لا تعدو الانتهاكات التي جرت في ريف حمص، مؤخرا، مجرد كونها حوادث طارئة، ويمكن التعاطي معها بمنطق هادئ وبالإمكان ضبطها، أو تصنيفها في حيز “الفردي”، إنما هي مؤشر خطير، ويتعين النظر لها في حدود تهديدها السلم الأهلي وتبديد الأمن المجتمعي، وتعكس غياب الضوابط المختلفة، الأمنية والقانونية، التي تباعد بين المواطن وحقوقه، كما تطيل أمد غياب أو بالأحرى تغييب الاستقرار في ظل بيئة مرشحة للتفلت، وانتقال عدوى العنف بدعوى الانتقام أو الثأر، سواء بحق المكونات المختلفة في سوريا على أساس خصومة سابقة سياسية أو طائفية أو قومية.
وليس المطلوب هو تعقب المسؤولين عن تلك الجرائم والخروقات، فقط، حيث إنها مجرد عوارض ظاهرية تخفي الأزمة المتوطنة سياسيا ومجتمعيا. من ثم، فمن الضروري التسريع من وتيرة الانتظام في مشروع لـ”سوريا الجديدة”، ينهي حالة التهافت على العنف، أو خطابات الكراهية والاستقطاب، بما يستدعي الاصطفاف المجتمعي على “عقد اجتماعي” يخلق واقعا حيويا مغايرا عن سوابقه الاستبدادية، ويحمل صفات التعددية وقبول التنوع والتشاركية. ذلك ما يجعل وطأة الصراعات والنزاعات في شكلها الهمجي والانتقامي ضد الفئات الضعيفة، تغيب وتقل من تلقاء نفسها، بل تجد لها حماية في جسد اجتماعي قوي على أساس العدالة والحقوق في تشريعات وقوانين لا تضع طرفا في أعلى السلم وآخر في مستويات أدنى.
صحيح أن الإدارة الجديدة بدمشق أقرت بوجود انتهاكات، بينما أكدت على سعيها ملاحقة المسؤولين عنها، وفق ما أعلنت وكالة أنباء “سانا”، وذلك في محاولة أولى للاعتراف بالأزمة على عكس النظام السابق الذي كان يتبنى سياسة التعمية عن الجرائم التي تطاول أفراده، إلا أنه يظل غير كاف طالما البيئة السياسية والمجتمعية متخمة بالعنف والاستقطاب ويفاقم الفراغ السياسي من الوضع المأزوم، ويرشح بمزيد من العنف.
وليس هناك ما يمنع من تبني مقاربة تمييع الأزمات أو حتى التشويش عليها مع ارتفاع وتيرتها وتضخم الحوادث، بالتالي، فإن ملء الفراغ بحوار داخلي سوري سوري، من شأنه تخفيف حدة التوترات والانتقال الهادئ من الصدام والاقتتال العشوائي أو الممنهج إلى ما هو أكثر استقرارا.
سوريا.. العنف الطائفي كـ”لغم”
بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، فإن “الممارسات” التي لها صفة “انتقامية” و”عمليات التصفية” وصلت إلى 90 عملية، وراح ضحيتها 189 شخصا ما يقارب 115 على خلفية الانتماء الطائفي، وقضى نحو 184 رجلا، وخمس سيدات.
مع سيطرة “الهيئة” على سوريا، برزت مشاكل عديدة لم يأت على ذكرها من أحد، وربما يتم تجاهلها قصدا، وعلى ما يبدو أن “الهيئة” فعليا غير قادرة على إدارة كل المساحات التي سيطرت عليها، ليس بسبب عجزها وعدم مقدرتها إنما لغياب الإمكانيات اللازمة ومنها تحديدا الموارد البشرية.
ونفذت القوات الأمنية التابعة للإدارة الجديدة في دمشق، خلال الأيام الماضية، حملة تمشيط في عدد من قرى ريف حمص الغربي، بحسب المكتب الإعلامي لوكالة “سانا”، مشيرا إلى أن تلك القوات استهدفت العناصر الخارجة عن القانون وانسحبت بعد تحقيق أهدافها.
إلا أن بلدات ريف حمص طاولتها انتهاكات وتجاوزات جمّة، ولا سيما بلدتي مريمين وفاحل، منها حوادث إساءة للمعتقدات والمقدسات الدينية، فضلا عن عمليات القتل خارج نطاق القانون، بجانب عمليات السرقة وإهانة الأهالي هناك أمام ذويهم وأطفالهم، الأمر الذي يشكل سابقة في الفترة الأخيرة تجعل العنف الطائفي بمثابة اللغم الذي لو انفجر مرة ربما لا يتصور أي طرف مدى وعدد مرات دوراته المقبلة.
فيما أصدرت مجموعة “السلم الأهلي سوريا (حمص)” أمس السبت بيانا إلى الرأي العام حول الانتهاكات الجسيمة وعمليات القتل التي حصلت خلال الحملة الأمنية الأخيرة في بلدة فاحل في ريف حمص الغربي.
وتابع البيان: بتاريخ 23 كانون الثاني/ يناير الجاري دخلت القوات الأمنية المكلفة بتمشيط بلدة فاحل، وقامت بإغلاق مداخلها ومخارجها، وتخلل ذلك إطلاق نار كثيف من قبل العناصر الأمنية، ولدى انتهاء المجموعة الأولى من عملية التمشيط، دخلت مجموعة أخرى وأعادت الكرَّة. خلال عملية التفتيش التي قامت بها المجموعات الثانية، صرح عناصرهم بأنهم يفتشون عن قطع السلاح وأشخاص مطلوبين.

وطبقا لمصادر المجموعة المدنية، فقد تم توقيف 58 شخصا على الأقل، معظمهم من ضباط متقاعدين وضباط سابقين ومجندين، ممن يحملون بطاقات تسوية، إضافة إلى المدنيين. خلال عمليات التفتيش، حدثت العديد من الانتهاكات والسرقات، وتم توجيه شتائم ذات مضامين طائفية وجنسية للرجال والنسار، إضافة إلى التنكيل والاعتداء.
ووثّق بيان المجموعة المدنية هوية 15 ضحية حتى الآن، لكنه أكد أن مصير الـ43 المتبقين لا يزال مجهولا. وعليه طالبت بإعادة تنظيم عمليات التمشيط وأن تكون هناك لجنة مراقبة مع الحملات الأمنية مكونة من الدفاع المدني والهلال الأحمر السوري ووسائل إعلام محايدة. وكذلك الكشف عن مصير باقي المفقودين.
وشدد البيان على ضرورة محاسبة ومحاكمة مرتكبي الجرائم بحق الشعب السوري في عهد النظام البائد. كما وأدان البيان هذه الانتهاكات وطالب بمحاكمة مرتكبيها.
وكانت مجموعة “السلم الأهلي سوريا (حمص)” قد أصدرت قبل يومين بيانا حول الانتهاكات التي رافقت حملة التمشيط الأمني في ريف حمص الغربي، وخاصة بلدة مريمين وقرية خربة الحمام، داعية كافة الجهات المعنية إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات الموثقة هناك، حيث تسببت الحملة العسكرية الأخيرة في سقوط ضحايا وتوثيق حالات الاعتداء على المدنيين/ات واحتجاز أبرياء وأعمال إذلال وسرقة ممتلكات.
كذلك، وثق “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، تصفية 15 مواطنا بينهم ضباط برتب مختلفة في قوات النظام السابق، في حصيلة غير نهائية لهجوم “المسلحين المحلين” على قرية فاحل في ريف حمص الغربي يوم الجمعة الماضي.
من ارتكب هذه الانتهاكات؟
علي ملحم، الناشط السياسي من مدينة حمص، أسس مجموعتين للتواصل عبر منصتي التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”واتساب” تحت عنوان “السلم الأهلي في سوريا (حمص)”، وذلك بغية توثيق أي انتهاكات وإيصال شكاوى الأهالي وبالتالي معالجتها.
وقال ملحم لـ”الحل نت” إنه لا جديد حتى الآن بالنسبة لحصيلة الضحايا الجدد غير ما ورد في البيانات الصادرة عن مجموعته المدنية. وأردف “لا يتوفر لدينا تأكيد حول هوية المجموعات المسلحة التي ارتكبت هذه الانتهاكات بحق الأهالي في ريف حمص الغربي. ويبدو أنهم غير تابعين لهيئة تحرير الشام، والمؤشرات تشير إلى أنهم فصائل محلية من حمص، ويبدو أن القضية أخذت طابعا انتقاميا وثأريا”.
وعليه يرى محلم، المقيم في ألمانيا، أن هذا الأمر سيئ جدا، وهو ما يعني الدخول في دوامة العنف من جديد، وهدم كل المكتسبات التي حققتها “الثورة السورية”، إذ إن سوريا في مرحلة تأسيس دولة ومجتمع جديدين، وبالتالي فإن أي تجاوز مهما كان حجمه سيؤسس لمرحلة سيئة للغاية، لأنها ستبنى على أسس غير سليمة.
بدوره، يقول الكاتب والناشط السوري من مدينة حمص، يامن حسين لـ”الحل نت”، إن المجموعات التي ترتكب الانتهاكات بحمص، تأتي في النهاية مع مجموعات حملات التمشيط الأمنية، وبالتالي “لا نستطيع التمييز بينها وبين قوات الأمن العام التابعة لـ(هيئة تحرير الشام)”.

وأضاف الناشط السوري، وهو أيضا عضو في مجموعة “السلم الأهلي في سوريا (حمص)”، أن الانتهاكات “عشوائية”، فمثلا هناك أحياء تعامل فيها الفصائل الأهالي بشكل جيد، وفي بعض الأحياء الأخرى التي تبعد مسافة 100 متر مثلا تكون المعاملة سيئة جدا. إضافة إلى أن معظمهم عناصر الفصائل المسلحة “ملثمون”، وبالتالي يصعب التعرف على مرتكبي الانتهاكات التي جرت في ريف حمص.
لكن يمكن القول إن ثمة سلطة في دمشق تتحمل مسؤولية هذه التجاوزات أمام شعبها، وهي مسؤولة أيضا عن تصرفات هذه الفصائل، لأنها هي التي أتت بهم أو متحالفة معهم أو هي تابعة لمؤسسة “الأمن العام”، على حد تعبير يامن حسين.
ويشير حسين إلى أن مسألة دقة أعداد الضحايا صعبة، لأن الأهالي ينقطعون عن الإنترنت بين الحين والآخر. ولكن أستطيع القول، والحديث للمصدر ذاته، إن مجموعة السلم الأهلي بحمص قامت بتوثيق 15 ضحية في بلدة فاحل، و13 ضحية في القرى الأخرى بريف حمص الغربي، وذلك خلال حملة اليومين الماضيين.
كما أن هناك ضحايا في حمص، حيث قضى شخصان، بعد خطفهما، وقد خطف واحد منهم في منتصف حمص، منطقة الدبلان، والثاني خطف من منزله بعد تلقي اتصال هاتفي له. وبالتالي السلطات لديها القدرة على معرفة من اتصل به واستدرجه خارج المنزل وخطفه قسرا، طبقا لحديث يامن حسين لـ”الحل نت”.
ونوّه حسين إلى أن فريق “مجموعة السلم الأهلي بحمص”، صغير، وبالتالي “لا نستطيع توثيق كل الانتهاكات والتجاوزات التي تحدث في حمص، فنحن فريق صغير وتطوعي، وبالتالي عملنا بطيء، حيث أننا لا ننشر البيانات إلا بعد التحقق والتوثيق أكثر من مرة”.
نقص في كوادر “الهيئة”
الناشط السياسي علي ملحم، يشير إلى خطورة ما يحدث حاليا في حمص، وعليه يجب على السلطات بدمشق التحرك، وإلا فإن الأمور ستتطور إلى مسارات أكثر سلبية وقتامة، فقال: “بالمقارنة مع بداية عمليات التمشيط في العديد من أحياء حمص، فمن الواضح أن الأمور تتجه نحو الأسوأ من ذي قبل، فثمة تصاعد في معدل العنف والقتل خارج نطاق القانون”.
وبحسب ملحم، يمكن وصف الوضع الحالي بأنه “كرة ثلج تتدحرج”، وبالتالي يجب إيقافه ووضع حد لهذه الفوضى، خاصة بعد انتقال عمليات التمشيط إلى مناطق أخرى، مثل قرى سهل الغاب والساحل السوري، وهي مناطق تحتوي على أعداد كبيرة من الضباط السابقين وعناصر النظام السوري السابق، وبالتالي ستكون هناك مشاكل أكبر وأكثر مما حدث في حمص، ورغم صعوبة التنبؤ بالمستقبل، لكن هذا تقدير بناء على المعطيات الحالية.
أما في تقدير الكاتب والناشط يامن حسين لـ”الحل نت”، فهناك حالة فلتان أمني بالبلاد، ومن الواضح أن السلطة في دمشق لا تملك القدرة على السيطرة على عناصرها أو الفصائل المتحالفة معها أو المنضوية تحت اسمها، ولذلك فهي لا تريد الصدام معهم، وبالتالي قامت بإجراء دورات تدريبية لفترة قصيرة لإخراج دفعات جديدة من عناصر “الأمن العام”. وبرأيي حسين، فإن “هذا أمر خطير، باعتبار أن دورة الـ 30 يوما هي فترة زمنية قصيرة لا تكفي للتحقق من خلفياتهم، فضلا عن أنها لن تؤدي إلى إخراج عناصر أمن أو شرطة تتمتع بالكفاءة المهنية والأخلاقية المطلوبة.

كما هناك نقطة مهمة، إنه في حال كانت هذه الفصائل المحلية أو المجموعات التي تعرف عن نفسها أنها تابع لـ”الهيئة” وهي ربما لا تكون تابعة لـ”الهيئة”، فحقيقة الأمر أنها وفي كل الأحوال وواقعيا، تمر عبر حواجز “الهيئة”، بينما يبدو هذا الأمر مرعب ويؤشر إلى أنه لا يوجد سلطة، فهذه “سلطة أمراء الحرب والفصائلية”، يضيف حسين.
لذا، فإن مسألة تتبع الفصائل التي ترتكب الانتهاكات وما إذا كانت مرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام” أم لا، تبدو ضرورية، لكنها في النهاية “الهيئة” هي التي سيطرت على البلاد وهي المسؤولة أمام الشعب عن ضبط هذه الفصائل المسلحة، وحتى لو لم يكن لديها القدرة على الضبط، فهناك مطالب خرجت من عدة مناطق، من بينها مدينة حماة، وكانت بإعادة الشرطة المدنية والمرورية، لكن “الهيئة” رفضت. كما أنهم لا يقبلون مساعدة العشائر في ضبط الأمن في العديد من المناطق، وهو اقتراح آخر قوبل بالرفض.
إذاً، وبحسب أحد النشطاء السوريين، فإنه مع سيطرة “الهيئة” على سوريا، برزت مشاكل عديدة لم يأت على ذكرها من أحد، وربما يتم تجاهلها قصدا، وعلى ما يبدو أن “الهيئة” فعليا غير قادرة على إدارة كل المساحات التي سيطرت عليها، ليس بسبب عجزها وعدم مقدرتها إنما لغياب الإمكانيات اللازمة ومنها تحديدا الموارد البشرية، وهذا النقص الكبير في الكوادر يقابله في نفس الوقت رفض “الهيئة” مشاركة السوريين واختيار منهم المؤهل لهذه المهمة، وبالتالي، تفاقم رغبتهم في الانفراد بالسلطة والإدارة السياسية والأمنية المشكلات بتنوعاتها، وتتخطى الأمني إلى السياسي والمجتمعي كما الاقتصادي.
ويبدو من الضروري، العمل من خلال فتح الإدارة في دمشق لأبواب التطوع، لقوى الشرطة وغيرها، حتى ننهي مسألة تراكم الأخطاء الفردية وعدم جر سوريا لحرب أهلية.
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران
- 3 فجوات تخنق معيشة السوريين.. كيف عمّقت المحروقات الأزمة؟
- دمشق لطهران: سوريا لم تعد ساحة نفوذ لأي دولة
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟

