وسط الغلاء الجامح الذي يعاني منه السوريون من كل حدب وصوب، يبدو أن الارتفاع الكبير في أسعار القرطاسية واللوازم المدرسية سيجبر العديد من الأُسر السورية على إخراج أبنائها من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل، من أجل مساعدتهم على تأمين المصاريف المعيشية، وتوفير نفقات التعليم التي باتت تُثقل كاهل نسبة كبيرة من السوريين، خاصة بعد أن أوقفت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية”، منح قروضٍ للموظفين لشراء المستلزمات المدرسية لأبنائهم.
تستعد الأُسر السورية خلال الفترة الحالية لتوفير احتياجات أبنائها من المستلزمات المدرسية، إلا أن التجار وأصحاب المتاجر يستغلون هذا الموسم في فرض أسعار غير واقعية، مستغلّين بذلك حاجة الناس في شراء هذه السلع، حيث إن أسعار الحقائب المدرسية تعادل راتب موظف حكومي بالكامل، علاوة على باقي المستلزمات، وسط غياب أي دور حكومي من هذه الفوضى الموجودة في الأسواق.
أسعار اللوازم المدرسية
نحو ذلك، تحدثت السيدة غادة قارووط لصحيفة “تشرين” المحلية، يوم أمس الإثنين، عن أولادها الأربعة في مراحل تعليمية مختلفة، مؤكدة أنه ليست لديها القدرة المادية على تأمين احتياجاتهم من لباس مدرسي ومستلزمات استئناف السنة الدراسية، حيث وصل سعر “المريول” المدرسي نخب ثانٍ إلى 50 ألفا، أما “بدلة” المرحلة الإعدادية فقد وصل سعرها إلى 150 ألفا والثانوية إلى 200 ألف.

إضافة إلى سعر الحقيبة المدرسية التي وصلت إلى 100 ألف ليرة سورية في حدها الأدنى، بجانب ارتفاع أسعار الأقلام والدفاتر وكل هذا بات من الصعب تأمينه في ظل الغلاء الفاحش، لذلك تقول غادة إنها تسعى لتأمين عملٍ لأبنائها الكبار من أجل مساعدتها في تعليم إخوتهم الصغار، مكتفية بحصول أولادها الكبار على الشهادة الإعدادية، إذ ليست لديها القدرة المادية على تعليم الجميع.
هذا وتشاركها الرأي المواطنة نور عثمان، التي تشير إلى أنها قررت تزويج ابنتها الطالبة في المرحلة الثانوية من أجل توفير مصاريف دراستها لمصلحة إخوتها الأصغر سنّا، بما أن الظروف المعيشية أصبحت ضاغطة جدا، ولا يمكن العيش مع استمرار الأولاد في المدارس والجامعات.
من جانبها، تبدي الباحثة التربوية سوسن السهلي قلقها من أن ارتفاع أسعار التعليم وتكاليف العودة إلى المدرسة من رسوم وقرطاسية ولباس، يعزّزان المخاوف من توسّع التسرب المدرسي والاتجاه إلى سوق العمل، أو التشرد في الشوارع والتسول، الأمر الذي يرهق الأُسر على الرغم من مجانية التعليم في القطاع الحكومي، لكن إذا استمرت الظروف على هذا النحو فمن المتوقع التراجع عن مجانية التعليم، وخاصة مع عدم توفر الورق وارتفاع أسعار طباعة الكتب ووسائل الإيضاح.
ناحية أخرى، فإن الارتفاع غير المسبوق في أسعار المستلزمات المدرسية، وخاصة الحقائب والملابس، قد يدفع العديد من أهالي الطلاب إلى إعادة تدوير ملابس أبنائهم بعد إعادة تأهيلها وإصلاحها. ولم تعد ميزانية الأسر السورية، بحسب تقرير لموقع “غلوبال نيوز” المحلي، يوم أمس الإثنين، قادرة على شراء المستلزمات المدرسية التي لا تكفي حتى لشراء بنطال مدرسي وقميص لطفل واحد، ما أدى إلى الاكتفاء بشراء القرطاسية فقط، ليبقى إعادة تدوير الملابس والحقائب هو الحل الأمثل، نظرا لأن مَن لديه ثلاثة أطفال في المدرسة الآن يحتاج في المتوسط إلى أكثر من مليوني ليرة سورية، وهي قابلة للزيادة، خاصة في ضوء الارتفاع اليومي للأسعار.
موسم الاستغلال
في المقابل، يستغل التجار وأصحاب المحال التجارية أسعار اللوازم المدرسية، في ظل حاجة الناس لشراء المستلزمات المدرسية خلال هذه الفترة من كل عام، إذ تراوحت أسعار الحقائب المدرسية في المحال ما بين 210 آلاف ليرة وحتى 250 ألف ليرة سورية، وأرخص نوع يبدأ بـ 100 ألف، ناهيك عن سعر البنطال والقميص المدرسي اللذين وصل سعرهما كحدٍ وسطي إلى 150 ألف ليرة.
كما لم تكن أسعار القرطاسية أكثر رحمة إلا أنها أخف وطأة على الجيوب من الحقائب واللباس، إذ تراوحت أسعار الدفاتر من خمسة آلاف ليرة للقطع الصغير العادي إلى 30 ألف ليرة للقطع الكبير ”كلاسور” هذا عدا عن أسعار علب التلوين التي تراوحت أسعارها ما بين 15 ألفا وحتى 20 ألف ليرة، والهندسة التي بلغ سعرها 20 ألف ليرة، فضلا عن اللوازم الأخرى مثل ”ممحاة، ومبراة، أقلام رصاص الخ” والتي لا تقل ميزانيتها عن 100 ألف ليرة طبعا كحد أدنى.
هذا وأكدت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية” قبل يومين، عدم وجود خطة لمنح قروض، كما جرت العادة للعاملين في المؤسسات الحكومية لشراء اللوازم المدرسية لأبنائهم.
مصدر من الوزارة قال لصحيفة “الوطن” المحلية إن صالات “السورية للتجارة” ستبدأ في بيع القرطاسية بشكل رسمي في دمشق وبقية المحافظات ابتداء من يوم الإثنين.
في سياق منح قروض للعاملين في مؤسسات الحكومة لشراء المستلزمات المدرسية، أشار إلى أن الوزارة لا يوجد لديها إمكانية وقدرة على طرح قرض هذا العام، ودورها سيقتصر فقط على تأمين اللوازم المدرسية بأسعار جيدة ومرضية للمواطن من أجل التخفيف عنه في ظل الغلاء الذي تشهده الأسواق خلال الفترة الحالية، وفق زعمه.
التعليم ليس مجاني
طبقا لآراء العديد من المدرسين، فهناك العديد من المستلزمات التي تحتاجها العملية التدريسية والذين يضطرون لجلبها على حسابهم الخاص، مشيرين إلى أن هناك جزءا من خدمات التعليم تتحمله الأسر تحت مسمى نشاط مدرسي، إضافة إلى ما تتحمله من رسوم وقرطاسية وأجور وسائل النقل.

بينما أشار مدرس آخر إلى أن التعليم بدأ يتراجع في سوريا خلال سنوات الحرب بسبب تسرب المدرسين وارتفاع الأسعار، وأن التعليم في شكله الخارجي مازال مجانيا، لكن الحقيقة تقول عكس ذلك تماما، حيث لا يدفع الطلاب في المدارس الحكومية مبالغ مرتفعة إلا أنهم يضطرون لدفع هذه الرسوم على دفعات كأقساط لدروس خصوصية، نظرا لتدني مستوى أداء بعض المدرسين وعدم توفر وسائل الإيضاح وشراء كتب مدرسية بدلا من الكتب التالفة التي تسلّمها المدارس للطلاب سنويا بشكل مجاني.
في سياق أرقام تسرب الطلاب من المدارس، كانت “وزارة التربية السورية” قد أعلنت أن نسبة التسرب المدرسي في مرحلة التعليم الإلزامي وصلت العام الماضي إلى 22 بالمئة من إجمالي عدد التلاميذ، بزيادة نحو 50 بالمئة عن العام الذي سبقه، حيث بلغت نسبة التسرب آنذاك، حسب الأرقام الرسمية 12 بالمئة.
بينما تشير “منظمة الأمم المتحدة للطفولة” (يونيسيف) إلى وجود أكثر من 2.4 مليون طفل سوري غير ملتحقين بالمدرسة، منهم 40 بالمئة من الإناث، متوقعةً أن يكون العدد قد ارتفع بعد جائحة “كوفيد-19″، التي أدت إلى تفاقم تعطل التعليم في سوريا.
في سياق متّصل، أشار تقرير لموقع “أثر برس” المحلي، مؤخرا إلى أن بعض الروضات في دمشق تتقاضى ما يقارب 8 ملايين ليرة سورية، يدفعها أولياء الأمور على دفعتين، في الفصل الأول 4 ملايين، وفي الفصل الثاني 4 ملايين، ويتم ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة.
أما المدارس الخاصة لمراحل الابتدائي والإعدادي والثانوي، فقد تراوحت أقساطها بين أربعة إلى 15 مليون ليرة سورية، في حين أكد تقرير الموقع أن بعض المدارس النخبوية يصل القسط السنوي فيها، إلى 40 مليون ليرة سورية، وذلك للطلاب حتى الصف التاسع، وقد يتجاوز القسط هذا الرقم للمرحلة الثانوية.
أكد تقرير الموقع المحلي أن بعض المدارس النخبوية يصل القسط السنوي فيها، إلى 40 مليون ليرة سورية، وذلك للطلاب حتى الصف التاسع، وقد يتجاوز القسط هذا الرقم للمرحلة الثانوية.
التكاليف المترتبة على العملية التعليمية في سوريا، أصبحت مؤخرا تشكل عبئا ثقيلا على ذوي الطلبة، فالتكاليف المرتفعة لم تعد حكرا على الطلاب المسجلين في المدارس الخاصة، التي أصبحت رسومها السنوية بملايين الليرات، بل شملت مؤخرا حتى الطلبة المسجلين في المدارس الحكومية.

