مع تلاشي نجم الصين.. الهند تؤثر على صورة بكين كمصنّع عالمي؟

أستمع للمادة

هذا العام، سيطر مبعوثون من الهند على الشارع الرئيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، إذ ظهرت الهند في هذه القوة لسبب وجيه. ففي عام 2023، مع استمرار مخاوف الركود العالمي، من المتوقع أن تسجل البلاد أفضل أداء لأي اقتصاد رئيسي، حيث يقدر “البنك الدولي” النمو بنسبة 6.6 بالمئة، مقارنة بـ 0.5 بالمئة فقط للولايات المتحدة و4.3 بالمئة للصين.

انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 3 بالمئة في عام 2022، وهو ثاني أدنى مستوى لها منذ 50 عامًا. هذه نتيجة مباشرة لسياساتها الصارمة “صفر كوفيد” التي أغلقت المدن والمناطق الصناعية الحيوية لأسابيع. وفي مواجهة الإمدادات غير المنتظمة من أكبر مصادرها، تبحث الشركات بشكل متزايد عن مصادر بديلة، مما يمنح الهند ميزة في جهودها لجلب الإنتاج إلى شبه القارة. 

جيتا جوبيناث، النائب الأول للمدير العام لـ”صندوق النقد الدولي”، أوضحت على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن الهند باتت كوجهة استثمارية مواتية، ومع القلق من زخم النمو في الصين في الأشهر القليلة المقبلة، يبدو أن الهند ستؤثر صورة بكين كمصنّع عالمي.

الهند كمصنّع للعالم؟

مع إصابة الملايين بفيروس “كورونا” في جميع أنحاء العالم، تواجه الصين ردة فعل عالمية غير مسبوقة يمكن أن تزعزع استقرار حكمها كمصنّع عالمي مفضل. شعرت جارتها الهند بفرصة وهي حريصة على شق طريقها إلى مساحة تأمل أن تخليها الصين عاجلا وليس آجلا.

وزير النقل الهندي نيتين جادكاري في مقابلة أجريت معه مؤخرا، قال  إن موقف الصين العالمي الضعيف هو نعمة للهند لجذب المزيد من الاستثمار. وتشكل ولاية أوتار براديش الشمالية، التي يبلغ عدد سكانها حجم البرازيل، بالفعل فريق عمل اقتصاديا لجذب الشركات الحريصة على التخلص من الصين.

أفادت وكالة “بلومبرغ” أن الهند تجهز أيضًا مجموعة من الأراضي تبلغ ضعف مساحة لوكسمبورغ لتقدم للشركات التي ترغب في نقل التصنيع خارج الصين، وقد وصلت إلى 1000 شركة أميركية متعددة الجنسيات.

إذا أرادت الشركات تحديد مواقع التصنيع في مكان آخر، فوفقا لرأي لرجل الأعمال السوري منير الزعبي، فإن الهند تعد خيارا جذابا، فالهند لديها 18 بالمئة من سكان العالم، ومع نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ستصبح واحدة من أكبر الأسواق في العالم. وبالنظر إلى الإمكانات طويلة الأجل، تحاول كل شركة تأسيس نفسها وتتفوق على منافسيها في الهند.

الزعبي أشار في حديثه لـ”الحل نت”، إلى أنه مع العمالة الرخيصة وسياسات فيروس “كورونا” الأكثر استرخاءً، أصبحت البلدان في جنوب وجنوب شرق آسيا، بما في ذلك الهند وفيتنام، تدريجيا وجهات بديلة للشركات.

الهند تستعرض عضلاتها

إذا تمكنت من الحفاظ على زخمها، فستتفوق الهند على ألمانيا باعتبارها رابع أكبر اقتصاد في العالم في عام 2026، وتطرد اليابان من المركز الثالث في عام 2032 وتصبح الدولة الثالثة فقط بإجمالي ناتج محلي بقيمة 10 تريليون دولار بحلول عام 2035، وفقًا لتحليل أجراه مركز”بحوث الاقتصاد والأعمال”.

اقتصاد الهند يبلغ حاليا ما يقرب من 3.5 تريليون دولار، مما يجعلها خامس أكبر اقتصاد في العالم. لقد عززت الجغرافيا السياسية حجة الاستثمار. بينما يتحدث قادة الأعمال الغربيون عن تقصير سلاسل التوريد لتقليل المخاطر وتكوين صداقات، أو تعزيز التعاون الاقتصادي مع البلدان التي لها قيم مماثلة، فإن أكبر ديمقراطية في العالم تقدم بديلا واضحا للصين.

من المقرر أن تحل الهند أيضًا محل جارتها القوية باعتبارها أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان هذا العام. قالت جيتا جوبيناث، نائبة المدير العام لـ “صندوق النقد الدولي”، لقناة إخبارية هندية: “أرى الكثير من الشركات، التي تتطلع إلى الهند كوجهة استثمارية في الوقت الذي تحاول فيه التنويع بعيدا عن البلدان الأخرى، بما في ذلك الصين”.

الهند ليست بمعزل تماما عن القلق بشأن الاقتصاد العالمي، حيث إن أسعار الفائدة المرتفعة والتضخم، فضلاً عن عدم اليقين المستمر بشأن حرب روسيا في أوكرانيا، يدفع العالم إلى حافة الركود.

المدير القطري للبنك الدولي أوغست تانو كوامي، قال كانون الأول/ديسمبر الفائت، “لقد كان اقتصاد الهند مرنا بشكل ملحوظ في مواجهة البيئة الخارجية المتدهورة”، مشيرا إلى المخزن المؤقت الذي يوفره سوقها المحلي الكبير. ومع ذلك، فإن اليقظة المستمرة مطلوبة مع استمرار التطورات العالمية المعاكسة”.

أدى انخفاض قيمة الروبية الهندية بنسبة 11 بالمئة مقابل الدولار العام الماضي إلى زيادة تكلفة الواردات والضغط على المالية الحكومية. كما تضرر الاستثمار من الخارج. وانخفض المقياس الحكومي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من نيسان/أبريل إلى أيلول/سبتمبر 2022 بنسبة 14 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021.

لكن غالبا ما يشير وصول الهند إلى المستثمرين إلى ما يسميه الاقتصاديون “العائد الديموغرافي”. إّ يبلغ عدد سكان البلاد في سن العمل أكثر من 900 مليون شخص ويمكن أن يصل عددهم إلى أكثر من مليار شخص خلال العقد المقبل. تقول إيلا باتنايك، كبيرة الاقتصاديين في مجموعة “أديتيا بيرلا غروب” الهندية، إن العديد من هؤلاء العمال هم من رواد الأعمال، ويتحدثون اللغة الإنجليزية ولديهم معرفة بالقراءة والكتابة الرقمية، وهذا يعني أن الاقتصاد الهندي قادرا على خلق وظائف كافية.

الهند تنطلق في عام 2022

الاقتصاد الهندي واجه الرياح العالمية العاتية بنمو يصفه خبراء اقتصاديون بالسريع، في الوقت الذي تعاني فيه معظم اقتصادات العالم بما فيها المتقدمة من ضغوط سلاسل التوريد والتضخم، جراء الأزمات المتلاحقة التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي منذ ثلاثة أعوام بدءا من وباء “كورونا” إلى الحرب الروسية الأوكرانية مرورا بالتغيرات المناخية.

ووفقا لأحدث البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، فإن الاقتصاد الهندي نما 13.5 في المئة في الربع الثاني من العام 2022، مقارنة مع الربع الثاني من العام السابق، بفضل تعزيز الزراعة والتصنيع مع تخفيف قيود احتواء وباء “كورونا”، ما وضع ثالث أكبر اقتصاد في آسيا بين الاقتصادات الرئيسة الأسرع نموا في العالم.

ونما الاقتصاد الهندي في العام المالي السابق كون العام المالي يبدأ في نيسان/أبريل 8.7 في المئة، ورفع البنك المركزي الهندي سعر الفائدة الرئيس في آب/أغسطس الماضي بمقدار 50 نقطة أساس إلى 5.4 في المئة، في ثالث زيادة من نوعها خلال أربعة أشهر، ما أعاد تكاليف الاقتراض إلى مستويات ما قبل الجائحة، كما توقع المركزي الهندي أن ينمو خامس أكبر اقتصاد في العالم بأكثر من 7 في المئة هذا العام.

ومن المتوقع أن تكون الهند أسرع الاقتصادات الرئيسة نموا بحلول نهاية هذا العام والعام الذي يليه على الرغم من التحديات الناجمة عن ارتفاع التضخم واتساع العجز التجاري وانخفاض الروبية بسبب قوة الدولار الأميركي، بحسب حديث الخبير الاقتصادي على الحمودي، الذي أكد في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن الهند تبلي بلاء حسنا للغاية من حيث النمو وأداء الاقتصاد.

ليس من المسلم به أن هذه العقلية الناشئة ستفيد الهند بشكل أساسي أو حصري. تقدم فيتنام، التي تجتذب استثمارات أكبر في تصنيع الإلكترونيات وتدفع أجورا منخفضة للغاية، تعد خيارا آخر. كما أن البنية التحتية الهندية لاستيراد الأجزاء وتصدير المنتجات النهائية أقل تطورا بكثير من تلك الموجودة في الصين، مما يتسبب في تكاليف ومخاطر جديدة للمصنعين، لكن قادة الأعمال والمسؤولين الحكوميين الهنود لا يفوتون الفرصة لتقديم عرضهم، كون المسلم به الآن هو أن الهند أزاحت بكين عن عرش التصنيع العالمي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد