رغم ندرة المحروقات “بطاقة ذكية” بالدولار للمغتربين في سوريا

منذ فترة تتخذ الحكومة السورية عدة إجراءات من شأنها تحصيل أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية وخاصة الدولار الأميركي، وكان آخر قرار في هذا الصدد لـ “وزارة النفط” التي أصدرت بطاقة مسبقة الدفع في بالعملة الأجنبية، لتمكين المغتربين السوريين والسياح والزوار العرب والأجانب القادمين إلى سوريا من تعبئة البنزين لسياراتهم.

هذه البطاقة شبيهة بـ”البطاقة الذكية” الموجودة في سوريا منذ حوالي 3 سنوات، وتُمنح هذه البطاقات للعائلات في سوريا ولبعض القطاعات الخدمية العامة والخاصة، لتوفير بعض المواد الخدمية والغذائية بسعر حكومي مدعم. وتدعي الحكومة أن مشروع “البطاقة الذكية” الخاص بها يهدف إلى أتمتة توزيع المشتقات النفطية وغيرها من المواد والخدمات على المواطنين، من أجل منع تهريب هذه المواد والاتجار بها، إلا أن الفساد والاتجار بهذه المواد بات أكثر انتعاشا ورواجا من قبل إصدار ما يسمى بـ “البطاقة الذكية”، وبالتالي إصدار بطاقة مسبقة الدفع للمغتربين من شأنه أن يساهم في انتشار الفساد بالمحروقات أكثر مما هو عليه اليوم.

تحصيل العملة النادرة “الدولار”

نحو ذلك، أصدرت “وزارة النفط” بطاقة مسبقة الدفع بالقطع الأجنبي، بشأن حصول المغتربين السوريين والزوار العرب والأجانب القادمين إلى سوريا على الوقود لآلياتهم، وفق ما أورده موقع “أثر برس” المحلي يوم الأحد الفائت.

بطاقة بنزين مسبقة الدفع للمغتربين والسياح بسوريا-“أ.ف.ب”

حول تداعيات هذا القرار، قال الخبير الاقتصادي فاخر القربي، إن القرار محاولة جديدة للتخفيف من الأزمة الاقتصادية الخانقة لدى حكومة دمشق وعجز “مصرف سوريا المركزي” عن تأمين النقد الأجنبي لتغطية احتياجات استيراد المشتقات النفطية في وقت تعاني فيه الحكومة السورية من ضغوط كبيرة لتأمين النقد الأجنبي المطلوب.

القربي أردف للموقع المحلي أن الغاية من هذا القرار اقتصادية مصرفية، ولا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي السياحي من حيث تقديم التسهيلات في هذا الجانب سواء للمغتربين أو العرب والأجانب. لذلك، فإن نهج الحكومة السورية تجاه هذه الإجراءات يكشف مدى عجزها في تأمين النقد الأجنبي، وكذلك محاولاتها بشتى الطرق لتحصيل القطع الأجنبي من جيوب المواطنين، سواء من خلال التحويلات المالية أو ضريبة الدخول من الحدود أو المطارات للقادمين إلى سوريا واليوم من خلال بطاقة ذكية للمغتربين والسياح، وغير مستبعد إصدار قرارات وإجراءات جديدة بهدف تحصيل العملة الصعبة.

فيما يخص قرار تصريف الـ 100 دولار للسوريين القادمين عبر المعابر الحدودية والمطارات، يرى القربي أنه يحمل في طياته الطابع الاقتصادي الذي يهدف لتأمين القطع الأجنبي بطريقة التصريف على أساس سعر محدد من قِبل “المصرف المركزي”.

ما قيمة البطاقة؟

في السياق، بيّن وزير النفط فراس قدور أن بطاقة البنزين مسبقة الدفع ستكون متوفرة في كافة كوات المصرف التجاري وفروعه بالمحافظات والمناطق والمعابر الحدودية ويستطيع حاملها تعبئة البنزين نوع “أوكتان 90” من أي محطة خاصة أو حكومية، إذ يوجد رصيد خاص لهذه البطاقات، كما يمكنه تعبئة البنزين “أوكتان 95” من أي محطة من محطات “الأوكتان 95” الموجودة في المحافظات وعلى الطرق العامة.

في حين توفّر شروط الحصول على البطاقة وفق الوزير السوري، فإنه يمكن لأي شخص الحصول على البطاقة من كوات المصرف التجاري وفروعه في المحافظات والمناطق الحدودية وهي بكمية 200 ليتر صالحة لمدة 3 أشهر يتم تفعيلها بمجرد الدخول إلى النافذة الإلكترونية وإدخال رقم البطاقة، على حد قوله.

البعض يرون أنه طالما أن البطاقة صالحة لمدة 3 أشهر، فهذا يعني شيئين؛ الأول أن تستغل المغتربين والسياح، فعلى سبيل المثال، ربما لا يرغب الشخص في ملء سيارته بهذه الكمية من البنزين، ومن ناحية أخرى، ثمة شحّ في البنزين في المحطات.

بالتالي من الممكن أن لا يحصل حامل البطاقة على مخصصاته خلال هذه الفترة المحددة وهذا يعني أنه يدفع قيمة شيء من غير المؤكد الحصول عليه أو استرجاع حقه في حال لم تتوفر المحروقات في المحطات، وقد ينتهي تاريخ إقامته أو إجازته بينما لم يتسلم مخصصاته بسبب ندرة الوقود في البلاد، وهذا يعني أيضا أن الحكومة تقدم خدمات دون تأمين استحقاقهم وأخيرا تذهب تكلفتها إلى خزينتها وهو أمر يعتبر استغلالا لجيوب المغتربين والسائحين.

سعر ليتر البنزين عبر البطاقة مسبقة الدفع سيكون وفق الأسعار العالمية وهي نحو دولار وعشرة سنتات لـ”الأوكتان 90″ ودولار و20 سنت لـ”الأوكتان “95، علما أن بدء العمل بالبطاقة سيكون خلال الأيام الأولى من الشهر القادم، بحسب وزير النفط.

زيادة التضخم

“وزارة النفط والثروة المعدنية السورية”، قامت برفع أسعار الفيول مرتين خلال أقل من شهر من الفترة الماضية، وهذا القرار أثار الكثير من الجدل وقد حذّر خبير اقتصادي في دمشق من ارتفاع سريع في معدلات التضخم، بعد رفع أسعار الفيول مرتين في شهر واحد.

أزمة مواصلات مستمرة في سوريا- “إنترنت”

بعض التقارير المحلية، أفادت بأن الرفع التدريجي لأسعار المحروقات من قبل الحكومة السورية لا يخفف الآثار على أرض الواقع، وإنما سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع، وزيادة معدلات التضخم بشكل متسارع، وفق الخبراء الاقتصاديين.

بحسب ”المكتب المركزي للإحصاء”، ارتفع معدل التضخم بنسبة تقشعر لها الأبدان حيث وصلت إلى 3825 بالمئة بين عامي 2011 و2021، تاركا وراءه سلسلة من القلق واليأس بين المواطنين. هذه الزيادة التي لا يمكن تصورها، وهي تشير إلى أن الأسعار قد ارتفعت بشكل كبير 40 مرة، مما تركت الناس العاديين يصارعون قبضة الضغوط المالية الخانقة. وللتعمّق أكثر في هاوية الفوضى المالية، أصدرت وزارة المالية إعلانا ينذر بالخطر، مؤكدة أن التضخم قد خرج عن نطاق السيطرة، حيث ارتفع بنسبة 100 بالمئة في العام الماضي وحده، وهذا يعني أن الأسعار تضاعفت 161 مرة منذ عام 2011.

بطبيعة الحال، هذا التضخم يعود لتهاوي الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، فقد وصلت الليرة اليوم لأدنى سعر على الإطلاق منذ عام 2011 حيث لم يزد سعر صرف الدولار على 50 ليرة سورية، لتتراجع الليرة اليوم إلى نحو 9 آلاف ليرة في أسواق الصرافة في السوق السوداء بدمشق، وهذا يعني أن “المصرف المركزي” يعاني من شبه إفلاس من القطع الأجنبي، ولهذا تهاوت الليرة السورية لأرقام تاريخية.

البطاقة الذكية

الحكومة السورية كانت قد أصدرت “البطاقة الذكية” قبل نحو 3 أعوام في سوريا، لتوفير بعض المواد الخدمية والغذائية بسعر حكومي مدعم، إلا أن هذا الإجراء فاقم من أزمات البلاد وساهم في تعزيز الفساد والسرقات للسلع الموجودة على “البطاقة الذكية”.

هذا الأمر أثار جدلا كبيرا آنذاك، ووجهت انتقادات واسعة للحكومة السورية، حيث اعتبر هذا الإجراء تعبير عن عجز الحكومة  توفير مستلزمات الحياة، ومن جهة أخرى دليل على تأزم اقتصاد البلاد بشكل كبير ومحاولاتها في تحسين اقتصادها على حساب المواطنين، فضلا عن إرهاق المواطنين بمثل هكذا أساليب للحصول على الاحتياجات اليومية.

في مطلع شهر شباط/فبراير العام الماضي، أصدرت حكومة دمشق قرارا استبعدت فيه نحو 600 ألف عائلة من الدعم الحكومي المقدم سابقا، وبيعها بعض المواد الغذائية الأساسية، والمشتقات النفطية بأسعار محررة وغير مدعومة، وهو ما أثار استياءً ورفضا واسعين لدى السوريين.

بالتالي، فإن هذا يفسر أن الحكومة تملك مشتقات نفطية كافية، ولكنها تريد أن تبيعها للمواطنين بأسعار محررة، وتبيعها بالدولار للمغتربين والسياح، بغية تحصيل القطع الأجنبي قدر الإمكان، على الرغم من أن البلاد تعاني من أزمة مواصلات عامة، وغلاء في أجور التنقلات، على إثر ندرة المحروقات.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم