في ظل الوضع السوري المتأزم نتيجة فترة حكم النظام الأسدي المخلوع، وما خلفه بشار الأسد من نتائج كارثية إنسانية ومثلها سياسية ومجتمعية وعلى مستوى بنى وهياكل مؤسسات الدولة، واقتصادها، المتغلغل فيها الفساد والزبائنية السياسية، وقد بلغت مداها في سنوات الحرب بعد 2011، فإن الانفراجة المؤقتة التي أعقبت زوال “الأسد” ما تزال تواجهها عقبات عديدة، وتتمثل في طرح مشروع مكتمل لسوريا الجديدة وبما لا يعاكس رغبات السوريين. إذ إن قطاعات عديدة وواسعة من السوريين تتطلع إلى بناء توافقي في السياسات الوطنية، وعزل القوى كافة لا سيما الخارجية ووكلائهم المحليين، الأمر الذي يترتب عليه حتما، إعادة الاعتبار للمصالح السورية، وضمان حقوقها.
والمصالح السورية ترتكز على أساس ضرورة تفويت الفرصة أمام القوى الخارجية التي ساهمت في تأزيم وضع سوريا، وعزلها دوليا، وجعلها دولة غير طبيعية في محيطها الإقليمي وكذا في المجتمع الدولي، وتمثل تهديدا على الأمن الإقليمي والعالمي، ذلك ما حدث تحت وطأة التحالف الذي دشنه “الأسد” مع روسيا وإيران، بينما تحولت سوريا إلى نقطة يتم فيها هندسة مصالح الطرفين وفي مواجهة الغرب والولايات المتحدة.
تقارب بين دمشق وموسكو
ومع إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه من المقرر إجراء اتصالات رفيعة المستوى بين روسيا وسوريا الأسبوع المقبل، تعاود هذه الطروحات ملء حيز الأسئلة، وتثير هواجس عديدة حول المستقبل، ومدى قدرة السلطة في دمشق على الانفكاك من ميراث “الأسد” كلية، والانعطافة لوضع جديد مغاير، فالاتصالات المستمرة بين موسكو ودمشق على ما يبدو تؤشر إلى أن مسار المفاوضات يسير بشكل سيفضي إلى توافق بينهما، وهو ما يعني عكس رغبة الشارع السوري الذي يرفض إقامة أية علاقات مع الجانب الروسي، الذي ظل يدعم نظام بشار الأسد المخلوع لنحو 9 سنوات، وإدامة وتأزيم الأزمة السورية، بل وتسبب في جرائم عديدة من قتل المدنيين وهدم وتدمير البنية التحتية.

تصريح لافروف يدلل بأن حكومة دمشق الجديدة لن تنفك عن موسكو، ظنا منها أنها توازن في علاقاتها الدولية وبما يضمن المصلحة السورية وفق ما صرح به أحد وزراء الحكومة السورية المؤقتة. ولكن، واقع الحال، فإن استمرار الوجود الروسي في سوريا، أو بقاء العلاقات لن يؤدي سوى إلى عرقلة الحل السياسي الشامل، فضلا عن عدم استعادة العلاقات الطبيعية مع الغرب وواشنطن، وحتما استمرار العقوبات.
وقال لافروف، اليوم الأربعاء، في كلمة ألقاها في مجلس “الدوما”، بحسب ما نقلته “روسيا اليوم“: “خططنا لإجراء اتصالات أخرى رفيعة المستوى مع زملائنا السوريين الأسبوع المقبل”.
ووصف لافروف نتائج زيارة الوفد الروسي الأخيرة إلى سوريا بـ”الإيجابية”، معتبرا أن “دمشق تتفهم السياق التاريخي للعلاقات مع روسيا”، قائلا: “السلطات الجديدة في دمشق تؤكد علنا ضرورة احترام الطبيعة الاستراتيجية التاريخية لعلاقاتنا”.
وأردف: “المحادثة الأخيرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الإدارة الحالية في دمشق أحمد الشرع سبقتها زيارة وفد وزاري برئاسة الممثل الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف. جرت الزيارة قبل أيام من المحادثة الهاتفية بين بوتين والجانب السوري، ونتائجها كانت إيجابية للغاية”.
تجنيد السوريين كـ”مرتزقة”
فيما سبق “للمرصد السوري لحقوق الإنسان” وغيره من المنظمات الحقوقية، أن كشفت عن دور مشبوه للقوات الروسية في سوريا بتقديم إغراءات مالية للسوريين بغرض الانضمام والالتحاق للجيش الروسي في حربه ضد أوكرانيا، الأمر الذي يكشف عن ما هو أبعد من استهداف للسوريين إنما تشكيل مراكز قوى في صفوف قادة النظام الأسدي من العسكريين والعمل لحساب موسكو، حيث إن المصادر الحقوقية أوضحت التدريب والتجنيد تضمن عناصر من الفرقة 25، وقد كان يرأسها اللواء سهيل الحسن.
وعليه، يتخوف السوريون من استمرار هذه السياسات الوصائية لروسيا، لا سيما مع محاولات الأخيرة المستمرة والمحمومة في التقارب مع السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، والتي تخفي رغبة مستترة في الحفاظ على امتيازاتهم الأمنية والعسكرية لحماية مصالحهم الاقتصادية بسوريا وعلى سواحل المتوسط، بما يباعد بين دمشق وحلحلة الجمود مع الغرب وواشنطن بخاصة في ملف العقوبات.
هذا فضلا عن تبديد الشواغل المختلفة، الأمنية والحقوقية وإدارة ملف السياسة الخارجية، بداية من سياسة الإقصاء والتهميش والوضع الحقوقي للأقليات والقوميات المختلفة، وحتى التحالفات الإقليمية والدولية.
“الاحتفاظ بوجود محدود”
موسكو التي شاركت في قمع ثورة السوريين ضد نظام بشار الأسد المخلوع، وساهمت في إطالة أمد الصراع، فضلا عن دورها في تفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية بسوريا، توشك على إبرام اتفاق مع الحكام الجدد في دمشق بشأن وجودها العسكري في البلاد، بحسب تقرير أميركي حديث.
وأفاد تقرير لصحيفة “بلومبرغ” الأميركية، يوم الاثنين الفائت، بأن موسكو تعتزم الحفاظ على وجود عسكري محدود في سوريا، وهو هدف استراتيجي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بينما يرفضه السوريون بشدة، إذ يجدون أن موسكو هي سبب المأساة السورية المستمرة منذ نحو 13 عاما.

وقالت مصادر مطلعة طلبت عدم الكشف عن هويتها لأنها غير مخولة بالحديث علنا، لوكالة “بلومبرغ“، إن موسكو على وشك التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية الجديدة، يسمح لها بالاحتفاظ ببعض طاقمها والمعدات العسكرية في سوريا.
وأشار أحد الأشخاص للوكالة الأميركية إلى أن موسكو تأمل في الاحتفاظ بنفس القواعد البحرية (ميناء طرطوس) والجوية (قاعدة حميميم باللاذقية).
ورأى أحد المصادر للوكالة الأميركية أن موسكو يمكن أن تساعد في القتال ضد تنظيم “داعش” الإرهابي الذي ينشط في شرق سوريا. لكن روسيا فشلت في محاربة “داعش” طوال السنوات الماضية، رغم أنها نفذت العديد من الغارات الجوية على مواقع التنظيم بالبادية السورية، بالإضافة إلى تدريب قوات خاصة للقضاء على “داعش”.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

