الخطوة التالية للمنطقة المغاربية.. نمو للنظام الإيكولوجي في إفريقيا؟

أستمع للمادة

في بلدان المغرب العربي، يبدو أن هناك مخططات تعمل على تعزيز طابع الاستدامة في التنمية، وعلى ضرورة الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، وذلك من خلال توفير الظروف والبيئة المناسبة لتعزيز أعمال الشركات الناشئة التي بدورها تساعد على تنمية اقتصاد البلاد ككل.

على الرغم من أزمات الركود الاقتصادية العالمية الذي تعاظم على مدار شهور ليصل إلى ذروته بنهاية العام، خصوصا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، التي غطَّت آثارها العالم أجمع، بجانب استمرار تداعيات جائحة “كورونا”، والتضخم وارتفاع الأسعار وانعكاساتها بشكل حاد على جولات التمويل والاستثمار في الشركات الناشئة، غير أن الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حققت نموا استثنائيا مقارنة بالأعوام السابقة، حيث تجاوز إجمالي التمويلات التي حققتها في مختلف القطاعات 3.2 مليارات دولار.

مقارنة بالسنوات السابقة، أثبت عام 2022 صحة المغرب العربي كقوة يُحسب لها حساب في عالم الشركات الناشئة. جمعت الشركات الناشئة في المنطقة أكثر من 260 مليون دولار في عام 2022 وحده، بزيادة تزيد عن 280 بالمئة عما جمعته من 2019 إلى 2021. للسياق، جمعت المنطقة بأكملها 20.1 مليون دولار عبر 19 صفقة في عام 2020، ثم 72 مليون دولار في عام 2021.

بالتالي لا بد من طرح عدة محاور للتساؤل هنا، الأول كيف تمكنت منطقة المغرب العربي من تحقيق نمو هائل في التمويل على مستوى الشركات الناشئة، بجانب فوائد ومزايا المنطقة المغاربية جغرافيا وسياسيا للنظام البيئي للشركات الناشئة، ولماذا يشكل نمو النظام الإيكولوجي في إفريقيا دعما رئيسيا للأسواق والشركات الناشئة في دول المغرب، وأخيرا التحديات التي واجهت الشركات الناشئة عام 2022.

بيئة خصبة

النصف الأول من عام 2021، كان الأكثر نشاطا في حصد التمويلات، حيث جمعت الشركات نحو 1.8 مليار دولار عبر 332 صفقة، وهو رقم يقترب من إجمالي التمويلات التي حصدتها الشركات خلال عام 2021. لاحقا، وبقدوم النصف الثاني من العام، تراجعت وتيرة التمويلات والصفقات بشكل ملحوظ مقارنة بالنصف الأول، رغم حصول عدد من الشركات الناشئة على تمويلات يمكن وصفها بـ”الضخمة”.

مؤتمرات لدعم الشركات الناشئة في تونس

من بين أكثر من 550 صفقة تمويل لشركات عربية ناشئة شهدها عام 2022، جاءت 5 صفقات بالتحديد على رأس قائمة “الصفقات الضخمة”، حصدتها شركات ناشئة في الإمارات والسعودية والبحرين والجزائر. هذه الصفقات الخمس قُدِّرت قيمتها بنحو 760 مليون دولار، أي ما يوازي ربع إجمالي صفقات التمويل التي حصدتها جميع الشركات الناشئة خلال العام الحالي، وفق تقارير.

بحسب تقارير صحفية، فإنه في بداية العام الجديد بدأت السلطات المختلفة في إصدار بطاقات تقارير عن كيفية أداء الشركات الناشئة الإفريقية في عام 2022. فيما يتعلق بتمويل المشاريع، والذي لا غرابة في أنه لا يزال المقياس الرئيسي لنمو النظام الإيكولوجي في إفريقيا، ومنطقة المغرب العربي في شمال إفريقيا، المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، حصلت على وفرة. مقارنة بالسنوات السابقة.

ضمن هذا الإطار، يقول الباحث الاقتصادي ورئيس “المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك”، لطفي الرياحي، أنه نظرا لأن منطقة المغرب العربي قوية اقتصاديا وهامة وذلك لعدة اعتبارات؛ من أهمها الموقع الاستراتيجي وحوكمة الموارد والطاقة الإنتاجية الكبيرة التي تمتاز بها المنطقة، بالتالي اجتذبت المنطقة شهية المستثمرين، إذ أسهم مستثمرو الولايات المتحدة بما يقارب ثلث التمويلات في المنطقة خلال العام الماضي.

قد يهمك: سيناريوهات أسعار النفط لعام 2023.. الإدراکات والتفسيرات

بحسب تقرير صحفي، فقد بلغ إجمالي التمويلات التي اجتذبها القطاع التكنولوجي المالي 2.36 مليار دولار عبر 351 اتفاقية في عام 2022، في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وباكستان وتركيا.

كذلك، من الأسباب التي أدت إلى انتعاش الشركات الناشئة، هو أن المنطقة تُعدّ بيئة خصبة للاستثمار في قطاع التكنولوجيا المالية والشركات الجاذبة للتمويل، كما أن شركة “فلوترويف” النيجيرية حصلت على اتفاقيات ضخمة ضمن هذا القطاع وقد أبرمت اتفاقيات ضخمة بقيمة تمويل بلغت 250 مليون دولار، وفق تعبيره.

بالتالي هذا ما يفسر النمو في تمويل على مستوى الشركات الناشئة مقارنة بما هو عليه خارج المنطقة، وهو ما يعتبر من إيجابيات نمو “النظام الإيكولوجي” الذي يُعتبر ركيزة هامة ومازال في أوجه العطاء، على حدّ قول الرياحي.

فوائد المنطقة

في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، تم نقاش أسباب عدم جذب المنطقة المغاربية قدرا كبيرا من التمويل التكنولوجي مثل بقية إفريقيا، على الرغم من أنها غير مدرجة في المنطقة المغاربية ولكنها مجاورة لدولة مصر، التي تهيمن على مشهد الشركات الناشئة في شمال إفريقيا.

غير أنه ورغم كل التحديات، تمكنت منطقة المغرب العربي من تحقيق نمو هائل في التمويل في عام 2022. وحصد اثنان من أصل سبعة استثمارات ضخمة، أي 100 مليون دولار أو أكثر في إفريقيا جاؤوا من المنطقة. وقد كانت شركة “إنستاديب” التونسية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي “آي أيه”، والتي تبلغ قيمتها 100 مليون دولار، هي الجولة الأولى الضخمة من العام.

في حين أنهت شركة “ياسر” الجزائرية للتطبيقات الفائقة، العام بـ 150 مليون دولار من السلسلة “بي”، وتعتبر هذه الشركة الناشئة الأعلى قيمة في شمال إفريقيا.

بالعودة إلى الخبير الاقتصادي، الرياحي، فإنه من مزايا المنطقة المغاربية موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يتميز بأنه بوابة إفريقيا وربط بين القارة الإفريقية وأوروبا.

أما سياسيا، يُعتبر الاستقرار السياسي للبلدان المغاربية، وتحديدا في المغرب والجزائر، عاملا مهما لجميع القوى الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى انحسار أو انعدام الأنشطة والأعمال الإرهابية التي كانت تمارس وتحدث من قِبل التنظيمات المتطرفة في المنطقة سابقا.

كما تُعد المنطقة بمثابة صمام أمام إفريقيا وأوروبا، وهذا وحده عامل مهم وحاسم لتطوير الشركات الناشئة في “النظام البيئي”، أو ما يُعرف بـ “النظام الإيكولوجي”، بالإضافة إلى القرارات الصادرة عن المؤسسات الحكومية التي تدعم قطاع الشركات الناشئة، على حد تعبير الرياحي.

فعلى سبيل المثال، أعلن صندوق “المغرب الرقمي الثاني”( إم إن إف 2)، مؤخرا، عن توسيع استراتيجيته الاستثمارية لتشمل الشركات الناشئة التي أسسها مغاربة العالم خارج المغرب، وذلك إدراكا منه للإسهام الهام لهذه الفئة في تطوير مجال الشركات الناشئة في المغرب، وفق تعبيره.

3 مؤسسات ناشئة تفوز بأفضل ابتكار في الصالون الدولي لتكنولوجيات الاعلام والاتصال 2022 “إنترنت”

هذا وذكر بلاغ للصندوق أنه بالإضافة إلى الاستثمار في الشركات المغربية الناشئة الموجودة في المغرب، فإن توسيع الاستراتيجية الاستثمارية لصندوق “المغرب الرقمي الثاني”، التي وافقت عليها هيئات الحكامة في الصندوق، سيسمح له بالاستثمار في الشركات الناشئة التي يقع مقرها الرئيسي في المغرب، وفق تقرير لموقع “تو إم” المغربي.

كما وأوضح أنه يتعين على الشركات الناشئة المستهدفة التوفر على مؤسس واحد على الأقل من جنسية مغربية، وإنشاء شركة تابعة في المغرب تخلق قيمة مضافة، وفقا لمعايير تتماشى مع استراتيجية التنمية للشركة المستثمرة.

صندوق “المغرب الرقمي الثاني”، الذي تم إنشاؤه سنة 2018، قام بتسجيل 6 استثمارات حتى الآن في الشركات الناشئة العاملة في مجالات متنوعة ومختلفة، ولعل أبرزها مجال الذكاء الاصطناعي. ويخلف هذا الصندوق “صندوق المغرب الرقمي” الذي تم إطلاقه في عام 2010 والذي وصل إلى نهاية فترة استثماره سنة 2016، والذي حقق ما مجموعه 17 استثمارا في الشركات التكنولوجية المغربية الناشئة في مختلف المجالات.

أهمية “النظام الإيكولوجي”

ترتيب تونس في مؤشر النظام البيئي للشركات الناشئة، نزل للعام الرابع على التوالي، حيث تراجعت إلى المرتبة 83 على مستوى العالم، وفي المقابل شهد المغرب قفزة مهمة قدمته إلى المركز 79 عالميا، وفق تقرير لموقع “المغرب”، منتصف العام الفائت.

قد يهمك: عام 2023 نقطة تحول بالنسبة لاستثمارات الخليج السيادية؟

تونس فقدت تسعة مراكز بين 2019 و2022، حيث جاءت في المرتبة 83 عالميا من أصل 100 دولة وفقا لما ورد في تقرير مؤشر النظام البيئي للشركات الناشئة شركة “ستارت أب بلينك”، وقد حصدت تونس نقطة إجمالية قدرها 0.548، وقد حصلت تونس على نقطة 0.21 فيما يتعلق بعدد الشركات الناشئة بالبلد، بينما منح التقرير نقطة 0.09 في المؤشر الفرعي المتعلق بالجودة، سواء تعلق الأمر بالأطر أو التمثيلية الدولية أو عدد المستخدمين، في حين حصدت تونس 0.24 في مؤشر البنيات التحتية الاستثمارية والقانونية. وقد خسرت العاصمة، المدينة الوحيدة من تونس المركز الثاني بين مدن شمال إفريقيا أمام الدار البيضاء وعلى الصعيد العالمي فقدت 76 مركزا لتحتل المرتبة 417.

بحسب التقرير، فقد قاد التقدم الذي شهده المغرب إلى إزاحة تونس، حيث سجل المغرب زيادة ملحوظة بمقدار 16 مركزا ليحتل المرتبة 79 عالميا، كما تحسّن بمقدار 5 مراكز لتحتل المرتبة السادسة في إفريقيا، والمرتبة الثانية في شمال إفريقيا.

بالتالي فإن تقييم “النظام البيئي” المحلي للشركات الناشئة في المنطقة المغاربية، يُعتبر جيدا من الجوانب القانونية والمالية واللوجستيكية التي توفرها الحكومات الإقليمية لتلك الشركات؛ إذ تتم معالجة آلاف البيانات بواسطة خوارزميات طورتها الشركة على مدى السنوات الماضية.

على إثر إدراك الحكومة التونسية أهمية هذا النظام، فقد أنشأت مراكز بدء التشغيل وقد أصدرت مؤخرا قانون الشركات الناشئة الذي يشجع نمو الشركات الناشئة من خلال تخفيف السياسات الضريبية، ومساعدة الشركات الناشئة في تقديم براءات الاختراع الدولية، وهو ما ساعد في نمو هذه الشركات خلال العام الماضي مقارنة بالسنوات السابقة.

الرياحي أشار إلى أنه نظرا للموقع الاستراتيجي الذي تتمتع بها المنطقة، بالتالي هناك مزايا كبيرة من ناحية القدرة على إقامة علاقات تجارية دولية واسعة النطاق ويمكن للقطاع الخاص في المنطقة أن يشارك في تطوير النظام البيئي للشركات الناشئة المحلية من خلال توفير التمويل والإرشاد في مراحلها الأولى من خلال توفير التمويل والتوجيه للشركات الناشئة، وخلق الفرص للمساعدة في تطوير الأفكار والمشاريع، وهذا بالتأكيد يتوقف على سياسة الحكومات.

أيضا، الجالية المغاربية الضخمة تساهم في تحوّل وإنعاش ثروات وطاقات المنطقة. فالمنطقة تضم عددا هائلا من المغتربين الذين يعودون إلى أوطانهم للبناء والاستثمار. فمثلا، جميع مؤسسي الشركات المذكورة أعلاه درسوا أو عملوا أو ما زالوا يعيشون في الخارج.

هذا واستضافت المنطقة عددا من الأحداث الإفريقية، بما في ذلك قمة إفريقيا – شمال إفريقيا التي عقدت في تونس العاصمة. كما أعلن “جيتكس”، أكبر معرض تقني في العالم يستضيفه مركز دبي التجاري العالمي، العام الماضي عن استضافة نسخته الإفريقية الأولى في المغرب في عام 2023.

التحديات

هناك حديث عن أن شركة “ياسر” الجزائرية إما أن تكون بالفعل أصبحت شركة رائدة ولا ينافسها أحد أو على وشك أن تصبح هكذا، وهو إنجاز يمكن أن يجعله أول وحيد القرن في المغرب العربي. وهناك دولتان فقط، نيجيريا وجنوب إفريقيا، من بين الأربعة الكبار، تتباهى بأحادي القرن.

بحسب المراقبين، فهناك ميزة أخرى جديرة بالاهتمام في منطقة المغرب العربي، وهي عندما تأسست شركة “كومايغود”، وهي شركة تونسية ناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم، في عام 2017، لتعليم المهارات التقنية مثل الترميز والبيانات. أعلن التحليل، عن 8 ملايين دولار السلسلة أ في حزيران/ يونيو الماضي. كما انضمت شركة “إي دي تيتش” إلى أمثال الجزائري “ياسر”، والتونسيون “إنستاديب واكسبينسيا و موروكو تشير”، وعدد قليل من الشركات الأخرى التي زادت رأس مالها عن 5 ملايين دولار.

صحيح، أن الشركات الناشئة شهدت خلال عام 2022 صعودا من حيث التمويلات والاتفاقيات، لكن المشهد الريادي في المنطقة لم يخلُ من تحديات وصعوبات، حيث شهدت الشركات الناشئة أزمة كبيرة في برامج التوظيف والتوسع تأثرا بأزمة الركود العالمي والتضخم وارتفاع الأسعار، وأزمة التمويل وهو ما جعل عددا من الشركات تُسرِّح شرائح كبيرة من موظفيها.

على الرغم من أنه لم يتم إنشاء التزامن بين حكومات كل بلد بعد، فإن كل حكومة تتعاون مع المبادرات المحلية التي تعزز اقتصادها الرقمي. على سبيل المثال، تعمل الحكومات التونسية حاليا بالشراكة مع الجهات الفاعلة في النظام البيئي على مشروع قانون جديد لبدء التشغيل. وفي أيار/مايو الماضي، تعاونت شركة “مسرع الأعمال” المملوكة للدولة، مشروع الجزائر و”صندوق الاستثمار الجزائري” لإطلاق صندوق رأسمالي جديد بقيمة 10 ملايين دولار لتمويل الشركات الناشئة الجزائرية، وكذلك الأمر بالنسبة للمغرب.

لكن في النهاية، يمكن وصف المشهد الريادي في المنطقة خلال عام 2022 أنه مُضيء في المجمل ولكن يتخلله بعض البقع السوداء، لأسباب ترجع بالأساس إلى الظروف الاقتصادية العالمية التي تفاقمت على مدار العام، وأثَّرت تأثيرا مباشرا على الشركات، لكن المنطقة ربما تكون قد قطعت الطريق لجذب المزيد من الاستثمار وإنشاء شركات ناشئة، بالنظر إلى مشكلة التمويل في المنطقة، نظرا لأن مؤشر “النظام البيئي” بدأ في تكوين قادة السوق الخاص به. لكن يبقى التساؤل الأهم، وهو كيف ستتأثر الشركات الناشئة بالركود العالمي الذي يتوقع أن يصل ذروته في عام 2023 الجاري.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد