استمرار الحرب في أوكرانيا.. المنافسة بين القوى العظمى تقسم الخليج؟

أستمع للمادة

في الخليج، حيث كانت الولايات المتحدة هي اللاعب الخارجي المهيمن لعقود من الزمن، سعت الصين إلى إقامة علاقات سياسية وثيقة مع القوى الناشئة لتأمين الوصول إلى موارد الطاقة الحيوية، وتوسيع نطاقها التجاري، وتعزيز نفوذها الاستراتيجي. بينما تعتقد الصين أن الهيمنة الأميركية في الخليج آخذة في التراجع، فإن نهجها لتحقيق مكانة القوة العظمى ونفوذها كان حذرا ومترددا، وإن إثارة عدم الاستقرار لا يفيد الصين، التي لا تملك الإرادة ولا القدرة على ملء الدور الأمني الإقليمي الذي تشغله الولايات المتحدة، وبدلا من ذلك، طورت الصين شراكات استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي الرئيسية التي يمكن أن يعزز دعمها مكانتها كقوة عظمى ويسمح لها بإبراز نفوذها في ساحات جديدة.

هذه العلاقات التي تطورت في الأعوام الأخيرة بين الصين ودول الخليج، تطرح عددا من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه الأطراف، وهل قدمت القمة الصينية الخليجية أي نوع من الشراكة الاستراتيجية بين الصين والخليج، وهل تعتبر الاتفاقيات بين الصين والخليج شراكة استراتيجية أم تحالفات.

تجنب المواجهة والصراع

من الواضح أن الصين مصممة على تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة ولا تريد الانجرار إلى الصراعات المتعددة في المنطقة، حيث تفضل بكين اتخاذ موقف عدم التدخل، مما يسمح لها بالبقاء على الحياد في معظم النزاعات الإقليمية والاستفادة من الفرص الاستراتيجية والاقتصادية. ونتيجة لذلك، فإن مشاريع مبادرة “الحزام والطريق”، في الخليج هي في الأساس وسيلة لتعزيز مكانة بكين كقوة عظمى في المنطقة، وسياسة عدم التدخل هذه ضرورية لضمان نجاح إطار مبادرة “الحزام والطريق” من خلال الحفاظ على الحياد وعدم إبعاد أي طرف، وفي الوقت نفسه، تنظر دول الخليج إلى الصين كشريك تجاري مثالي لا يتدخل في الشؤون الداخلية وكقوة عظمى لها تأثير سياسي كبير على الساحة الدولية.

القمة الخليجية الصينية

في هذا السياق، يرى جمال أمين همام، الصحفي المتخصص في الشؤون الخليجية، أن الصين مستورد رئيسي للنفط الخليجي ومن ثم هي شريك أساسي في التبادل التجاري كما أن دول الخليج هدف رئيسي للصين في مبادرة “الحزام والطريق” ولذلك تنامت المشروعات الاستثمارية بين دول الخليج عامة والسعودية خاصة في الاستثمارات المشتركة الخاصة في مجال الصناعات النفطية، كما أن دول الخليج ومن خلال خطط التنمية 2030 تستهدف تنويع الشراكات وتوطين الصناعات الحديثة واستقطاب التكنولوجيا وهذا ما توفر بعضه الصين ودول جنوب شرق آسيا بصفة عامة.

إقرأ:المياه العکرة في بحر الصين.. هل تواجه اليابان خطر بكين وحلفائها؟

ما طبيعة العلاقة بين الخليج والصين؟

الصين تقيم علاقاتها مع دول الخليج من خلال دبلوماسية الشراكة بدلا من سياسات التحالف، هذه العلاقات ليست تحالفات، حيث ابتعدت بكين عادة عن تشكيل تحالفات، ووقّعت الصين اتفاقيات شراكة استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي توضح بالتفصيل استثمارات اقتصادية وتجارية كبيرة في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، بما في ذلك شراكات استراتيجية شاملة مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهما من أقوى دول المنطقة وأكثرها ثراء بالموارد، إضافة إلى شراكات استراتيجية مع الكويت وعمان وقطر، ومن المهم ملاحظة أن دبلوماسية الشراكة الصينية في الخليج تتوقف على تعميق العلاقات الثنائية والشراكات مع حلفاء الولايات المتحدة الحاليين لتوسيع نفوذها والوصول إلى الطاقة مع تجنب المواجهة مع واشنطن في الوقت نفسه.

مع ذلك، فإن التراجع النسبي للسيطرة والنفوذ الأميركي في الخليج العربي، والذي يحدث جنبا إلى جنب مع دور الصين المتنامي، يؤثر على ميزان القوى في المنطقة، مع الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ، حيث تسعى بعض دول مجلس التعاون الخليجي، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال إلى التحوط من التهديدات والتحول السريع في ميزان القوة من خلال إقامة علاقات مع قوى أخرى، وتهدف سياسة التحوط هذه إلى استخدام الصين كمصدر إضافي للدعم السياسي والاقتصادي وحتى العسكري، فضلا عن استخدام العلاقات مع بكين للضغط على واشنطن لتعديل سياستها.

بحسب همام، فإن العلاقات المتنامية بين دول الخليج والصين قوامها العلاقات الاقتصادية، وهي تندرج تحت إطار شراكة استراتيجية وليس تحالف سياسي أو عسكري، لكن الصين من النواحي العسكرية لم ترقَ للتحالف العسكري ولن تستطيع أن تكون بديلا للولايات المتحدة في منطقة الخليج لأسباب كثيرة منها أن منظومة التسليح الخليجية هي منظومة غربية أو أميركية كما أن العلاقات بين الصين وإيران مازالت تمثل عائقا أمام أي تقارب حقيقي في المجال الأمني، كما أن الصين لديها معوّق مهم وهو تايوان.

مستقبل العلاقات الخليجية الصينية

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تطورت إلى آفاق جديدة، وأصبحت أهم ديناميكية على المسرح العالمي، وشكلت النظام الدولي أثناء تطوره، وبين واشنطن التي تشعر بالقلق بشكل متزايد وبكين الناشئة، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في خيار بين حليفها الاستراتيجي الرئيسي وشريك اقتصادي مهم. ومع ذلك، فإن مستقبل الشراكة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لن يتحدد بما ترغب القوى العظمى في كسبه من الدول الخليجية ولكن بما تتوقع دول الخليج أن تكسبه من التنافس بين القوى العظمى.

الحرب الروسية الأوكرانية

على الرغم من أن القمة الصينية الخليجية أكدت الوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن دول الخليج ليس لديها رؤية موحدة ومتماسكة لنهج إقليمي للتنافس بين القوى العظمى، حيث تشترك دول الخليج في شكوك مشتركة بشأن التزام واشنطن المستقبلي تجاه المنطقة، لكن مواقفها تجاه الصين والتنافس بين القوى العظمى تختلف اختلافا كبيرا.

أيضا في حين كشفت منافسة القوى العظمى عن الاستراتيجيات المختلفة التي تتبعها كل من دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بالصين، فإن مناهجها المختلفة تجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين.

في هذا السياق، يرى همام أنه على العموم لن تأخذ العلاقات الصينية الخليجية شكلها النهائي قبل بلورة النظام العالمي الجديد وتحديد دور إيران الإقليمي ودور الاتحاد الأوروبي الذي بدأ يأخذ شكلا جديدا في التقارب مع دول الخليج من خلال وثيقة الشراكة الاستراتيجية الجديدة.

من الواضح أنه في وسط منافسة الدول الكبرى، والحرب في أوكرانيا، والصراع من أجل الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية، اضطرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى التنقل بحكمة بين الولايات المتحدة، حليفتها الاستراتيجية، والصين، شريكها الاقتصادي المهم، حيث ستختبر الاستراتيجيات المختلفة التي تتبعها كل دولة فيما يتعلق بالتنافس بين الولايات المتحدة والصين في نهاية المطاف أمن المنطقة واستقرارها، مما قد يؤدي إلى تقسيم دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا ما يوجب على دول الخليج تطوير إطار دبلوماسي لمعالجة خلافات سياستها الخارجية ومنع المنطقة من أن تصبح ساحة للصراع بين واشنطن وبكين، وإذا فشلت دول الخليج في القيام بذلك، فقد تظهر المنافسة بين الدول المجاورة، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المنطقة.

إقرأ أيضا:تصاعد التوتر بين الصين والهند في جبال الهيمالايا.. الأسباب والمآلات

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة