أفادت تقارير عبرية يوم السبت الماضي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أرسل سكرتيره العسكري إلى موسكو لبحث ضمان بقاء روسيا في سوريا على حساب تركيا، وهو ما أُعلن عنه بشكل واضح ودون مواربة. 

يأتي ذلك بالتزامن مع التحركات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا، مما يرسم صورة كاملة مع الخبر السابق ويؤكد أن نتنياهو قد اعتزم “فتح الحساب” مع تركيا؛ ربما لدعمها حركة “حماس” طوال الحرب، أو لأن مسألة الوجود التركي في سوريا تُعدّ تهديدًا جديدًا لإسرائيل بعد إيران. فكيف يمكن فك طلاسم هذا المشهد؟

الحساب المفتوح مع تركيا

منذ بداية الحرب في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أظهرت تركيا دعمًا واضحًا لحركة “حماس”، كما سعى أردوغان للتوسط في الحرب رغبةً منه في لعب دور إقليمي، مستغلاً بذلك مصالحه مع إسرائيل وعلاقته العميقة مع حركة “حماس”. إلا أنه سرعان ما اتضح أنه غير قادر على لعب هذا الدور، مما دفعه إلى زيادة حدة انتقاداته لإسرائيل.

قافلة عسكرية تركية في سوريا
قافلة عسكرية تركية في سوريا – أ ب

ليس هذا فحسب، بل إن ما يجري الآن في سوريا يعد أهم بالنسبة لإسرائيل من انتقادات أردوغان وتصريحاته الساخنة حول الحرب في غزة. ففي أوائل شباط/فبراير الماضي، بعد اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس التركي أردوغان، تم التوصل إلى اتفاق يُقيم لتركيا قواعد لسلاح الجو على الأراضي السورية، وتستخدم المجال الجوي السوري لأهداف عسكرية، فضلاً عن تأهيل قوات الجيش السوري الجديد على يد عناصر من الجيش التركي، وفقًا لما ورد.

وقد دفع ذلك إسرائيل إلى الرد المباشر؛ إذ حذر نتنياهو في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مع الإشارة الواضحة إلى تركيا، قائلاً: “إذا كان هناك من يعتقد اليوم أن إسرائيل ستسمح لقوات معادية أخرى باستخدام سوريا كقاعدة للعمل ضدنا، فهو مخطئ جدًا”.

وقبل أسبوع، طالب نتنياهو بجعل “جنوب سوريا منزوع السلاح بالكامل”، مؤكدًا أن الدولة العبرية لن تسمح للسلطة السورية الجديدة بالانتشار جنوب العاصمة دمشق. وفي خطاب ألقاه أمام دفعة جديدة من الضباط في حولون جنوب تل أبيب، أكد نتنياهو: “لن نسمح لقوات تنظيم (هيئة تحرير الشام) أو للجيش السوري الجديد بدخول المنطقة جنوب دمشق”، وتابع قائلاً: “نطالب بنزع السلاح الكامل في الجنوب السوري”.

ولم يخفِ أردوغان تطلعاته؛ فقد أعلن في 29 تموز/يوليو 2024 خلال مؤتمر حزب “العدالة والتنمية”، “مثلما دخلنا إلى كاراباخ وليبيا، سنفعل الأمر عينه مع إسرائيل”، وهو ما أُخذ في إسرائيل بعين الاعتبار.

إن هذه التصريحات، إلى جانب دعم “حماس” والتحركات العسكرية التركية في سوريا، تعزز مخاوف إسرائيل من أن تسعى أنقرة لاستغلال القضية الفلسطينية لإضفاء الشرعية على توسعها الإقليمي.

النفوذ التركي في سوريا

الساحة التي كانت تسيطر عليها ميليشيات مدعومة من إيران، تشهد اليوم بروز قوات جديدة من تنظيمات تسيطر عليها تركيا وتدعمها. ويرى البعض أن هذه القوات تدفع بميزان القوى الإقليمي نحو مستقبل غير واضح، وقد يشكل ذلك خطرًا أكبر بالنسبة لإسرائيل من الخطر الإيراني؛ وهو ما طرحه المحلل روني شكيد في مقال له بصحيفة “يديعوت أحرونوت”.

فكلما تصاعد النفوذ التركي في سوريا وتعززت أنقرة علاقاتها مع التيارات الإسلامية، تزداد المخاوف في إسرائيل، كما أعلن تقرير صادر عن لجنة يعقوب نيجل – المسؤولة عن ميزانية الدولة – في كانون الثاني/يناير الماضي أن “التطلعات التركية إلى استعادة مجد السلطنة العثمانية” تشكل تحديًا أمنيًا متناميًا بالنسبة لإسرائيل. 

وبحسب التقرير، فإن استبدال نظام الأسد بنظام متطرف معادٍ لإسرائيل يمكن أن يشكل تهديدًا أكبر من التهديد الإيراني.

الباحث في العلاقات الدولية، رمضان الشافعي غيث، ذكر لـ”الحل نت”: أن “إسرائيل تستغل الأوضاع السورية بفرض واقع على الأرض، بتصعيد عسكري وسياسي منذ سقوط نظام بشار الأسد، متذرعةً بحماية الأمن القومي وأخرى بحماية الدروز في الجنوب السوري، في وقت يتنامى فيه النفوذ التركي مع وصول السلطة الجديدة في دمشق، الحليفة لأنقرة”. 

ويبدو بحسب غيث، أن تركيا وإسرائيل يستغلان مرحلة إعادة بناء الدولة السورية كما حدث سابقًا أثناء الثورة؛ إذ لا تريد إسرائيل أن تُستبدل إيران بتركيا، ولا تؤمن للسلطة السورية الجديدة كما تتقارب مع الأكراد في شمال شرق سوريا، الذين تُعتبرهم أنقرة أعداء لها، مع تنفيذ عمليات عسكرية ضدهم.

وأضاف غيث: “على الرغم من التنافس الإقليمي على سوريا، قد لا نشهد أزمة حادة بين أنقرة وتل أبيب، خاصةً مع عامل حسم الولايات المتحدة الذي يمنع أي مواجهة سياسية ودبلوماسية مباشرة بينهما”.

تحركات إسرائيل في سوريا وترتيباتها مع روسيا

تتحرك إسرائيل في سوريا في مختلف الاتجاهات؛ سواءً المدنية أو الاستراتيجية أو العسكرية أو الدبلوماسية. فقد شنت الطائرات الإسرائيلية غارات على سوريا مؤخرًا، تزامنت مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد: “كل محاولة لقوات النظام السوري بشأن التمركز في جنوب سوريا ستُرد عليها بالنار”.

لاجئون سوريين يغادرون الأردن من معبر جابر الحدودي مع سوريا – إرم نيوز

كما أصدر ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية بيانًا يوم السبت الماضي هدد فيه باستهداف الأراضي السورية في حال تعرض الدروز في مدينة جرمانا، جنوبي دمشق، لأي اعتداء؛ وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي سيضرب السلطات السورية إذا مسست الدروز، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح للنظام الإسلامي المتطرف بمس الدروز. 

وجاء هذا البيان في وقت تشنّ فيه قوات الأمن السورية حملة أمنية في محيط جرمانا إثر مقتل أحد عناصرها برصاص مسلحين، ما يُفسّر بأنه رسالة واضحة للنظام السوري بالاستعداد للتدخل الإسرائيلي حال تعرض الدروز لهجوم، وهو ما رأى بعض المراقبين أنه قد يكون ذريعة لتوسيع التوغل العسكري الإسرائيلي في سوريا.

أما على الصعيد المدني، فقد نشرت تقارير عبرية عن “الخطة الإسرائيلية” لجلب مواطنين سوريين من الدروز؛ حيث أكد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل تدرس دخول العمال الدروز إلى إسرائيل لأغراض العمل، ما يُفسّر بأنه يهدف إلى استيعاب سكان القرى القريبة من الحدود، ثم توسيع دائرة الاستيعاب ليشمل مناطق أبعد، في ظل احتمالية عملهم في الزراعة على الجانب الغربي من مرتفعات الجولان. وقد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لتعزيز الروابط بين إسرائيل والدروز في سوريا، مما قد يقربهم من إسرائيل لاحقًا.

على الصعيد الدبلوماسي، يتفاءل بعض الأميركيين بإمكانية انضمام سوريا ولبنان إلى اتفاقيات أبراهام؛ إذ يعتقد المسؤولون الأميركيون أن سوريا ولبنان جاهزتان للانتقال إلى علاقات سلام مع إسرائيل. وقد أوضح الأميركيون للحكومة اللبنانية الجديدة توقعاتهم بتحركها نحو إعلان انتهاء حالة الحرب مع إسرائيل والتخلي عن العلاقات العدائية، ونقلوا رسائل مماثلة إلى الحكومة السورية الجديدة، مؤكدين أن التخلي عن نهج بشار الأسد والانفصال عن “محور المقاومة” قد يفتح آفاقًا جديدة حتى وإن لم يكن التطبيع الكامل قائمًا بعد، بعد أن يقوم به السعوديون.

أما عن الترتيبات الإسرائيلية مع روسيا، فقد كشف المحلل العسكري يوسي يهوشوع مساء السبت الماضي أن الجنرال رومان جوفمان، السكرتير العسكري لنتنياهو، عقد سلسلة من اللقاءات السرية في موسكو مع كبار المسؤولين الروس، حيث ناقشوا مستقبل الملف السوري. في تلك اللقاءات، طلب جوفمان من المسؤولين السياسيين والعسكريين في روسيا البقاء في سوريا بدلاً من تركها للأتراك، وذلك في ظل التقارب بين الرئيس التركي أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع والاتفاق على إنشاء قواعد عسكرية تركية، مما يؤثر على حرية العمل الإسرائيلية في المنطقة.

ويبدو أن نتنياهو اختار الروس ليكونوا شركاء في المهمة ضد تركيا، لأسباب عدة: أولًا، ليس جديدًا أن يكون هناك تنسيق أمني بين الروس وإسرائيل حول سوريا، إذ منحت روسيا حينذاك إسرائيل حرية عمل لاستهداف شحنات الأسلحة الموجهة آنذاك إلى لبنان وسوريا من إيران؛ ثانيًا، تتيح العلاقة الهادئة بين ترامب وبوتين لنتنياهو التفاوض مع الروس دون مخاوف من خلاف مع واشنطن؛ ثالثًا، هناك اتفاق مصالح مشترك بين إسرائيل وروسيا حول تهديد النفوذ التركي في سوريا، مما يمهد للتعاون المستقبلي لتجحيم الأتراك دون الإخلال بمصالح الطرفين.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة