الحفلات في دمشق.. من نقابة الفنانين إلى الأمن السياسي!

الحفلات في دمشق.. من نقابة الفنانين إلى الأمن السياسي!
أستمع للمادة

لطالما كان الغناء في دمشق صعبا، فحضور أي فنان أو مثقف إلى العاصمة السورية لا يقتصر فقط على تنسيق الحفل، أو الأمسية مع أحد المتعهدين أو منظمي الأحداث الثقافية، بل يمر إلى سلسلة من الموافقة الإدارية والأمنية تبدأ في وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، ولا تنتهي في فرع الأمن السياسي.

لذلك وعلى أهمية دمشق الثقافية والتاريخية وكذلك أهمية مدينة حلب كواحدة من حواضر الفن في الشرق، تراجع في فترة حكم حزب البعث الحضور الفني العربي، وانعدم العالمي خصوصا في فترة منتصف الثمانينات إلى بداية القرن الجديد.

كل نجوم العالم العربي والمصريين خصوصا، حضورهم يعد على الأصابع في سوريا ويتكرر كل 5 سنوات أو أكثر، محمد منير على سبيل المثال لم نستطع الحصول على أي معلومة حول حفل له في سوريا، رغم أنه كان دائما التردد على مهرجان “حصين البحر الثقافي” رفقة أحمد فؤاد نجم وآخرين.

عمرو دياب أحيا أخر حفلات في 2009 وكان غائبا عن سوريا لـ 5 سنوات وربما سبقها غياب مشابه، أما نجوم لبنان فكان يسمح بحضور من غنوا سابقا للرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، كنجوى كرم وعاصي الحلاني وآخرين، أما الفنانة ماجدة الرومي مثلا فكان حضورها عام 2004 لافتتاح “دار الأوبرا”، هو الأول لها في دمشق، وقد احتاج قرارا جمهوريا حيث تم توجيه الدعوة من أسماء الأسد (زوجة الرئيس السوري الحالي بشار الأسد) بشكل مباشر.

حتى فيروز التي ارتبط اسمها بدمشق وجمهور معرض دمشق الدولي، غابت عن دمشق لسنوات طويلة قبل أن تعود بمسرحية عام 2008 ضمن فعاليات “دمشق عاصمة الثقافة العربية”.

في 2007 منع نقيب الفنانين صباح عبيد كل من هيفاء وهبي وروبي وإليسا من الغناء في سوريا، ويقال أن منع إليسا كان لتأييدها الواضح لقائد حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

ليست التضيقات الأمنية هي الجانب الوحيد لصعوبة إقامة الحفلات في دمشق، إنما الظرف الاقتصادي في نهاية القرن الماضي كان لا يجعل دمشق وجهة مفضلة للفنانين العرب أيضا، وهناك نقاط أخرى كثيرة، ولكن في وقتنا الحالي تفتح الحكومة أبواب دمشق لكل راغب في اعتلاء مسارحها، ويلاحق حفلات دمشق الجدل دائما إن كان حول سعر البطاقة كما حدث مع الموسيقي اللبناني غي مانوكيان، والذي قال إنه قادم لزرع السعادة في قلوب الجمهور، وكان ذلك مقابل قرابة 100 دولار سعر البطاقة.

قد تلعب هوية الفنان دورا بالجدل مثل حفل الفنان المصري هاني شاكر، وقد يجد الفنان نفسه فجأة كبش فداء لموقف عروبي مقاوم كما حدث مع الفنان المصري صاحب الشعبية الطاغية، محمد رمضان.

رواد الحفلات

لا يخفى على أحد الوضع الاقتصادي الصعب في سوريا، التدهور المستمر للعملة المحلية والعقوبات الاقتصادية والارتفاع الجنوني لكلف المعيشة، والتراجع الكبير في القدرة الشرائية للمواطن السوري، يجعل أكل الفواكه مثلا جزء من الرفاهية، فما بالكم بحضور حفل. ومع ذلك نجد مسارح الحفلات ممتلئ، وحتى الملاهي التي تعتليها ريم السواس وسارة زكريا تمتلئ عن بكرة أبيها، فمن يحضر هذه الحفلات.

عن هذا السؤال يجيب الصحفي عمار رهوان وهو اسم مستعار لصحفي يعيش ويعمل في دمشق، حيث يقول إن تفاعل السوريين يختلف مع هذه الحفلات والمهرجانات الغنائية في سوريا، فالكثير منهم أساسا لا يملك ثمن التذكرة المرتفعة بأغلب الحالات لحضور مثل هذه الحفلات، فيرى البعض أن الاستثمار ودفع مبالغ طائلة على حفلة في قلعة دمشق مثلا، هو إهانة بحق السوريين الذين يعانون يوميا من الفقر ونقص المواد الأساسية وانعدام وجود الكهرباء والمحروقات، فلا يمكن لبلد مدمر أن يظهر بهذا الشكل السياحي المبهر، في حين معظم أبناء هذا البلد يعيشون براتب شهري أقل من سعر تذكرة حفلة واحدة من هذه الحفلات.

 لكن من الجانب الثاني هناك جمهور لهذه الحفلات يصفه رهوان، بأن بعض السوريين في دمشق يرى أن مثل هذه الحفلات ضرورية لشعب عانى ما عاناه في ظل الحرب السورية، ولا يزال يعاني تحت الضغوط الاقتصادية والظروف المعيشية، باعتبارها متنفس ترفيهي يستطيعون من خلاله الابتعاد عن هذه الظروف والصدمات التي عاشوها خلال السنوات الماضية ويختصرون كل هذا بكلمة من حق الشعب أن يفرح قليلا.

وبين المؤيدين والمعارضين لهذه الحفلات هناك جانب ثالث في جمهور دمشق بحسب رهوان، هو الجانب غير المكترث بما يحدث في البلاد فهو منشغل بتأمين لقمة العيش وأساسيات الحياة.

تسويق مبطن

مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 كانت مصر على الصعيد الاجتماعي والفني والسياسي من أكثر الدول تفاعلا مع الحدث السوري بكافة أشكاله.

فنيا أعلن عدد من الفنانين المصريين تأييدهم للحكومة في سوريا ومن أبرزهم الممثلة إلهام شاهين، وعلى الجانب الآخر، امتنع فنانون ومثقفون مصريون كانوا دائمي الحضور للفعاليات الفني والثقافي في سوريا عن الحضور، وأعربوا عن دعمهم للشارع السوري المعارض، ومن أبرزهم النجم العربي الراحل نور الشريف والشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم.

منذ ذلك الوقت غاب الحضور الفني المصري في دمشق، على الأقل لأسباب فنية، وبعد انقطاع استمر لأحد عشر عاما، أطل المغني ونقيب المهن الموسيقية في مصر هاني شاكر عبر مسرح “دار الأوبرا” في دمشق المعروف رسميا باسم “دار الأسد للثقافة والفنون”.

الصحفي المصري محمد عابدين يرى أن حضور هاني شاكر إلى دمشق وبصفته نقيب المهن الموسيقية في مصر، لا يمكن النظر إليه كحضور فني منفصل عن الاتجاه السياسي المصري والعربي حاليا لإعادة تعويم الحكومة السورية.

هاني شاكر لديه تكليف أمني وسياسي غير رسمي بتنظيم العمل الفني بمصر، ولذلك ذهابه إلى سوريا هو جزء من عملية التطبيع من دمشق بشكل أو بآخر، بحسب عابدين. الهدف من هذه الحفلة بث رسالة بأن هناك محاولة لإعادة العلاقات مع سوريا، ودمج سوريا مجددا في النظام العربي، ورسالة إلى باقي الفنانين المصريين بأن الطريق إلى دمشق مفتوح.

هذه الرسالة وصلت سريعا ولم تكد تنتهي أصداء حفلة هاني شاكر حتى أعلن عن حفلة للفنان محمد رمضان في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وأثار هذا الإعلان جدلا واسعا حتى تم إلغاء الحفل بدعوى علاقة رمضان بإسرائيليين، وعن ذلك علق عمار رهوان بالقول، لكل فنان جمهوره ومحبيه ولا ولا يجوز لأحد مصادرة هذا الحق سواء كان نقيب الفنانين أو أي سلطة، فالقرار بشأن ما هو الفن الذي نريده والفن الذي لا نريده يعود للمتلقي والمتلقي وحده، سياسة الإلغاء ليست إلا شكلا آخر من شكل القمع الفكري والسلطوية على أذواق الناس.

عودة الفنانين المصريين لإحياء حفلات في دمشق بحسب الصحفي محمد عابدين تلقى بعض الترحيب في الأوساط المصرية لما يكنه المصريون من محبة لسوريا والشعب السوري، ورغبة في عودة سوريا إلى الواجهة العربية، لكن هذا الترحيب لا بد أن تشوبه الغصة خصوصا بعد الانتهاكات التي ارتكبت في سوريا بدون أي محاسبة.

زيادة وتيرة الحفلات

ليس من مصر فقط بل من دول أخرى وخصوصا لبنان، يصل الفنانون والنجوم العرب تباعا للحضور على مسارح دمشق، وهذا ما وصفه عمار رهوان بتلميع صورة دمشق، فهناك زيادة في وتيرة الحفلات في سوريا الصيف الماضي، باعتبار أن هذه الحفلات تخدم دعاية “سوريا الآمنة” التي تروج لها دمشق من جهة، وهي شكل من أشكال الاستثمار قصير المدى وسريع الربح بالنسبة للشركات الإعلانية والمنظمة لها من جهة أخرى.

هذه الحفلات هي نوع من تبييض الصورة القاتمة لسوريا المدمرة، بحسب تعبير رهوان، لسوريا ما بعد الحرب، كما حصل مع حفلة الفنان المصري هاني شاكر الذي دعا زملاؤه للقدوم إلى سوريا باعتبارها آمنة كليا ولا خوف على أحد.

اقرأ أيضا: هاني شاكر يولد من جديد في سوريا

بالتزامن مع الإعلان عن حفلة هاني شاكر قبل أشهر تداولت وسائل إعلام سورية، أخبارا عن محاولة الأوبرا والأمانة السورية للتنمية دعوة الموسيقار اليوناني العالمي ياني لإحياء حفل في دمشق، ما سينقل ما تم وصفه بـ “تلميع صورة دمشق” إلى مستوى آخر عالمي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة