التقارب التركي السوري.. كيف يوظفه “داعش” لاستهداف مصادر الطاقة؟

أستمع للمادة

رغم الضربات التي تستهدف تنظيم “داعش” الإرهابي سواء قادته أو تحركاته أو مواقعه، إلا أن هذا التنظيم لا يزال قادرا على شنّ هجمات وتنفيذ اعتداءات متفرقة، خاصة في مناطق شرق وشمال شرقي سوريا، مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والحكومة السورية.

طوال الشهر الماضي وبداية العام الجاري، تصاعدت بشكل مفاجئ أنشطة تنظيم “داعش” في المنطقة، خاصة حول مكامن النفط والغاز شمال شرقي سوريا. وهي في الحقيقة عامل جذب لبقية فلول تنظيم “داعش” الآخذ في الانتشار مرة أخرى من البداية السورية إلى الحدود الشمالية الشرقية.

أواخر عام 2022، الماضي، قُتل 12 من عمال حقل نفطي كان تحت سيطرة الحكومة السورية، جراء هجوم مباغت شنّه عناصر تنظيم “داعش”، صباح يوم 30 كانون الأول/ديسمبر في شرق البلاد، ومع بداية العام الجاري سجلت ثماني عمليات هجومية نفذها خلايا “داعش” على امتداد مساحة جغرافية مليئة بالخيرات، فيما لم يتوقف الأمر عند هذه الهجمات، بل تطور الهجوم على قواعد أميركية في حقل “العمر” النفطي، الذي يُعد أبرز مواقع التحالف الدولي لمحاربة “داعش”.

أحد التقارير أشار إلى أن الهجمات التي ركز عليها عناصر التنظيم المتطرف بالتوازي مع تطورات سياسية ولوجستية متسارعة كالتقارب التركي السوري من جهة، وما تعيشه دمشق من ضائقة بالحصول على مصادر الطاقة من جهة ثانية، إلى أن التنظيم “كأنه أراد القول من خلال هذا الاستهداف إننا ما زلنا في ساحة الميدان”، وهي رسالة للأطراف الدولية جميعها. وأن “داعش” يريد القول إن التنظيم كورقة لا يمكن اجتثاثها بسهولة كما تظن موسكو الوسيطة بين أنقرة ودمشق.

من هنا يجدر التساؤل، حول الرسائل التي يحملها تنظيم “داعش” في استهدافه لمصادر الطاقة وسط المتغيرات على الساحة السورية ولا سيما التقارب السوري التركي، بجانب إذا ما تم التقارب الفعلي بين أنقرة ودمشق، وتم التضييق على “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا في بعض المناطق، ما فرص ظهور خلال لـ”داعش” مجددا، لبعث الرعب والفوضى في المنطقة عبر استهداف المنشآت النفطية، التي تعد وقود المنطقة وسوريا ككل، بالإضافة إلى تبعات هذا الأمر.

هجمات دامية

أواخر العام الماضي، قُتل 12 من عمال حقل نفطي تحت سيطرة الحكومة السورية، جراء هجوم مباغت شنّه تنظيم “داعش”، بشرق سوريا، بعد يوم من بدء “قسد”، بالتعاون مع “التحالف الدولي” بقيادة واشنطن، عملية أمنية في شمال وشمال شرقي البلاد تحت مسمى “صاعقة الجزيرة”، للقضاء على المتشددين في المنطقة.

الهجوم الذي نفذته خلايا تابعة للتنظيم، وفقا لـ”المرصد السوري لحقوق الإنسان”، استهدف حافلات تقلُّ عاملين في حقل “التيم” النفطي في ريف دير الزور الغربي، الذي يُعد جزءا من البادية المترامية الأطراف التي انكفأ إليها مقاتلو التنظيم منذ إسقاط “خلافته” في آذار/مارس 2019 وخسارته كل مناطق سيطرته، وفق ما نقلته “فرانس برس“.

في حين أفادت “وكالة الأنباء السورية” (سانا) بـ”استشهاد 10 عمال، وإصابة اثنين آخرين جراء اعتداء إرهابي استهدف 3 حافلات تقلّ العاملين” في الحقل النفطي.

في وقت لاحق، قال وزير النفط السوري بسام طعمة، في تصريحات للتلفزيون الرسمي، إن إحدى الحافلات “تعرّضت لقذيفة صاروخية”، مشيرا إلى إصابة 4 عمال بجروح. وأوضح أن من نفذوا “الاعتداء الإرهابي.. استغلوا سوء الأحوال الجوية وحالة الضباب المنتشر في المنطقة صباحا”.

كما وتتعرض القواعد الأميركية و”التحالف الدولي” للاستهدافات الكثيفة، وكان آخرها تعرض قاعدة “حقل العمر” في دير الزور لقصف بأربعة صواريخ في 5 كانون الثاني/يناير الجاري، وقبلها استهداف قاعدة أميركية أخرى في حقل “كونيكو” في ريف دير الزور الشمالي الشرقي، لم يسفر عن إصابات أو أضرار مادية، بحسب بيان للقيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”.

قد يهمك: موقف أوروبي موحد ضد التطبيع مع دمشق.. الأسباب والمآلات؟

هذا وصعّدت خلايا التنظيم، خلال الشهور الثلاثة الماضية، وتيرة عملياتها في البادية السورية، واستهدفت غالبيتها القوات الحكومية ومناطق شمال شرقي سوريا.

ترقب وحذر

في المقابل، تراقب “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا ما يدور من مباحثات ثلاثية بين كل من سوريا وتركيا وروسيا. حيث أعلنت تركيا إزاء “لقاء موسكو” الثلاثي، أنها تبتغي القضاء على الإرهاب، في إشارة إلى لـ”قسد”، قرب حدودها وإبعادها، التي تقول أنقرة أنها الذراع الممتد لـ”حزب العمال الكردستاني”، وتعتبرها تهديد لأمنها القومي.

“الإدارة الذاتية” التي تشكل قواتها أبرز حلفاء الولايات المتحدة على الأراضي السورية، خصوصا في حربها ضد تنظيم “داعش”، تراقب هذه اللقاءات عن كثب وتخشى حصول اتفاقات أو تفاهمات من شأنها أن تفرز نتائج ميدانية تزعزع الاستقرار بالمنطقة، والتي لا تخدم الحل والأمان الشامل للسوريين.

كما أن “الإدارة الذاتية” حذرت مرارا على لسان مسؤوليها، بأن أي تفاهم بين أنقرة ودمشق ضد مناطقهم “سيؤدي بشكل طبيعي إلى انهيار جميع الآليات المشتركة الموجودة بينهم وبين القوى الأخرى، من أجل حماية أمن واستقرار المنطقة”.

هذا وتزامن تزايد نشاط “داعش” خلال الأشهر الماضية، وصعوده وتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية ضد “قسد”، مع تهديد تركيا بشن عملية عسكرية جديدة ضد مناطق شمال وشرق سوريا، وتحديدا ” قسد “، وهذا شكل فراغا حقيقيا، بالنظر إلى أن” قسد “حشدت قواتها لمواجهة ما يسمى بـ” داعش “الجديد، وهي تركيا وفصائل المعارضة السورية المسلحة المدعومة من أنقرة، من جهة، ومن ناحية أخرى، تزامن ظهور “داعش” مع تركيز روسيا على غزوها لأوكرانيا، إذ لم تشهد الأشهر الأخيرة أي استهداف لأي مواقع أو نقاط تابعة لموسكو في البادية السورية وتحديدا أرياف دير الزور حيث تنشط خلايا التنظيم هناك، حسبما يوضح الدكتور زارا صالح، الباحث السياسي في دراسات السلام وحل النزاعات الدولية في جامعة “كوفنتري” ببريطانيا، لموقع “الحل نت”.

حوافز ظهور “داعش”

التقارب التركي السوري، وبتنسيق موسكو، بالتأكيد هذا الأمر ضغط “قسد”، من خلال ما سيحدث في المستقبل، ذلك لأن الأخيرة والأكراد على وجه الخصوص مستهدفون من قبل جميع الأطراف، سواء تركيا أو فصائل المعارضة السورية الموالية لها، أو الحكومة السورية، هذا بالإضافة إلى هجمات خلايا “داعش” لهم بين الحين والآخر، وفق تقدير صالح.

كما أن موسكو لا تدعم “قسد” رغم ادعائها أنها تلعب دور الوسيط، لكن في الحقيقة هي تبتز هذا الملف، خصوصا أنه لا يضع حدا للهجمات التركية المتكررة على المنطقة، وهي تستخدم الورقة التركية لتهديد الأكراد والضغط عليهم لقبول شروط حكومة دمشق، ولتحقيق ما ترنو إليه، وهو “محاولة لاستهداف نفوذ الجانب الأميركي في المنطقة”، وفق تعبير صالح.

هناك عامل آخر لا يجب إغفاله، بحسب الباحث السياسي، وهو أن “داعش” يحاول مؤخرا، خاصة بعد هزيمته المريرة على خلفية أحداث “سجن غويران” قبل نحو عام، أن يرسل رسائل واضحة بأنه “لايزال موجودا على الأرض من خلال خلاياه، لا سيما أنه يمتلك حاضنة اجتماعية في العديد من المناطق الواسعة في شمال شرقي سوريا”.

هناك أيضا مشكلتان؛ الآلاف من مقاتلي “داعش” في سجون “قسد”، بالإضافة إلى مخيم “الهول” الذي يضم عائلات التنظيم، وعددهم يقدر بـ 63 ألف شخص، فإن كل هذه الأمور تعتبر قنابل موقوتة، ذلك لأن “داعش” يحاول دائما تحريرهم، وهجوم “سجن غويران” خير مثال على ذلك، وبالتالي تمارس جهات عديدة ضغوطا على “قسد” وهذه الأطراف، أي روسيا وتركيا والحكومة السورية، تساهم وتعزز من إعادة ظهور تنظيم “داعش” في المنطقة.

كل الأطراف تستهدف مصادر الطاقة؟

تقرير لـ”اندبندنت”، أشار إلى أن المصالحة بين دمشق وأنقرة تواجه تهديدات جمة، لا سيما مع وجود فصائل “داعش” والكرد والتحالف الدولي، وما اللقاء الثلاثي في موسكو بين وزراء الدفاع ورؤساء الاستخبارات إلا بداية مشوار الألف ميل، على الرغم من صياغة اتفاق نهائي تعطي فيه تركيا الأراضي التي تسيطر عليها في الشمال للحكومة السورية.

قد يهمك: بين شروط الأسد ورفض واشنطن.. أنقرة الحلقة الأضعف في التطبيع مع دمشق؟

كما أن “المصالح تدفع بكل الأطراف نحو المصالحة، لكن هذا لا يعني عودة التبادل التجاري وكسب السوق السورية المتعطشة لانفتاح اقتصادي، وزيادة حجم التبادل التجاري إلى حدود ما قبل القطيعة وصحيح أن التبادل بين البلدين حقق قفزات شاسعة بين عامي 2004 و2010، إذ وصل حجم عام 2006 إلى نحو 800 مليون دولار، ومع حلول عام 2010 سجل 2.5 مليار دولار، ويتضمن اتفاق المصالحة الجديد مكاسب سيقطفها الأتراك عبر تدفق كثيف للبضائع التركية إلى دول مجلس التعاون الخليجي بعد مصالحة تركية خليجية خلال هذا العام، إلى جانب مكاسب دمشق التي أعادت سيطرتها وضبطتها للساحة السورية بدعم روسي بعد أن فقدت 70 بالمئة منها مع بداية عام 2011، الأمر الذي يضعها وجها لوجه أمام قسد”.

عمليات السيطرة على مصادر النفط والطاقة ليست هدفا لـ”داعش” فقط، لأنه تم القضاء على هذا التنظيم على الأرض عام 2019، لكن خلاياه لا تزال نشطة وحاضرة، ويحاولون استعادة السيطرة على بعض موارد النفط والطاقة، وفق تقدير صالح، وفي المقابل، تريد دمشق وأنقرة وموسكو أيضا السيطرة على مصادر الطاقة، من خلال هزيمة “قسد” وإحلالها، مما يعني أن هذا هدف مشترك لجميع هذه الأطراف.

وفق مراقبين، فإن “مصادر الطاقة لن تكون بمنأى عن ضربات التنظيم المتشدد، بل هي ضمن أولوياته”. وغير مستبعد أن يكون هناك تصعيدا متناميا للتنظيم ومحاولة للضغط أكثر، باتجاه كل الأطراف التي تتشاطر مناطق نفوذ البادية، لا سيما وأن قادة التنظيم لن يجدوا سوى مواقع النفط لتحقيق ضربات موجعة.

بحسب اعتقاد صالح، فإن التقارب التركي السوري بالتأكيد سيخدم التنظيم وانتشار التطرف في المنطقة، وبالتالي سيتم استهداف مصادر الطاقة وأماكنها أولا، كما كانت في السابق أثناء صعود وظهور “داعش” بشكل فعلي في عام 2014.

إن ظهور “داعش” في سوريا، أخرج الحقول والآبار من الخدمة، وبلغت الخسائر ما يقارب 112 مليار دولار أميركي، كما أفلتت آبار من يد حكومة دمشق.

في وقت سابق، رفعت الخارجية السورية شكوى إلى منظمة “الأمم المتحدة” تتهم الولايات المتحدة بسرقة نفط أراضيها حيث قُدرت الخسائر بـ 20 مليار دولار طوال سنوات الحرب.

واشنطن من جانبها، كانت قد رفعت في شباط/فبراير 2021 يدها عن حماية آبار النفط، معلنة أنها جاءت لمكافحة خطر “داعش”. وحينها قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جون كيربي، في تصريح للصحافيين، إن “موظفي وزارة الدفاع ومقاوليها من الباطن ليسوا مخوّلين بمد يد المساعدة إلى شركة خاصة لاستغلال موارد نفطية في سوريا”.

تاليا، يبدو أن تنظيم “داعش” يركز حاليا على كيفية استهداف مصادر الطاقة بمناطق شمال شرقي سوريا، ليخبر العالم أن التنظيم لا يزال موجودا ولا يجب التغاضي عنه، كما تعتقد الأطراف التي تساوم على المنطقة سواء موسكو أو أنقرة أو دمشق.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة