مع الحلقات الأولى من المسلسل التاريخي: “الحشاشين”، والذي يروي فصلاً مهماً في التاريخ، تاريخ المنطقة التي نعيش بين تقلباتها السياسية والدينية، وما تزال الفرق الطائفية والمذهبية تلعب أدوارها المتباينة في صناعة التباين والعنف وتوسّع مساحة الشقاق والخلاف لا سيما ظاهرة الإسلام السياسي المتفشية، يبدو من المجازفة الكتابة عن المسلسل بينما لم يصل إلى نصفه الأول. 

لكن عدة أمور تجعل من المُلحّ الكتابة عن هذا المسلسل المهم، والذي يبعث حالة من التفاؤل لناحية الدقة والإبهار المثير للدهشة الفنية، بخصوص الصورة والكادرات وحركة الكاميرا التي تضيء على مساحات فنية تاريخية وتتنقل بين الظاهر في أداء الفنانين مثل كريم عبد العزيز الذي يجسد شخصية “سيد قلعة آلموت حسن الصباح”، أو الخفي من ناحية ما تبطنه هذه الجماعة في التاريخ التي تكشف في توحّشها عن نموذج مماثل ومتكرر من توظيف الدين سياسياً لتحقيق مصالح السلطة والحكم.

“الحشاشين” وهجوم “الإخوان”

الحالة الفنية التي يطرحها المسلسل التاريخي، وهو إنتاج شركة “المتحدة للخدمات الفنية”، هي المفقودة في سياق الجدل الناشئ على مواقع التواصل الاجتماعي. 

وتشنّ جماعات الإسلام السياسي، وتحديداً أذرع جماعة “الإخوان المسلمين” الإرهابية، هجوماً استدرجت إليه قطاعات نخبوية لا علاقة له بالدراما والفن. وربما الجدل بخصوص الأخطاء التاريخية في المسلسل لا يُعدّ مسألة جديدة وهي متكررة في عدة أعمال سابقة، كما حدث مع القوى ذاتها بفيلم “المصير” للمخرج العالمي يوسف شاهين، وكان يناقش مسألة مهمة مماثلة عن تفشي الفكر الأصولي ولعبة السلطة مع القوى المنتمية للتيار الأخير، ثم تسعى لتهميش الفكر النقدي “ابن رشد” في الحالة الأندلسية، الأمر الذي تكون نهايته الهزيمة والسقوط والإخفاق التاريخي.

الاستعانة باللهجة المصرية في مسلسل “الحشاشين” لا يُعد عيباً فادحاً يتم توجيه سهام النقد عليه مطلقاً.

بالتالي، هناك عملية اصطياد تبدو مقصودة لأغراض الاستقطاب السياسي، بهدف التشنيع وتشويه عمل فني ودرامي ليس من شأنه أن يكون مرجعية في التاريخ، وهي ليست مهمته في كل الأحوال، إنما المسلسل طاقة فنية يحرك ذائقة المشاهد، يخدش مشاعره، يستفز ذهنه، يجعله يرتبك قليلاً، يتورط مع الأحداث، يعاني مثله مثل الشخصيات كلما تصاعد الخط الدرامي ووصل ذروته الفنية. 

وكما في رواية “عزازيل” للأديب المصري يوسف زيدان، أو “شيفرة دافينشي” للأديب الأميركي دان براون، أو “قواعد العشق الأربعين” للروائية التركية إليف شافاق، وغيرها من الأعمال التي تقاطع فيها التاريخي مع المتخيل، والمجازي مع الرمزي، والواقعي مع الغرائبي والعجائبي، لم تكن مراجع تاريخية بقدر ما هي أعمال فنية ينطبق عليها ما ينطبق على الفن كون مهمته أبعد من فكرة التوثيق، وتتبع التاريخ في صورته ومساره الطبيعي المرحلي. بل إن شروط الدراما قد تتطلب القفز على مراحل أو الاستعانة بالصورة في شكل ديكور محدد وبناء حالة بصرية وزمنية معينة لتحقيق أثر نفسي معين ثم الاتجاه لبناء حوار آخر قد لا يتطابق تماماً مع ظروف ذلك العصر. من ثم، فالاستعانة باللهجة المصرية في المسلسل لا يُعد عيباً فادحاً يتم توجيه سهام النقد عليه مطلقاً. 

خلاصة القول في هذه الناحية، أن الفن يعنى بالخيال، وله شروط خاصة، وأن التاريخ له شروط مغايرة، ومحاولة تقديم شروط الأخير على الأول في الأعمال التي تتناول أحداث تاريخية عملية فيها تعسف وسوء نيّة أو اصطياد مقصود بهدف التشويه لأغراض لا علاقة لها بالفن أو التاريخ إنما خصومة سياسية.

مخاوف الإسلام السياسي من الحقيقة

الجملة المفتاحية في المسلسل ربما تقودنا إلى أسباب الهجوم العنيف وربما غير المبرر عليه، وهي عندما يجري هذا الحوار المتخيل بين مؤسس الطائفة وأحد الأشخاص الملتحق بجماعته أو فرقته وتنظيمه الذي كان دموياً وتسبب في اغتيالات متوحشة بالقرن الـ11، والسؤال كان: تفدي الدعوة بإيه؟” فيقول التابع: “بروحي.. روحي فداء صاحب مفتاح الجنة”.

هذا الحوار الجدلي بين الطرفين يماثل في حقيقته ما يجري مع تيارات الإسلام السياسي كافة، تحديداً عن الالتحاق بالتنظيمات الحركية وأخذ ما يعرف بـ”البيعة” والتي تقوم على “الطاعة التامة للمرشد (الزعيم) وذلك في المنشط والمكره”، أو ما يعرف بـ”الولاء” و”البراء”. وهنا تخوفت الجماعات الإسلاموية التي لا تتوانى عن التشنيع ضد المسلسل من فضح عملية الاستلاب التاريخي لإرادات الناس وإصابتهم بالعماء في حقب تاريخية وعملية خداع لا تتوقف لغرض الملك والسياسة والنفوذ وما الحالة المقدسة التي تتبدى في الظاهر سوى ورقة ضعيفة لإخفاء الجرائم والقتل.

ونجد أن أركان البيعة التي اشترطها حسن البنا مؤسس جماعة “الإخوان” تقول: “أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصاً في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثرة علي، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. والله على ما أقول وكيل، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً”.

ولا يختلف تنظيم “داعش” عن شقيقه في “إخوة الدم” في مسألة البيعة ونصها: “أبايع خليفة المسلمين أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي الحسيني القرشي الفاطمي على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ولا أخالف السمع والطاعة إلا أن أرى كفرا بواحا عندي فيه من الله برهان والله على ما أقول شهيد”.

بل إن حوادث الاغتيالات المريرة التي ارتبطت بتاريخ جماعة “الإخوان” وطالت شخصيات عديدة مثل محمود فهمي النقراشي الذي كان رئيساً للحكومة المصرية في الفترة الملكية أو المستشار الخازندار في الفترة ذاتها، تكشف عن وسائط الإكراه التي اعتمدتها الجماعة في سلب الآخرين وأتباعهم حقوقهم في الاختيار والإرادة والتفكير، وهو نفسه المسار الذي التزم به الحشاشون والتي أضحى اسمها في القاموس الأوروبي يعني “القاتل المحترم والمأجور”. 

جماعة الحشاشين تزامن صعودها مع تنامي الصراع المذهبي والسياسي، وربما الوجودي بين العباسيين (السنة) والفاطميين (الشيعة) مطلع القرن الحادي عشر- “إنترنت”

وفي كتاب: “الإخوان المسلمون والتنظيم السري” للمؤرخ المصري عبد العظيم رمضان، وثيقة تخصّ اعتراف عضو الجماعة الذي نفّذ اغتيال النقراشي وقال إن “التعاليم الروحية و مبادئ وأركان البيعة” التي تشرعن ممارساتهم وأعمالهم كانت جميعها تقف وراء دفعه لتنفيذ الاغتيال. وهو ما يحيلنا على الجملة المفتاحية التي اعتمدها مسلسل “الحشاشين” حول افتداء الدعوة.

المسلسل في هذا السياق يضيء بشكل غير مباشر عن وضع تاريخي ومعاصر وراهن لجماعات تختلف في الأسماء لكنها تتشارك الأهداف وتتبع الآليات والوسائل ذاتها. فحسن البنا في القرن الـ11، هو حسن البنا في النصف الأول من القرن العشرين ومثله المرشد الإيراني الخميني، أو أسامة بن لادن في قلب الكهوف بجبال تورا بورا. كانت العملية الأولى التي عمدت تنظيم الحشاشين بالدم هي اغتيال الوزير نظام الملك في دولة السلاجقة الأتراك.

الفرقة التي تم تدشينها على يد حسن الصباح تعكس لحظة من الصراع الطائفي الدموي الذي انخرط فيه المستعلي بالله بن المستنصر ونزار ابن المستنصر أبناء قائد الدولة الفاطمية (المستنصر بالله) ومن ثم ظهور طائفة الحشاشين وقد انخرطوا في دائرة الحرب القائمة بين الطرفين. فمع انقسام الدولة الفاطمية والطائفة الإسماعيلية إلى جماعتين متحاربتين هما “نزارية” و”مستعلية” فإن فصلاً جديداً من الصراعات كان يتشكل بالدماء والظاهر منه ديني طائفي بينما الحقيقة تكشف عن خلاف مزمن على الحكم أو بالأحرى أزمة التوريث وانتقال الخلافة. 

وكانت هذه الفترة تشهد ضعف السلطة الفاطمية وتسلط الوزراء. ففي خلافة المستنصر بالله كان المدبر لكافة أمور الدولة، هو وزيره بدر الجمالي الذي سحب السلطة من يد الخليفة. 

اعتمد الحشاشون على الاغتيالات التي تأخذ طابع المباغتة لنشر الرعب والتخويف، خاصة أن عملياتهم طالت شخصيات مهمة في الدولة العباسية.

ويقول ابن الأثير، إن الحاكم في دولته (أي المستنصر بالله) هو بدر بن عبد الله الجمالي. فيما نجح وزير المستنصر في حسم الصراع بين الفريقين وانحاز للمستعلي الأصغر سنّاً وقبض على نزار وقتله فهرب ابنه الهادي إلى إيران، ثم اصطف مع مؤيدي والده الفارين حيث كان من بين هؤلاء الحسن بن الصباح الذي سيقود لاحقاً جماعة “الحشاشين” المنحازة للنزارية. 

جماعة الحشاشين تزامن صعودها مع تنامي الصراع المذهبي والسياسي، وربما الوجودي بين العباسيين (السنة) والفاطميين (الشيعة) مطلع القرن الحادي عشر. فيما نجح مؤسس الحشاشين بالتمركز بقلعة آلموت في إيران والتي ساهمت في القضاء على السلاجقة وتهديد العباسيين ثم دارت رحى الحرب ضد أخرين منهم الزنكيين والأيوبيين. فكانت القلاع وقمم الجبال في الشام وإيران الملاذ الآمن للحشاشين ونقطة انطلاقهم في نشر دعوتهم الإسماعيلية النزارية، وكذا التخطيط وتنفيذ الهجمات ضد العباسيين ومن بين هذه القلاع قلعة آلموت بشمال إيران. 

واعتمد الحشاشون على الاغتيالات التي تأخذ طابع المباغتة لنشر الرعب والتخويف، خاصة أن عملياتهم طالت شخصيات مهمة في الدولة العباسية مثل الخليفة العباسي المسترشد ـ والوزير نظام الملك، وملك بيت المقدس كونراد. 

المسلسل يلامس وطأة الواقع

تعود تسمية النزارية بـ”الحشاشين” إلى رسالة الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله والتي بعث بها إلى الإسماعيليين المتواجدين في الشام بعنوان (إيقاع الصواعق الأرغام). وهي الرسالة التي دافع فيها عن شرعية الحكم وامتداده من المستعلي و نقض مزاعم النزارية.

تنقّل الصباح الذي ولد في أسرة شيعية اثني عشرية بين عدة مدن وعواصم في المشرق الإسلامي منها القاهرة (وهذا يفسر اعتماد المسلسل اللهجة المصرية) لتعلم المذهب الجديد الذي اعتنقه وهو الإسماعيلية ثم غادرها على خلفية الأزمات السياسية التي لاحقته واستقر به الحال في إيران وفيها كانت حياته لقرابة 35 عاماً بين الجبال حتى مات في قلعة الألَموت.

ولم تخفتِ حدّة الصراعات أو تنتهي بوفاة ابن الصباح إنما استكملت الحرب دائرتها بين النزارية والسلاجقة. ومع الغزو المغولي عام 1219 ميلادياً ثم الصليبيين على المشرق، حاولت الإسماعيلية النزارية بناء تحالفات وثيقة مع المغول مرة والصليبيين مرة أخرى للقضاء على الدولة حينذاك الأمر الذي تكلل بالفشل في المرتين، ومع الخضوع للغزو المغولي الثاني والإذعان له لم تصمد طويلا جماعة الحشاشين في قلعة ألموت وتولى هولاكو وجيشه تنفيذ القتل الجماعي ضدهم. 

وفي هذا الطرح، يلامس المسلسل وطأة الواقع الذي تنتعش فيه الجماعات السرية الطائفية والتي تمارس القتل على أساس الهوية، وتفتح دائرة الاغتيالات حتى آخرها، وتقبض على التاريخ بعنف ودموية لتحقيق سيطرتها ونفوذها بشرعية مقدسة وأحكام إلاهية يخدعون بها أتباعهم لتحريضهم على السمع والطاعة وتنفيذ ممارساتهم الإجرامية. 

ما زال المسلسل في بدايته والأحداث لم تصل لنقطة الأزمة أو العُقدة الدرامية وبالتبعية، الحكم قاصر. والحكم في النهاية للمشاهد العادي وليس المشاهد الوظيفي في خدمة الكتائب الإلكترونية وذباب منصات التواصل الاجتماعي. ولا ينبغي استباق الأحداث أو الامتلاء بأحكام مسبقة. فالفن ضرورة للمتعة وليس منصة للتراشق السياسي والأيديولوجي.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3 5 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة