يثير مقتل زعيم مرتزقة “فاغنر” الروسية شبه العسكرية، يفغيني بريغوجين، الكثير من التساؤلات حول الأبعاد التي ستخلقها حادثة سقوط أو إسقاط الطائرة الخاصة التي كان يستقلها بريغوجين بين سان بطرسبرغ وموسكو، مساء أمس الأربعاء.
انتقام بوتين -إن كانت الحادثة مدبرة ومسؤول عنها بوتين- جاء في وقت مبكر وغير متوقع بعد مضي 3 أشهر فقط على تمردين قام بهما بريغوجين على سلطة بوتين في موسكو، كانت أولها في شرقي أوكرانيا ضد الجيش الروسي، والثانية محاولة الانقلاب المسلح لفاغنر والسيطرة على مدينة روستوف قبل التوجه إلى موسكو.
فعليا كان لحادثة الانقلاب ما بعدها، فانتقام بوتين جاء مبكرا ويبدو أن الهدف منه سيكون قطع رأس الخطر المحدق بسلطة بوتين في موسكو، فالتمرد الأول الذي أضر أكثر بهيبة الجيش الروسي المنهك في أوكرانيا، ألحقه تمرد ثان ضرب هيبة بوتين واستخباراته وجيشه أيضا داخل الأراضي الروسية. إذاً فإن بوتين بعد معاينة الأضرار توصل لقرار الانتقام والتصفية بدلا من الصفح الوهمي الذي أقتنع به على ما يبدو بريغوجين، فالرئيس الروسي اهتدى على ما يبدو إلى آلية مناسبة لتسيير قيادة المرتزقة غير المعترف بهم حكوميا، من خلال شخصيات عسكرية سابقة لا بد أن يكون ولاءها الكامل والدائم لبوتين بشخصه، فلن يسعى في الوقت الذي لن يعترف فيه بانتقامه إلى تبديد الاستفادة التي حققها من قوات المرتزقة التي أرسلها لعديد مناطق توسيع نفوذه، والتي يتمثل أبرزها بغربي القارة الإفريقية.
لقد كانت محاولة الانقلاب المسلح في حزيران الماضي بمثابة ضربة قاصمة للعلاقة الوطيدة بين بريغوجين وبوتين، ويبدو أن الأخير أراد كسب الجيش إلى صفه بدلا من القائد المتمرد والمقربين منه، بمقابل إعادة ضبط الميليشيا والعمل على إعادة هيكلة قواتها وإمكانية بناء قوام جديد لقوات خاصة غير رسمية على غرار “فاغنر” نفوذ بوتين خارج الحدود، رغم أنه كان يعتبر “فاغنر” قبل غزو أوكرانيا؛ أداة رئيسية لتحجيم تحركات الجيش إزاء أي تهديد محتمل له قد يصدر عن الجيش.
إن وصول “فاغنر” إلى مقدمة الهيمنة العسكرية الخارجية لروسيا بشكل رسمي منذ عام 2015، كان حلقة متطورة ضمن سلسلة أنظمة الحكم الروسية خلال العقود الماضية، والتي تعتمد في معاركها وصراعاتها الخارجية على قوات غير نظامية، إلا أن تعاظم المخاطر والعقبات التي تقف في وجه مطامع بوتين الخارجية، فالتمدد الروسي في غربي القارة الإفريقية كان بمثابة محطة عض أصابع يحاول فيها بوتين الإثبات لخصومه أنه قادر على فتح جبهات مواجهة عدة دون أن يؤثر ذلك على ساحة صراعه الرئيسي المتمثلة بأوكرانيا، إلا أن خسائر بوتين على ما يبدو ستتزايد، فقد كان أمامه خيارين مرين، أولهما الإبقاء على متزعم “فاغنر” وبالتالي فإن الأعمال التمردية ستبقى واردة الحدوث، بينما سيكون القضاء على بريغوجين محطة طمأنينة لبوتين بمقابل إجراءات لا بد من اتخاذها لمنع أي عمليات انشقاق سياسية أو عسكرية بعد الرسالة التي ستقض مضاجع المسؤولين الروس إثر حادثة إسقاط/سقوط الطائرة.
أراد بوتين تعزيز رؤيته القائمة على العنجهية وتغطية الخسائر العسكرية والاقتصادية وقبلهما السياسية؛ من خلال المكابرة والاستمرار في استعراض قوته الخائرة حقيقة، ولكن بعد تمرد بريغوجين لن يكون بمقدور موسكو الاستمرار على نهجها من خلال الاعتماد على القوات غير النظامية عبر “فاغنر” ولو كان ذلك في ساحات أقل أهمية.
على المقلب الآخر فإن الانقسامات داخل الجيش الروسي أمر تتزايد نسبة إمكانيته في ظل انتكاسات العمليات العسكرية في الأراضي الأوكرانية وكذلك الاحتمال الاقتصادية الهائلة بسبب الغزو، فضلا عن أعداد الفارين من الالتحاق بالخدمة العسكرية التي توضح مدى انشقاق المجتمع عن أوهام بوتين التوسعية.
مؤخرا، وفي ظل تراجع حضور “فاغنر” داخل إطار العمليات العسكرية الروسية بأوكرانيا، تم ترحيل ما تبقى من نفوذ “فاغنر” نحو القارة الإفريقية، بينما نفي عدد منهم نحو بيلاروسيا بعد الإنقلاب المسلح الفاشل.
ما سيواجهه بوتين بعد مقتل بريغوجين قد يكون أصعب مما مر فيه بعد اصطدام أوهامه بحقيقة جيشه المتهالك في أوكرانيا والمواجهة الغربية لأطماعه بطريقة تستنفذ ما تبقى لموسكو من قوة اقتصادية وعسكرية. ستكون المشاكل الداخلية أصعب وأشد على حكومة بوتين فالتململ الذي أصاب الروس من استمرار غزو أوكرانيا، سيزداد توسعه ليشمل شريحة واسعة من العسكريين إلى جانب المسؤولين الحكوميين الذين كانوا يدركون بأن طاعة بوتين في سياساته الخارجية خيار إجباري وإلا سيكون سيناريو مقتل بريغوجين متوقعا لمن يخالف التوجهات التوسعية، إلا أن زيادة حالة الرفض لآثار الغزو الروسي لأوكرانيا قد تؤدي بأي حال من الأحوال إلى تغليب حضور الأصوات الرافضة، وذلك بالتوازي مع ازدياد تراجع الشعبية الانتخابية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
* “أبعاد” هي زاوية صحفية أسبوعية/دورية؛ تحليلية سياسية، يكتبها مالك الحافظ، رئيس تحرير “الحل نت”.

