ما علاقة الفلبين في الصراع على تايوان؟

ما علاقة الفلبين في الصراع على تايوان؟
أستمع للمادة

الأهمية الإستراتيجية للفلبين في حرب محتملة على تايوان، تتطلب إجراءات دبلوماسية سريعة من جانب واشنطن، فليس هناك إمكانية لنجاة تايوان من حصار وغزو صيني محتوم، دون مساعدة لوجستية طوعية من الفلبين، وفي الواقع الهزيمة مؤكدة إذا حصلت الصين على وجود في لوزون، أهم جزيرة في الفلبين سواء بسبل دبلوماسية أو بالقوة.

أما القواعد الجوية الأميركية واليابانية المنشأة في أوكيناوا أو كيوشو أو غوام، فهي إما ضعيفة للغاية أو بعيدة جدا، وتفتقر جميعها إلى العمق. على الرغم من أنه يمكن لأسطول الولايات المتحدة وحلفائها مع حاملات طائرات متعددة، أن يركز قوة هائلة لضرب الطائرات على المدى القصير، إلا أنه سيكون عرضة للاستنزاف الشديد وغير المتناسب، ما لم يتم الحفاظ على غطاء جوي مستمر فوق تايوان من بحر الفلبين، وبالرغم من أن القواعد البرية عرضة لهجمات الصواريخ الباليستية وأن استهداف حاملات الطائرات أصعب بكثير، إلا أن القواعد أكثر قابلية للبقاء، وتشكل جزءا صغيرا من التكلفة، ولها معدلات طلعات جوية مستدامة أعلى بعدة مرات من حاملات الطائرات.

اقرا أيضا: غزو صيني لـ تايوان.. ما الاحتمالات؟

على أي حال، ستنشغل هذه القواعد بهزيمة الأسطول الصيني المكون من ثلاث حاملات طائرات، والتي ستحمي سربا من الغواصات التي تمنع استخدام الولايات المتحدة لتلك البحار، والموجات المستمرة للصواريخ الصينية، وحتى الطائرات الهجومية من الجيل الثالث ستضعف القوة الجوية التايوانية والدفاعات الجوية، حتى لو نجحت تايبيه في امتصاص الضربة الأولية بأضرار طفيفة، وستعمل الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والغواصات والطائرات الصينية المضادة لدخول المنطقة المحظورة، على اعتراض جهود إعادة الإمداد البحري والجوي للوصول إلى موانئ الساحل الشرقي لتايوان.

نتيجة لذلك، سينخفض المقياس الحيوي للاستدامة بالنسبة لعدد المطارات الواقعة ضمن مسافة التشغيل. يوجد في تايوان ستة قواعد جوية مخصصة للجزر الرئيسية وخمسة عشر مطارا آخر، ستتعرض جميعها لقصف مستمر في حالة نشوب صراع، فعلى سبيل المقارنة، في نطاق 1000 كيلومتر، نصف القطر القتالي العنيف للمقاتلة الصينية J-11 التي تحمل حمولة كاملة من القنابل، وتطير متهربة من الرادار وتفتقر إلى دعم ناقلة التزود بالوقود. تمتلك الصين ثمانية قواعد جوية في نطاق 200 كيلومتر، وثلاثة عشر في نطاق 600 كيلومتر، وثلاثين أخرى في نطاق 800 كيلومتر. يمكن أن تستوعب كل من هذه القواعد الجوية الصينية من اثنين إلى ثلاثة أفواج جوية، أو خمسين إلى مئة طائرة، بسعة إجمالية تبلغ 3800 طائرة، أي تقريبا كل القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي.

بالمقارنة يوجد في أوكيناوا قاعدتان جويتان أميركيتان، هما كادينا وجينووان، بالإضافة إلى مطارين آخرين، ناها وأي جيما، وتقع كادينا، التي تشغل 81 طائرة ولكن قدراتها الاستيعابية لا تتجاوز بضع مئات على بعد 750 كيلومترا من منتصف مضيق تايوان، والتي تقع في نطاق مقاتلة F-15C/E. ومع ذلك، ستعمل هذه الطائرات بشكل عمودي على طول ساحل البر الصيني الرئيسي، مما يعرض طلعاتها الجوية إلى تايوان لتسهيل التتبع والاعتراض. هناك سبع قواعد جوية ومطارات أخرى في سلسلة جزر ريوكيو، أقربها 450 كيلومترا من خط الوسط لمضيق تايوان.

 تكمن المشكلة العامة في قواعد جزيرة ريوكيو، في أنها ستنفق نسبة عادلة من مواردها واحتياطياتها فقط للحفاظ على حمايتها ضد الغارات الصينية، ويوجد في جزيرة كيوشو الرئيسية في اليابان قاعدتان جويتان وسبعة مطارات وموانئ واسعة، حيث يمكن توفرها بسهولة، ولكنها تبعد 1300 كيلومتر عن مضيق تايوان، وعلى طول طريق موازي بشكل غير مستقر للقواعد الجوية الساحلية الصينية حول شنغهاي وتايتشو. تقع غوام التي تستضيف قاعدة أندرسن الجوية على مسافة 2800 كيلومتر، وفق تقرير لـ “الناشيونال انتريست ” ترجمه “الحل نت”.

من منظور القواعد الجوية الصينية، تقع جزيرة لوزون الفلبينية الرئيسية “خلف” تايوان تماما، مما يسمح للمستخدم الأميركي المحتمل بالاستفادة من موقع العمق للحماية، وتوفير غطاء جوي فوق تايوان، وتقع القواعد الجوية في لوزون أيضا بالقرب من كاوشيونغ، أكبر ميناء في تايوان، والذي من المحتمل أن يكون هدفا لهجوم برمائي صيني. تمتلك لوزون أيضا شبكة واسعة من الموانئ الساحلية، والكثير من الموانئ الطبيعية، وشبكة طرق وسكك حديدية تشق طريقها جنوبا إلى كل من ميناء مانيلا والعاصمة ومركز البنية التحتية للفلبين.

 مطار باسكو يقع على جزيرة داخل قناة باشي، على مسافة متساوية بين الفلبين وتايوان، وفي حال عزله، يعد قاعدة استرداد مثالية للطائرات المتضررة العائدة إلى قاعدتها، والمطارات الرئيسية في شمال لوزون هي مطار لاواج الدولي، على بعد أقل من 700 كيلومتر من مضيق تايوان، وتوغويغاراو، التي يمكن أن تدعم الطائرات العسكرية، ولكن لا يتموضع أي من المرفقين بالقرب من ميناء وليس لأي منهما خط سكة حديدية. يوجد أيضا مطار في كاجايان يمكن تطويره.

كذلك توجد شبكة من المطارات في وسط لوزون، يمكن أن توفر غطاء للقواعد الشمالية ولتايوان، بما في ذلك دانيلو أتينزا وفورت ماجسايساي، بالإضافة إلى مطار لواكان في باجيو ومطار سان فيرناندو، وكلاهما لهما إمكانية الوصول إلى ميناء سان فيرناندو ووصلة سكة حديد إلى مانيلا. تفتقر كل من كوايان و باجاباج إلى وصلات الموانئ أو السكك الحديدية، وفي جنوب لوزون، بالقرب من مانيلا وعلى بعد ما يزيد قليلا عن 1000 كيلومتر من مضيق تايوان، يوجد مجموعه خمسة عشر مطارا، ستة منها يمكنها تشغيل طائرات عسكرية، بما في ذلك القواعد الجوية العسكرية الأميركية السابقة كلارك ومطار سوبيك باي الدولي وسانجلي ورومبلون وماريندوك، وبالتالي من المحتمل أن تكون لوزون قادرة على استضافة العديد من الطائرات مثل تايوان، وأكثر من كيوشو وأوكيناوا وغوام مجتمعة.

لكن تنبع المعضلة الإستراتيجية من عاملين رئيسيين أولا، تحفز الفوائد التشغيلية المحتملة للولايات المتحدة الصين على تحييد وصول الحلفاء إلى هذه المنشآت. ثانيا، الطائرات الصينية التي تحلق من قواعد لوزون الشمالية، سوف تمكن بكين من إغلاق خط الاتصالات البحري الأميركي عبر بحر الفلبين إلى موانئ الساحل الشرقي لتايوان. لذلك تحتاج الولايات المتحدة، على الأقل، إلى خطة تدخل مضاد إذا أدركت بكين فوائد الاستيلاء على لوزون الشمالية أو دعوتها إليها، والمشكلة المباشرة هي أن الجيش الفلبيني ضعيف بشكل استثنائي، ولا تمتلك البحرية سوى فرقاطتين للصواريخ من فئة خوسيه ريزال، وثلاث سفن هجومية سريعة من فئة MPAC Mk.3   مع صواريخ مضادة للسفن، وسفينتين هجوميتين من فئة تارلاك، كل منها قادر على إنزال كتيبة من مشاة البحرية.

قد يهمك: نهاية سريعة لتهديدات الصين بغزو تايوان؟

لا يّطير سلاح الجو الفلبيني سوى 12 طائرة مقاتلة من طراز  FA-50PHوطائرتي هليكوبتر هجومية من طراز .A,H-1S يتم تنظيم جيش مانيلا البالغ قوامه 100 ألف فرد  في فرقة مدرعة خفيفة وعشرة فرق خفيفة تضم نصف القوة، والتي تمتلك فقط 220 قطعة مدفعية مقطوعة. من بين الفرق الإحدى عشرة للجيش الفلبيني، تم نشر أربعة في لوزون، اثنتان فقط تحميان شمال لوزون، وهناك 100 ألف جندي احتياطي إضافي لستة وخمسون كتيبة ميليشيا محلية منتشرة في جميع أنحاء البلاد. علاوة على ذلك، كانت ميزانية الدفاع الفلبينية في عام 2021 فقط 5.6 مليار دولار، أو أقل من 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

إدراكا منها لأهمية لوزون، فقد تحاول الصين الهبوط البرمائي الخاطئ في بالاوان أو على الجزر في مضيق باشي أو في خليج لينجاين لإغلاق شمال لوزون، تماما مثل الاستيلاء الألماني الوقائي والجريء على النرويج كجزء من عملية فيزرأوبونغ في نيسان/أبريل 1940، وقد سمح الاستيلاء الألماني على النرويج حينها بإنشاء قواعد بحرية وجوية مع الوصول إلى المحيط الأطلسي، مما منع الأسطول الألماني القديم من الاحتشاد في بحر الشمال. وبالمثل، فإن لوزون الشمالية ستمنح الطائرات الصينية والمنصات البحرية وصولا استثنائيا إلى بحر الفلبين، الذي يحظره أرخبيل ريوكيو الياباني وتايوان، كما سيسمح للصين بضرب سلسلة من موانئ الساحل الشرقي التايوانية بسهولة.

ليس من المستغرب إذن أنه عندما كانت الولايات المتحدة تخطط لهجومها على تايوان في عام 1944، كلف الأميركيون القوات الجوية المكسيكية باعتراض القواعد اليابانية في لوزون، الجزيرة الشمالية للفلبين. وبالمثل، فإن الجزء الأكبر من قوات الطيران اليابانية التي دعمت غزو الفلبين في كانون الأول/ديسمبر 1941 كان تعمل من فورموزا، حتى يتمكن اليابانيون من تأمين القواعد البرية.

هذا لا يعني أن المقاومة الفلبينية ستكون خفيفة وأن الاستيلاء عليها سيكون سهلا. يبلغ عدد سكان لوزون 52 مليون نسمة، أو 57 في المئة من إجمالي سكان الفلبين البالغ عددهم 110 ملايين نسمة، يعيش 21 مليونا منهم في المناطق الحضرية الممتدة من مانيلا. أما المناطق الساحلية في المنطقة الشمالية من لوزون، حيث توجد معظم القواعد الجوية، يقطنها ثمانية ملايين من شعب الإيلوكانو. على سبيل المقارنة، كان عدد سكان الفلبين سبعة عشر مليونا فقط خلال الحرب العالمية الثانية، يحميهم جيش قوامه 100 ألف جندي فلبيني و20 ألف جندي أميركي، وقاوم 260 ألف مقاتل فلبيني اليابانيين، لكن 30 ألفا آخرين من الشيوعيين في وسط لوزون قاتلوا ضد كل من الجماعات اليابانية والمدعومة من الولايات المتحدة، وتوفي ما مجموعه 900 ألف مدني فلبيني و57 ألف جندي في المقاومة أو المعاناة تحت الغزو والاحتلال الياباني.

 الفلبين تحتاج إلى أن تكون مركزا لجهود دبلوماسية أميركية منسقة وسخية، لإعادة فتح الوصول إلى المنشآت الجوية مثل لاواج ومطار كلارك الدولي، والذي سيكون أمرا حيويا للغاية للدفاع ضد أي هجوم صيني على تايوان، وسيقاوم السياسيون المحليون الوجود العسكري الأميركي لأسباب مماثلة لأوكيناوا. كما أن الرئيس الحالي للفلبين، فرديناند ماركوس جونيور، هو نجل الرئيس والدكتاتور السابق فرديناند ماركوس.

قد سعى ماركوس جونيور إلى موازنة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة بالتساوي، ورفض الدعوات لمواءمة الفلبين مع مجال النفوذ الأميركي، وتسببت قرارات المحاكم القائمة على حقوق الإنسان ضد والد ماركوس جونيور في حدوث توتر في علاقته بواشنطن، ويعتقد بعض المراقبين أن ماركوس جونيور يسعى إلى إقامة علاقات مع بكين، التي تربطه بها تاريخ طويل فوق العلاقات مع واشنطن، التي أبرمت اتفاقية دفاع مشترك مع مانيلا. طبعا هذا على الرغم من العلاقات المضطربة بين الفلبين والصين بشأن ملكية سكاربورو وسكند توماس شولز، ومع ذلك، قد يواجه ماركوس، مثل دوتيرتي، عداء عاما لتحسين العلاقات مع الصين. علاوة على ذلك، فإن اختيار الوزراء في حكومة ماركوس يشير إلى المحسوبية الكبيرة وينذر بالفساد. وبالرغم من ذلك، من غير المحتمل أن تتأثر الفلبين بسهولة ببكين.

يعتقد المراقبون أن ماركوس يعطي الأولوية لاستئناف استثمارات البنية التحتية الصينية في الطرق والجسور والسكك الحديدية، والتي وعد بها شي جين بينغ في عام 2016، ولكنها تأخرت بسبب الظروف السياسية. قد تستفيد الفلبين من حاجة واشنطن الأكبر إلى مانيلا، لأن الفلبين لا تعتمد بشكل خاص على الصين ومعظم الصادرات الفلبينية إلى الولايات المتحدة، على الرغم من أنها تستورد معظمها من الصين ومنذ عام 2016، جاء معظم الاستثمار الأجنبي المباشر في الفلبين من اليابان، تليها الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتايوان، والفلبين الآن هي رابع أكبر شركة لبناء السفن في العالم، حيث تتنافس مباشرة مع الصين.

سوف تسمح شبكة القواعد البحرية الأميركية الواسعة، وعلاقاتها الودية مع معظم القوى البحرية في المنطقة، بسهولة فرض حصار تجاري بحري صيني في وقت مبكر في أي نزاع على تايوان. ومع ذلك، سيظل هذا الحصار سهل الاختراق حتى تعامل الدبلوماسية الأميركية مع العلاقات الإيجابية للصين مع العديد من الدول المحايدة المشاركة في التجارة البحرية. وعلى غرار تجربة الحرب العالمية الأولى، لن يكون للتشديد التدريجي للحصار والعقوبات تأثير سياسي إلا على بكين وحلفائها الدوليين، بعد فترة طويلة من حسم مصير تايوان في السماء وفي ساحة المعركة.

اقرأ أيضا: تراجع اقتصادي في الصين.. ما قصته؟

 سيعتمد كل من الحصار الصيني وغزو تايوان بشكل كبير على سلامة وقابلية الدفاع عن حزام ثانوي من القواعد البحرية الحليفة، التي تهدف إلى الحفاظ على الإمدادات لتايوان، ولمواجهة هذا التهديد، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تأمين عمق القواعد الجوية، مما يعني أن الدفاع عن تايوان يعتمد بشكل كبير على الوصول الأميركي إلى شبكة واسعة من القواعد الجوية، الممتدة من الساحل الشمالي لغينيا الجديدة الإندونيسية إلى لوزون في الفلبين، وقد حان الوقت الآن لضمان احتفاظ واشنطن بإمكانية الوصول إلى هذه الشبكة الحيوية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية