بالآلاف، شيبا وشبابا وعائلات ومن مختلف الطبقات؛ يسارع التونسيون إلى هجرة البلاد، وبغض النظر عنما إذا كان ذلك مشروع يضمن لهم الحياة أم الموت في منتصف الطريق، وحتى إن كان أحدهم دكتور أو أمّي؛ المهم الخلاص من مأساة الوضع الاقتصادي وتفاعلات الاستقرار السياسي، حيث سجّلت البلاد أرقاما قياسية من الذين اختاروا طريق الهجرة نحو أوروبا، سواء كان ذلك بشكل نظامي، أو لا بأس إن كان ذلك عبر “قوارب الموت“، أو حتى لو كرروا المحاولة أكثر من مرة.

إذ تصاعدت وتيرة الهجرة غير النظامية من تونس إلى السواحل الإيطالية في أعقاب عقدٍ من الاضطرابات السياسية التي تعيشها البلاد على خلفية الاحتجاجات التي تفجرت في أواخر العام 2010 وأطاحت بحكم زين العابدين بن علي، ليعقبها فصلا من التدافعات السياسية التي تركت البلاد في منعطف خطير، وسط مخاوف من إفلاس الدولة العام.

ما ساعد في ذلك أيضا، الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أدى لتفاقم الأزمة بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية والغاز، وتخلي الحكومة التي يرأسها قيس سعيّد عن دعم المواد الأساسية، ليصل عدد المهاجرين إلى أوروبا غير النظامين لهذا العام نحو 35 ألف تونسي، مقابل منع السلطات التونسية 35 ألفا أخرين من الهجرة، وفقا لـ “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية“، ووسط ارتفاع معدلات التضخم إلى ما يقرب من 10 بالمئة للعام الجاري.

أرقام صادمة

كلّ ذلك بعد أن شهدت هجرة التونسيين غير النظامية نحو أوروبا، نسقا تصاعديا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد عام 2020 وظهور التداعيات السلبية لجائحة “كورونا” ثم الأزمة السياسية، حيث سجل أكثر من 12 ألفا و360 مهاجرا تونسيا نحو السواحل الإيطالية عام 2020، ثم ازداد العدد عام 2021 ببلوغه 15 ألفا و675، وقبل أن يصل العام الحالي إلى أعلى مستوياته.

خبراء ومراكز مختصة تعزو أسباب تنامي حالة الهجرة بين التونسيين إلى تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانسداد الأفق وضعف الأمل في مستقبل أفضل، إذ إنها العوامل التي أسهمت في تواصل حالة الاحتقان وعدم الرضاء واللجوء إلى الهجرة على رغم من أخطارها، وهي العوامل ذاتها التي ستسهم في تصاعد وتيرة الاحتجاج والعنف خلال الأشهر المقبلة في حال لم يتم تدارك الأمر.

اقرأ/ي أيضا: حراك عُماني لمنع تجدد التوتر باليمن.. حفاظ على الهدنة “غير المعلنة“؟

وعلى الرغم من أن الهجرة حالة إنسانية يتوقها الإنسان لتغيير واقعه، وذلك منذ فجر التأريخ حيث هاجر العرب نتيجة لضغوطات معينة تعرضوا لها حينها، كما هاجرت الشعوب الأوروبية إلى الولايات المتحدة الأميركية أملا في الحصول على واقع أفضل مما تعيشه وتغييّر أوضاعها الاقتصادية، بحسب المحلل السياسي حازم القصوري، الذي لم يستبعد تأثير الأزمة السياسية في تفاقم حالة الهجرة في تونس، مشيرا في الوقت ذاته إلى إنها حالة عامة لا تخص تونس وحدها، لكنها برزت إلى هذا الحد بسبب ما أنتجه الوضع السياسي.

القصوري حمّل في حديث لموقع “الحل نت“، أسباب زيادة أعداد الهجرة في بلاده لما سماه بالعشرية “السوداء” التي حكم خلالها “الإخوان المسلمون” البلاد عقب الإطاحة بنظام بن علي، حيث بدأت منذ ذلك الوقت تنامي رغبة الشباب في الالتحاق بأوروبا وترك تونس.

وعن سبل الحد من هذه الظاهرة، يفترض القصوري معالجة الأمر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بشكل كامل وشامل بمعنى أن الموضوع ليس تونسيا خاصا لكي تعمل تونس وحدها على علاجه، بل إنه ملف دولي وله ارتباطا بـ”الاتحاد الأوربي” وهو ما يتطلب تدخل الجميع في علاجه.

سبل الحد من الهجرة في تونس

حول ذلك، بيّن القصوري أن ملف الهجرة يُعد من أكثر الملفات التي أرّقت العالم، ولذلك لا يمكن احتسابه تونسيا، إذ لما فيه من تداعيات دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى بناء حائط خرساني صلب لوقف تدفق المهاجرين إليها من المكسيك، لذلك هو ملف تفاقم نتيجة تداعيات اقتصادية وسياسية محلية ودولية تركت أثرها على البلدان، بالتالي أن الحديث عن الهجرة التونسية هو أمر مفهوم وأسبابه واضحة لما حملته السنوات العشر الماضية من تداعيات سياسية ولم تعالج الملفات الحارقة، داعيا إلى معالجة هذا الملف من خلال التكافل الدولي والإقليمي والمقاربات السياسية ووضع سياسات وقائية واقتصادية شاملة، خصوص وأن تونس أيضا تواجه تدفق المهاجرين من الأفارقة بشكل غير قانوني.

يُشار إلى أن الهجرة غير النظامية بين التونسيين تسببت بوفاة أكثر من 500 مهاجر في عرض البحر، من 13 ألف مهاجر تونسي وصلوا السواحل الإيطالية، خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير وحتى يوم 12 من أيلول/سبتمبر الماضي، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 23 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لـ “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية“، الذي أشار إلى أن الأزمة الاقتصادية والسياسية الحادة في البلاد وراء هذا الارتفاع.

اقرأ/ي أيضا: الأردن يتوسط لإنهاء أزمة الجزائر مع إسبانيا والمغرب.. ما فرص نجاحه؟

في حين مع تحسن الأحوال الجوية خلال فصلي الربيع والصيف تتزايد وتيرة محاولات الهجرة غير النظامية انطلاقاً من السواحل التونسية والليبية نحو السواحل الإيطالية وصولا إلى أوروبا، كما أن تلك الأرقام التي يقدمها المنتدى، مستقيه بشكل دوري من بيانات وزارتي الداخلية والدفاع في تونس وإيطاليا ومنظمات ونشطاء مستقلين.

وسط ذلك الجدير ذكره، أن الأزمة الاقتصادية والسياسية في تونس دفعت البلاد خلال الأشهر الأخيرة الماضية، إلى مشارف أزمة دواء بعد إعلان موزّعي الأدوية إضرابا مفتوحا اعتراضا على ما اعتبروه “أعباء ضريبية“، حيث قالت “الغرفة النقابية للمؤسسات الصيدلية لموزّعي الأدوية” عبر صفحتها على موقع “فيسبوك” إن قرار الدخول في إضراب جاء بسبب عدم استجابة السلطات إلى مطلبها المتمثل في تجديد شهادة تمنحهم إعفاءات ضريبية، لافتة إلى أن المؤسسات المنضوية تحت لوائها تئن تحت وطأة أزمة مالية خانقة.

بالعودة إلى ملف الهجرة، وفي أحدث مأساة على السواحل التونسية غرق في الليلة الفاصلة بين يومي السادس والسابع من الشهر الجاري بسواحل المهدية، مركب يضم نحو 37 شخصا نجا من بينهم 14 وانتشل الحرس البحري 12 جثة ولا يزال البحث مستمرا عن مفقودين آخرين، بينما بلغت أنشطة الهجرة السرية ذروتها هذا العام، في شهر آب/أغسطس الماضي، لتصل إلى أكثر من 3700  مهاجر تونسي وصلوا إلى السواحل الايطالية في أقل من شهر بين 15 آب و8 أيلول/سبتمبر العام الجاري.

الكفاءات على خط الهجرة في تونس

من بين المهاجرين التونسيين لهذا العام، وصول 2600 قاصر و640 امرأة و500 أسرة تونسية إلى السواحل الإيطالية في رحلات غير شرعية عبر البحر، في وقت أحبطت فيه السلطات التونسية نحو 1800 عملية عبور، بحسب “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية“، فيما استخدم طريق وسط البحر الأبيض المتوسط من قِبل أكثر من 42500 مهاجر من كانون الثاني/يناير إلى تموز/يوليو، بزيادة قدرها 44 بالمئة مقارنة بالأشهر السبعة الأولى من عام 2021، وفقا لوكالة “فرونتكس” الأوروبية.

بخلاف الهجرات غير المنظمة، تشهد تونس مغادرة الآلاف من الكوادر والكفاءات سنويا بطرق شرعية نحو الدول الأوروبية والخليج العربي وأميركا الشمالية بسبب تدني الأجور وارتفاع كلفة المعيشة، وقدّر “المرصد التونسي للهجرة” عدد المغادرين للبلاد سنويا بنحو 36 ألف، في حين يعيش مليون و700 ألف تونسي في الخارج من أصل أكثر من 11 مليون مواطن تونسي، وفق احصائيات رسمية.

مقابل تلك الزيادات، لفت “المعهد الوطني للإحصاء” الحكومي، أن نسبة البطالة تجاوزت 20.5 بالمئة في صفوف النساء مقابل 13.1 بالمئة عند الرجال خلال الثلث الثاني لعام 2022، بجانب تفاقم الفقر لدى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع على رأسها النساء.

ومنذ 25 تموز/يوليو 2021، تعاني تونس أزمة سياسية حادة حين بدأ الرئيس قيس سعيّد فرض إجراءات استثنائية منها إقالة الحكومة وتعيين أخرى، وحل “مجلس القضاء” و”البرلمان” وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية وإقرار دستور جديد للبلاد عبر استفتاء في 25 تموز/يوليو الماضي وتبكير الانتخابات البرلمانية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.