى السنية، وسمي بتحالف “إنقاذ وطن“.

“إنقاذ وطن” أصر بـ 180 مقعدا نيابيا، على الذهاب نحو تشكيل حكومة “أغلبية“، تستثني مشاركة كل “الإطار التنسيقي“، أو بعض أطرافه، في وقت استمر الأخير بالدعوة إلى حكومة “توافقية“، يشترك فيها الجميع، وذلك ما لم يقتنع به الصدر، ولم ينجح في ذات الوقت بتمرير مشروعه.

الفشل في تمرير مشروع حكومة “الأغلبية“، جاء بسبب عدم تمكن التحالف الثلاثي من حشد النصاب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 3 مناسبات، والذي تكمن أهمية انتخابه في تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ودونه لا يمكن المضي بحكومة جديدة.

سبب الفشل كان إلزام “المحكمة الاتحادية العليا” التي لجأ إليها “الإطار” صاحب 83 مقعدا نيابيا بالتصدي لمشروع الأغلبية في البرلمان العراقي بعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بحضور ثلثي أعضاء المجلس، أي 220 نائبا من أصل 329، وفقا للدستور، وهو ما لم يتمكن “إنقاذ وطن” من تحشيده.

بعد ذلك، شهد العراق انسدادا سياسيا أضطر الصدر للانسحاب من العملية السياسية، وتوجيه أعضاء كتلته بالاستقالة من البرلمان في 12 حزيران/ يونيو الماضي، لتستبشر قوى “الإطار“، بعدها بسهولة تشكيل الحكومة، وهذا ما لم يحدث إلى الآن.

ما منع “الإطار” من تشكيل الحكومة، توجيه الصدر لأنصاره بالنزول إلى الشارع، مجرد أن أعلن “الإطار“، توصله إلى تفاهمات داخلية أفضت لترشيح السياسي، محمد شياع السوداني، في الـ25 من تموز/يوليو الماضي، لرئاسة الحكومة لتشكيلها وفق عملية التوافق والمحاصصة، وهو الأمر الذي رفض الصدر تكراره جملة وتفصيلا.

اقرأ/ي أيضا: “الإطار التنسيقي” الشيعي في العراق.. قدم تسعى للتفاهم وأخرى للتصادم؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة