“البحار الخمسة”.. قضية إستراتيجية بالنسبة لروسيا؟

“البحار الخمسة”.. قضية إستراتيجية بالنسبة لروسيا؟
أستمع للمادة

تريد موسكو ربط شبكتها الملاحية المحلية بمشروع الممر الدولي الواسع الذي يهدف إلى ربط سانت بطرسبرغ بالعاصمة الهندية بومباي، من خلال البحار الخمس، البحر الأبيض المتوسط وبحر البلطيق وبحر آزوف والبحر الميت وبحر قزوين. 

بعد أربعة أشهر من الغزو الروسي لأوكرانيا، وبينما كان الهجوم على كييف قد تلاشى بالفعل، لم يتخلى فلاديمير بوتين عن بعض من أفكاره، وبمناسبة منتدى “وكالة المبادرات الإستراتيجية” في 20 حزيران/يونيو الماضي في موسكو، أعلن بوتين عن ظهور حقبة جديدة، وصفت بأنها بديل للنظام العالمي الحالي، وبالاعتماد على صدمته الخاصة من تفكك الاتحاد السوفياتي، أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، على حد قوله، رأى رئيس “الكرملين” نفسه على أنه مهندس استعادة روسيا في وضعها المتلاشي كقوة عظمى. 

في خدمة هذا الطموح، الذي من المفترض أن يكون بمثابة ثقل موازن للهيمنة الغربية، يعاد اليوم طرح فكرة ما يسمى بنظام “البحار الخمسة” البحر الأبيض، وبحر البلطيق، وبحر آزوف، والبحر الأسود وبحر قزوين، وقد تم تصميم هذه الشبكة من القنوات والممرات المائية في عهد بطرس الأكبر (1672-1725) وتم تطويرها في إطار خطط ستالين الخمسية، حيث تربط هذه الأحواض البحرية الخمسة، وبالإضافة إلى مشروع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.

 يهدف هذا المجمع الملاحي إلى تحديد محور استراتيجي جديد يربط العاصمة القيصرية السابقة سانت بطرسبرغ بحاضرة بومباي في الهند، مثلما تخيل فلاديمير جيرينوفسكي، القومي المتطرف الروسي الذي توفي بكورونا في نيسان/ أبريل الماضي، حيث قال في عام 1993 “الجندي الروسي، المتعب ولكن الراضي عن مهمته الكبيرة لحفظ السلام، سيجلس أخيرا على الشاطئ البعيد للمحيط الهندي ليغسل حذائه العسكري”، وفق تقرير لـ ” لوموند” ترجمه “الحل نت”.

بتكلفة بشرية باهظة، غالبا من السجناء وممن ماتوا في مواقع البناء، كانت هذه المجموعة من الممرات المائية مصدر فخر للسكان الروس خلال الحقبة السوفيتية، وكان الطلاب مشبعين بالدروس حول عقيدة البحار الخمسة ودخنوا سجائر “بيلوموركانال”، التي تم صنعها عام 1932 لإحياء ذكرى بناء القناة التي تحمل الاسم نفسه بين البحر الأبيض وبحر البلطيق.

في ظل هذا التصنيع القسري، فتحت قناة موسكو أمام حركة المرور عام 1937، لتربط العاصمة بالبحار الخمسة، وفي الجزء الغربي تمتلك البلاد الآن نظاما موحدا في المياه العميقة بطول 6500 كيلومتر، من إجمالي 101 ألف كيلومتر من الطرق الطبيعية والاصطناعية الموزعة في جميع أنحاء الإقليم، ويبدو أن تراجع التجارة النهرية والحالة المتردية للمنشآت، التي تفاقمت بسبب انهيار الكتلة السوفيتية، قد دفنت تطلعات هذه الدولة القارية لتصبح قوة بحرية.

قد يهمك: كيف تعيد تركيا وروسيا تشكيل منطقة البحر الأسود؟

لكن منذ 2007-2008، تولى بوتين المشروع وأطلق أعمال التحديث، وفي عام 2016 قرر “الكرملين” اعتماد إستراتيجية لتطوير أنظمة النقل عبر الممرات المائية الداخلية في الاتحاد الروسي حتى عام 2030. ثم تم بعد ذلك التركيز على الحاجة إلى تحسين إمكانات الأنهار الأقل تكلفة، من حيث الطاقة والحوادث البشرية وصيانة البنية التحتية بدلا من النقل البري.

في مواجهة الاحتياجات المتزايدة للصادرات وتطوير السوق المحلية، قررت السلطات الروسية إنشاء مسار ثان لقناة فولغا دون، حيث من المقرر إجراؤه في العام 2027. يمكن أيضا تحليل سيطرة القوات الروسية على الساحل الأوكراني بأكمله تقريبا في ضوء هذه الإستراتيجية البحرية، وقد أدى ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 إلى تحويل بحر آزوف إلى “بحيرة روسية”. 

الهروب من العقوبات الدولية 

المركز العصبي الآخر لهذا النظام هو ميناء أستراخان على بحر قزوين، فمن هناك عبرت للمرة الأولى في 12 حزيران/يونيو الماضي في خضم الحرب الأوكرانية، الشحنات الروسية من الخشب الرقائقي متجهة إلى الهند، وقد أصبحت أستراخان نقطة إستراتيجية منذ أن وقعت روسيا وإيران والهند اتفاقية في أيلول/سبتمبر 2000، تحدد مشروع ممر النقل بين الشمال والجنوب لأكثر من 7000 كيلومتر، ومن المقرر أن تمتد عبر بحر العرب من الموانئ الهندية إلى ميناء بندر عباس جنوب إيران، حيث تنتقل البضائع برا إلى إيران ثم عبر بحر قزوين إلى الموانئ الروسية.

في عام 2020 وقعت شركة “كونتينر كوبيريشن أوف إنديا” الهندية وشركة “روشان رايلويز لوجستيك” العملاقة لشبكة السكك الحديدية الروسية، مذكرة تفاهم بشأن نقل البضائع على طول هذا المحور بين سانت بطرسبرغ وبومباي، وخلال القمة السادسة لبحر قزوين، في 29 حزيران/يونيو الماضي، عزز البلدان شراكتهما التي انضمت إليها أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، لتعزيز الهندسة اللوجستية لهذا الشريان بين الشمال والجنوب عبر موسكو وأستراخان وباكو وبندر أنزالي وطهران إضافة لبندر عباس وشابهار.

الدول المشاركة في هذا المشروع لا تشارك في العقوبات الدولية ضد موسكو، مما يجعلها تجد طريقة للإفلات منها، وروسيا مهتمة أيضا بمسار آخر وهو طريق البحر الأحمر. في 23 شباط/فبراير الماضي عشية غزو أوكرانيا، استقبل في موسكو الرجل الثاني في النظام العسكري السوداني، الجنرال محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي، من أجل مناقشة مشروع وضع قاعدة روسية في مرفأ السودان، وقد يسهل هذا مرور السفن العسكرية إلى البحر الأبيض المتوسط، ​​حيث تمتلك روسيا بالفعل قاعدة بحرية أخرى في طرطوس في سوريا. 

أما المستفيدون الآخرون من هذا المحور المتطور بين الشمال والجنوب، فهم إيران نفسها التي أضعفتها العقوبات الدولية والتي يمكنها بالتالي أن تستعيد موقعها كمفترق طرق تجاري، والهند التي ترى فيه فرصة لتعزيز نفوذها في إيران وأفغانستان، أو حتى لتظهر كلاعب بديل لـ “طرق الحرير الجديدة” الصينية.

 في المنتدى الاقتصادي الشرقي السابع الذي عقد في 6 أيلول/سبتمبر في فلاديفوستوك، تحدث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بحماس عن هذا التعاون، وأكد بوتين من جانيه أن الاتصال سيلعب دورا مهما في تطوير علاقات البلدين في المستقبل. في غضون ذلك وقعت موسكو ونيودلهي مذكرة تفاهم بشأن تطوير ممر بحري آخر يربط فلاديفوستوك بمدراس (تشيناي)، وهي مدينة ساحلية على خليج البنغال.

اقرأ أيضا: ما خيارات كييف بعد ضم روسيا لـ 4 مناطق أوكرانية؟

إذا كانت روسيا تقف وراء هذه المبادرة، فإن الترادف الهندي الإيراني هو حجر الزاوية فيها، ومع ذلك يريد هذان الشريكان الحفاظ على مصالحهما الوطنية وتجنب فخ التبعية، فيما يتعلق بروسيا وكذلك الصين، وفي هذا الصدد تدرس نيودلهي وطهران فتح محور ثان مواز لمحور بحر قزوين، يشمل أرمينيا وجورجيا وصولا إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأسود.

 على الرغم من الزيارات العديدة التي قام بها مسؤولون هنود وإيرانيون إلى يريفان، تتجنب حكومة رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان التزام بلاده رسميا. فهل يريد باشينيان بذلك تجنب موسكو أم ينتظر اللحظة المناسبة لإرضاء نيودلهي وطهران؟ في الوقت ذاته افتتحت أرمينا وجورجيا في 19 آب/أغسطس الماضي، جسر صداقة على نهر الدبد بتمويل من قرض من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وسيتم بناؤه من قبل شركة “تونيل ساد أريانا” الإيرانية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية