مرة أخرى، تشهد حركة “النهضة”، الذراع السياسية لجماعة “الإخوان المسلمين” في تونس، ذكرى الإعلان الأول لتأسيسها، والتي تصادف يوم 6 حزيران/ يونيو 1981، بالتزامن مع أزمة هيكلية على المستوى التنظيمي وتوقيف أغلب قيادات الحركة التاريخية فيما يتعلق بعدة قضايا، أهمها وأخطرها قضايا التمويل وتلقي الأموال من جهات خارجية، الأمر الذي يعرضها لقرار حلّ الحركة وفقاً لقانون الأحزاب في تونس، إضافة إلى خسارتها أي تفاعل وكل تفاعل بين الجماهير التونسية.
من جانبها، دعت حركة “النهضة” على هامش الذكرى الـ 43 لتأسيسها، السلطة التونسية إلى إطلاق سراح من سمتهم بـ”المعتقلين السياسيين”. وطالبت في بيان لها، “مكونات الحركة الديمقراطية التونسية إلى الالتقاء من أجل فرض توفير شروط الانتخابات الحرة والنزيهة” بحسب البيان.
لا ريب أن ثمة مستقر في يقين الضمير الجمعي التونسي أن حركة “النهضة” لديها مسؤولية سياسية مباشرة عن قضايا الاغتيالات التي شهدتها تونس بعد أحداث العام 2011 وخلال فترة توليها السلطة في البلاد، الأمر الذي دفع المواطنين إلى الخروج ضدها ومساندة “مسار 25 تموز/ يوليو وقرارات الرئيس التونسي قيس سعيد.
تراجع وزن حركة “النهضة”
قد ينظر البعض أن مسألة إرجاء البت في المطالبات البرلمانية لمناقشة حلّ حركة “النهضة” مرتبط بترقب قرار قضائي بنفس المضمون على ذمة قضايا التمويلات واستقبال أموال من الخارج.
إلى ذلك من المنطقي للغاية عدم تلمس مسارات محددة ومنتظمة لأفق الحركة في المستقبل القريب والمتوسط، خاصة وأن عصا الخلافات شقت الحركة من جذورها وبعثرت صفوفها نحو جبهات الداخل والخارج. إضافة إلى غياب إرادة المحاسبة على ما مضى ومراجعة أخطاء العشرية الفائتة.

في هذا السياق، يشير زهير حمدي، المحلل السياسي والأمين العام لـ”حزب التيار الشعبي”، بالقول: لا شك أن حركة “النهضة” منذ أن دخل معظم قادتها إلى السجون، ومنذ تفكيك كل مصادرها ومنابع تمويلها في الداخل والخارج، ومن ثم إغلاق مقرها الرئيسي في البلاد، أصبحت مشلولة وحتى قواعدها الحزبية لم تعد تملك أي مساحات أو حضور بين المواطنين.
وبالتالي وفق حديث الأمين العام لـ”حزب التيار الشعبي” لموقع “الحل نت”، فأن وزن حركة “النهضة” سياسياً واجتماعياً لم يعد له أهمية في عموم تونس.
يتابع حمدي حديثه قائلاً في ذكرى تأسيس حركة “النهضة”، لم تعد الحركة تملك أي مساحة نحو فرضية ذلك الحزب الذي يستطيع أن ينهض من جديد. وفي تقدير حمدي، فإن “النهضة” خسرت تماماً جميع مقومات القوة لديها من إمكانيات مالية ومن كوادر حزبية وانشقاقات عميقة على مستوى الأفراد والقيادات وكذا على مستوى بنية الفكرة والأهداف وجاذبية التأثير.
سيناريوهات مستقبل “النهضة”
لذلك، وبحسب منظور حمدي لـ”الحل نت”، فإنه في هذه الذكرى الجديدة للحظة تأسيس حركة “النهضة”، أضحى من الأهمية بمكان تصور أن السيناريو الأقرب للحركة في الأفق المنظور لإعادة تموضعها هو أن تذهب إلى مؤتمر استثنائي بقيادة جديدة، وتغير التسمية، وتبدل خطابها لتصبح حزباً أقرب لحزب العمل والإنجاز الذي يترأسه القيادي النهضوي المنشق، عبداللطيف المكي.
وبسؤال الأمين العام لـ”حزب التيار الشعبي” التونسي، زهير حمدي، عن ردود الفعل الرسمية والشعبية حول الوثائق التي كشفت عنها شاشة التاسعة التونسية حول وجود وثائق تثبت تورط زعيم حركة “النهضة”، راشد الغنوشي في خطط لتفجير الفوضى في البلاد، أشار حمدي إلى أن ردود الفعل التي ظهرت ردود عادية جداً باعتبار أن هذا ليس بجديد على “النهضة” وقيادات تلك الحركة وكونه يتوافق مع كافة ممارساتها وتاريخها.
وبالتالي جعل الرأي العام التونسي يتعامل مع تلك الحقائق دون أي مفاجآت ويتناهى بالكلية مع ممارسات “النهضة” في مسارات التواطؤ والتآمر طوال تاريخها، سواء كانت في “العمل السري” أو خلال فترة العمل العلني.
يشير الأمين العام لـ”حزب التيار الشعبي” المؤيد لقرارات 25 تموز/ يوليو، إلى أن قرار حل حركة “النهضة” في تونس يبدو فرضية لم تحسم بعد، أو بالأحرى غير واردة في هذا الوقت.
ويشدد حمدي في ذات الوقت أن حركة “النهضة” حالياً فقدت كل مقومات القوة التي كانت تملكها ولهذا يبدو أن قرار حل الحركة لن يجد شيئاً عظيماً للدولة، بيد أن المتغير الوحيد في هذا المسار هو قرار قضائي بموجب قانون الأحزاب على خلفية ثبوت تلقي تمويل أجنبي في مخالفة لقانون الأحزاب.
حوادث عنف سابقة
وفي العاشر من شهر حزيران/ يونيو الجاري، أعلنت قناة التاسعة والناشط السياسي رياض جراد عن حلقة استثنائية ليكشف فيها عن مخططات تفصيلية تم العثور عليها بمنزل راشد الغنوشي ليلة إيقافه.
تراوحت ردود الفعل من قبل الشارع التونسي بين الاستغراب والاقتناع بضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال من جهة، وعدم الاستغراب والتأكيد على أن كل شيء متوقع من الإسلام السياسي.
ولا يخفى على أحد أن الغنوشي يواجه العديد من التهم منذ نيسان/ أبريل من العام الماضي، بما في ذلك تهم تتعلق بقضايا الإرهاب والتآمر على أمن الدولة.
من جانبه يفسر الكاتب التونسي باسل الترجمان الاستقبال الطبيعي لما كشفت عنه شاشة التاسعة في تونس من ربط بين زعيم حركة “النهضة” راشد الغنوشي ومحاولات التآمر وقلب النظام واللجوء للعنف بحسب ما جاء في وسائل إعلام محلية.
ويشير الترجمان لـ”الحل نت” إلى أن هذه القضايا ليست جديدة في فكر “الإخوان المسلمين” أو حركة “الاتجاه الإسلامي” أو حركة “النهضة” في تونس، فهذا ما مارسوه منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كما كان الحال مع عمليات تفجير الفنادق عام 1987 داخل مدينتي سوسة والمنستير.
كما نذكر عملية حرق مقرات الأحزاب سنة 1991 وقتل الأبرياء، فضلاً عن الجرائم التي ارتكبت بعد سقوط نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي واتهام حركة “النهضة” بالتورط فيها وخاصة قضايا “الجهاز السري” للحركة واغتيال محمد البراهمي وشكري بلعيد وبالتالي هذه الوثائق لم تفاجئ الشارع التونسي.

ثمة مفارقة واحدة بحسب الكاتب التونسي باسل الترجمان وهو التعويل على قوة ونزاهة القضاء التونسي وقدرته على تحقيق العدالة وكشف الحقائق للجميع. فحركة “النهضة” مثلها كمثل كل حركات الإسلام السياسي، شهدت مداً وجذراً في علاقاتها مع رمز السلطة.
في تونس خبرت “النهضة” الصدام مع فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وبعدها عرفت مهادنة طارئة مع الرئيس زين العابدين بن علي لتدخل لاحقاً في صدام معه.
“المظلومية لا ينتج حكاماً ناضجين”
وعلى وقع أحداث ما عرف إعلامياً بـ”الربيع العربي” تمكنت “النهضة” من السلطة في تونس خلال سنوات الانتقال، بيد أن مسارات التمكين وإقصاء الجميع من المشهد على حساب هيمنة ونفوذ “النهضة” على كل شيء دخلت في مواجهة عنيفة مع الرئيس قيس سعيد في العام 2021، مما دفع الأخير لتفعيل المادة رقم 80 من الدستور، والتي أطاح من خلالها بالبرلمان والحكومة المدعومين من “النهضة”.
بدوره، يقول الأكاديمي التونسي مراد الحاجي إن ذكرى تأسيس “النهضة” تزامنت مع ظرف خاص وقعت فيه الحركة خلال السنوات الأخيرة، تبدو خلالها الحركة في أضعف حالاتها، كما معظم قادتها هم في السجن، فضلاً عن الكشف القضائي عن التهم الموجهة ضد قادة الحركة، الأمر الذي زاد في تأزيم الوضع حيث السلطة السياسية والفضائية تواصل فتح الملفات ضد الحركة كما أن خصومها الأيديولوجيين يجدون الوضع مناسبا لإنهاء الحركة الإسلامية في تونس وحلها.
يضيف الدكتور مراد الحاجي في تصريحات لـ”الحل نت” قائلاً: إن عديد من منتسبي حركة “النهضة” اصطدموا براشد الغنوشي وسلطته الستالينية داخل الحركة، ما جعل هؤلاء أن أعلنوا تأسيس أحزاب أخرى كما هو حال عبداللطيف المكي والذي بدأ يستقطب عدداً من قيادات “النهضة”، التي لم تهاجر أي ما يسمى نهضويي الداخل. لكن وفق تقدير الحاجي، فإن “قيادات النهضة التاريخية لن تغادرها، لأنها تنتعش مع كل خطاب مظلومية وتستغله لصالحها. لكن حالة ما بعد الثورة كشفت النهضة وحدت من تأثير هذا الخطاب لدى عامة الناس الذين عاشوا النهضة، وتوصل بعضهم إلى أن المظلومية لا ينتج حكاماً ناضجين”.
ولم يعبر رد الفعل الرسمي عن الاستغراب، فالوثائق المسربة تأتي من جهات سلطوية، وهي أداة للضغط على “النهضة” وإقناع الشارع بأن الإجراءات المتخذة ضد قياداتها مشروعة وليست محض افتراء، كما يدافع النهضويون وأنصارهم. أما الشارع التونسي، فتراوحت ردود الفعل بين الاستغراب والاقتناع بضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال من جهة، وعدم الاستغراب والتأكيد على أن كل شيء متوقع من الإسلام السياسي. واعتبار ما كشف عنه، فرصة للتخلص من أي حزب له توجهات دينية في تونس من جهة ثانية، وفقاً للمصدر ذاته.
يختتم الدكتور مراد الحاجي تصريحاته لـ “الحل نت” أن الوثائق التي كشفت قد تعجل بقرار حلّ حركة “النهضة”. لكن السلطة قد لا تقدم على ذلك لأن ما حصل ضربة موجعة للحزب الإسلاموي. بل أن إجراء حلّ “النهضة” قد يخدمها أكثر من تجريم زعاماتها وجعلهم ينكشفون أمام عامة الشعب. لأن الإجراءات السلطوية لا تقتل الأيديولوجيا بقدر ما يقتلها انكشافها وانفضاح زيف شعاراتها.
- تحقيق عن كنوز “داعش” المدفونة.. أين أخفى التنظيم ملايين الدولارات والذهب؟
- توقيف صحفي سوري بعد مشادة مع شرطي مرور في دمشق
- الموازنة السورية تحت الضغط.. لماذا بلغ العجز مليار دولار رغم قفزة الإيرادات؟
- هل تعيد سوريا إنتاج القمع عبر قوانين الأسد؟
- مقترح مثير للجدل.. هل يتم ربط الليرة السورية بـ”الريال السعودي” بدلا من الدولار؟
