العلاقات الأميركية الإسرائيلية مرت مؤخرا بمرحلة من التوتر، حيث برزت خلال الفترة الماضية العديد من التحفظات الإسرائيلية على السياسة الأميركية، خاصة بعد أن وجّهت الأخيرة اهتمامها الأكبر لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، فضلا عن الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أخذ الاهتمام الأكبر من الولايات المتحدة الأميركية خلال العام الماضي.
بيد أن المصالح المشتركة بين الجانبين في الشرق الأوسط والملفات المفتوحة منذ سنوات، حيث يشترك الجانبان على التعاون فيها بشكل وثيق، أدت في النهاية إلى عدم تفاقم أزمة توتر العلاقات خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ يدرك الجانبان أهمية تعاونهما في العديد من الملفات في الشرق الأوسط أبرزها ربما مواجهة المخاطر الإيرانية في المنطقة.
من خلال متابعة تصريحات الجانبين، بدا واضحا أن التوتر الأخير لم يعجب أحد، فالولايات المتحدة تدرك جيدا أن حليفها الأبرز في الشرق الأوسط هو إسرائيل خاصة بعد تراجع بعض الدول العربية وميلها حتى ولو بشكل جزئي إلى المحور الروسي، كذلك فإن إسرائيل تدرك أيضا مدى حاجتها للدعم الأميركي المتواصل لمواجهة التحديات في المنطقة فضلا عن المشاكل الداخلية التي تواجهها تل أبيب مؤخرا.
إنهاء التوتر؟
في مؤشر على عدم إمكانية تدهور العلاقات الثنائية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة لن تقلّص أو توقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، بعد إقرار “الكنيست” للقانون الأول في خطة الحكومة اليمينية المتشددة لإجراء تعديلات قضائية “يقول منتقدوها إنها تعرّض استقلال القضاء للخطر”.

المتحدث باسم الخارجية الأميركية فيدانت باتيل، قال في تصريحات نقلتها صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، إنه “لن يكون هناك أي تقليص أو وقف للمساعدات العسكرية؛ وذلك لأن التزامنا تجاه إسرائيل والتزامنا تجاه أمن إسرائيل لا يتزعزع”.
التعديلات القضائية في إسرائيل، كانت سببا في توقّع محللين أن تشهد العلاقات الثنائية توترا متزايدا خلال الفترة الماضية، لكن يبدو أن هناك فصلٌ من قبل الطرفين بين الأزمة المتعلقة بالسياسة الداخلية لإسرائيل، وبين العلاقات الوثيقة ما بين واشنطن وتل أبيب الممتدة لعقود.
كذلك فإن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، تستند بحسب مختصين بمتابعة العلاقات الثنائية، إلى ركائز استراتيجية، كما أن لها بُعدا سياسيا ينطلق من كون نظام إسرائيل “ديمقراطيا فاعلا” بحسب ما يرى المسؤولون في واشنطن، وهو الأمر الذي برر به الرئيس الأميركي جو بايدن، قلق بلاده في محادثاته مع نتنياهو من التعديلات القضائية.
قد يهمك: منافسة جيوبوليتيكية.. ما هدف قمة دول الخليج وآسيا الوسطى؟
الباحث المختص في الشؤون الإسرائيلية عادل ياسين، رأى أن إعلان الولايات المتحدة الأميركية استمرار الدعم والمساعدات العسكرية لإسرائيل، يؤكد أهمية الأخيرة بالنسبة للحكومة الأميركية، خصوصا في ظل صراع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وعدم التوصل إلى حلّ نهائي بالنسبة للملف الإيراني.
أهمية العلاقات
ياسين قال في حديث خاص مع “الحل نت”، “إعلان الولايات المتحدة عن استمرارها في دعم إسرائيل وعدم تقليص المساعدات العسكرية يكشف عن مدى أهمية إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة، خصوصا في ظل صراع النفوذ في المنطقة، كذلك فإن إسرائيل تشكل أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط”.
أما من جانب إسرائيل فأوضح ياسين، أن “إسرائيل ترى في علاقاتها مع الولايات المتحدة، صمام أمان وضمان لبقائها”، يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه حدّة الخلافات بين الجانبين لأسباب عديدة أبرزها طريقة التعاطي مع الملف الإيراني، والمشاكل الداخلية في إسرائيل.
الملف الإيراني شكل نقطة التقاء هامة للمصالح الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، ذلك على الرغم من الاختلاف الكبير في طريق التعامل مع إيران، إذ إن الولايات المتحدة تصرّ على أن الدبلوماسية هي الطريق الوحيد لاحتواء الملف الإيراني، في حين ترى إسرائيل أن الدبلوماسية لن تنفع إيران وتريد سلك الخيار العسكري لمواجهة المخاطر الإيرانية.
على الرغم من الاختلاف على طريقة مواجهة الخطر الإيراني، إلا أن واشنطن تولي بالتأكيد أهمية كبيرة لمصلحة إسرائيلية، وبالتالي مواجهة المخاطر الإيرانية، لكن واشنطن تريد تحقيق هذه المصالح بأقل الخسائر، وبالتالي محاولة حلّ المشاكل دون إشعال المنطقة عبر الحروب المفتوحة.
حول ذلك أضاف ياسين، “الولايات المتحدة تتعامل مع إيران بناء على عدة مبادئ، أبرزها اعتماد الدبلوماسية كخيار وحيد، وتجنب الدخول في مواجهة معها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يعني الضغط على إسرائيل لعدم تنفيذ تهديداتها بتوجيه ضربة عسكرية لإيران مرتبط بالملف النووي”.
بناء على ما سبق، فإن ياسين يرى أن الولايات المتحدة الأميركية ستسعى بالاتفاق مع إسرائيل وفي إطار إنهاء جميع الخلافات، إلى “استمرار الجهود الأميركية للتوصل إلى اتفاق جديد مع إيران أو العودة للاتفاق القديم مع إدخال بعض التعديلات، يتزامن ذلك مع تراجع احتمالات قيام إسرائيل بعمل عسكري ضد إيران”.
مؤشرات عدم الرضا
منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ظهرت العديد من المؤشرات التي تدل على عدم رضا الإدارة الأميركية عن سياسات تل أبيب في العديد من الملفات، بينها ملف التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين واستخدام القوة، إضافة إلى عدم قناعة واشنطن بالسياسة الإسرائيلية إزاء عمليات الغزو الروسي لأوكرانيا، كذلك كان الملف الإيراني بمثابة مفترق طرق بينهما، فكيف سيكون أثر ملفي إيران وأوكرانيا على العلاقات الثنائية.

خلال العام الماضي، كان الموقف الإسرائيلي من الغزو الروسي لأوكرانيا أيضا، من أهم المواقف التي أثارت حفيظة الإدارة الأميركية، خاصة وأن إسرائيل ترددت بتقديم الدعم العسكري إلى القوات الأوكرانية، محاولة بذلك الحفاظ على علاقاتها مع موسكو لاعتبارات عدة، أهمها ملف مواجهتها لإيران.
فإسرائيل تعتقد أن حفاظها على خط موصول مع روسيا سيساعدها في مواجهتها للمخاطر الإيرانية، كما أن هناك تنسيق إسرائيلي روسي مستمر، بشأن العمليات التي تشنها القوات الإسرائيلية ضد مواقع الميليشيات الإيرانية في سوريا، فكان الدعم الإسرائيلي لأوكرانيا والمحور الغربي محدودا إلى حدّ كبير ضد روسيا، لذلك بقيت ممسِكة بالعصا من المنتصف في الوقت الذي رغبت فيه واشنطن برؤية موقف واضح من قبل تل أبيب إزاء الغزو الروسي لأوكرانيا.
الإدارة الأميركية حريصة على أمن إسرائيل ومستقبلها نظرا لأنها تمثّل قاعدة متقدمة لها في منطقة الشرق الأوسط، وعليه فهي تسعى لضبط تحركات إسرائيل التي قد لا تُدخِل نفسها في معركة تؤدي لخطر وجودي لها أو خطر تراجع مكانتها بشكل كبير في نظر دول منطقة الشرق الأوسط ما يسرّع في انهيارها وانهيار مشروعها في المنطقة.
مع ارتفاع مستوى الخطر الإيراني، خاصة فيما يتعلق باقتراب وصول نسبة تخصيب اليورانيوم في إيران إلى 90 بالمئة، بما يسمح لها البدء بإنتاج قنبلة نووية، يبدو أن إسرائيل أصبحت مجبرة على تجاوز الخلافات مع واشنطن وتعزيز علاقاتها معها، للاستفادة إلى أبعد حد من التعاون مع واشنطن للحد من خطر إيران، إما عبر الطرق الدبلوماسية أو عبر مساعدة واشنطن لها بتنفيذ ضربة عسكرية محتملة.
إذا على الرغم من هذه الخلافات، فإن العلاقات الأميركية الإسرائيلية ليس من السهل أن تصل إلى نقطة اللاعودة، نتيجة قوة التحالف بين الجانبين، فجميع المؤشرات توحي إلى حاجتهما إلى إعادة تعزيز هذا الحلف، لضمان الأمن القومي الإسرائيلي من جهة، وضمان تحقيق المصالح الأميركية عبر تل أبيب من جهة أخرى.
- بانتظار الدمج.. معاملات المواطنين معلقة لدى مديرية النقل في الحسكة
- البنزين يعبر سوريا إلى العراق.. تفاصيل أول شحنة بعد تعطل حركة “هرمز”
- اعتقال بريطانية مرتبطة بمنفذ “هجوم برلين” في سوريا.. القصة الكاملة
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟

