تعيين المتشددين والأجانب على رأس الجيش.. هل يبتلع التطرف الدولة السورية؟

في خضم التحولات الدراماتيكية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، ومع التركيز الدولي على ملف المقاتلين الأجانب وسبل دمجهم في نسيج الدولة، برز قرار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بتشكيل الجيش السوري الجديد كخطوة محورية نحو بناء مستقبل البلاد.

إلا أن هذه الخطوة، التي تهدف ظاهريًا إلى توحيد الصفوف وإنهاء حالة الفصائلية، تحمل في طياتها بذور أزمة عميقة تهدد بتقويض الاستقرار المنشود، وذلك عبر سلسلة من التعيينات القيادية المثيرة للجدل والتي شملت شخصيات أجنبية ذات سجلات ملطخة وتاريخ في صفوف التنظيمات المتشددة.

الجيش السوري الجديد: نواة متطرفة برعاية رسمية؟

في خطوة فاجأت الأوساط المحلية والدولية، عمد الشرع، فور تسلمه السلطة، إلى منح رتب عسكرية لنحو 55 شخصية، كان من بينهم عدد لافت من المقاتلين الأجانب. هذا الإجراء، الذي تم تبريره رسميًا بأنه ضروري لتأسيس نواة الجيش الجديد، كشف عن قائمة أسماء تثير قلقًا بالغًا، حيث ضمت أفرادًا مصنفين على قوائم الإرهاب الدولية، أو متهمين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان.

من بين هذه الأسماء البارزة، نجد الألباني عبدل بشاري، قائد “جماعة الألبان” الناشطة في شمال غرب سوريا، والتركي عمر محمد جفتشي، والمصري علاء محمد عبد الباقي المطلوب للقضاء المصري بتهم تتعلق بالإرهاب، والأويغوري عبد العزيز داوود خدابردي الذي كانت تربطه صلات بـ “تنظيم القاعدة”.

ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، بل شمل أيضًا شخصيات أخرى مثل الطاجيكستاني مولان ترسون عبد الصمد، والأردني عبد الرحمن حسين الخطيب، الذي مُنح رتبة عميد، وصولًا إلى “ذو القرنين” زنور البصر عبد الحميد، قائد “جيش المهاجرين والأنصار”.

هذه التعيينات، التي قوبلت بصمت حذر من بعض الأطراف الإقليمية، أثارت عاصفة من الانتقادات الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة التي اشترطت على الشرع إبعاد المتشددين كجزء من حزمة شروط للانفتاح على حكومته، فكيف يمكن لدولة تسعى للاعتراف الدولي أن تضع في صلب جيشها شخصيات تحمل هذا الماضي المثير؟

الأمر لم يتوقف عند المقاتلين الأجانب، بل امتد ليشمل شخصيات سورية محلية تحمل سجلات سوداء من الانتهاكات والجرائم، فتسليم محمد جاسم “أبو عمشة”، قائد فصيل “السلطان سليمان شاه”، قيادة “الفرقة 25” بعد منحه رتبة عميد، يمثل صفعة لضحايا جرائمه في عفرين والساحل السوري.

وبالمثل، فإن تعيين سيف الدين بولاد “سيف أبو بكر”، قائد “فرقة الحمزات” المدرجة على لوائح العقوبات الأميركية، قائدًا لـ “الفرقة 76″، وفهيم عيسى، قائد “فرقة السلطان مراد” المقرب من الاستخبارات التركية، نائبًا لوزير الدفاع وقائدًا للمنطقة الشمالية، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا الجيش الوليد وولاءاته.

مقامرة الجيش الجديد.. من التوحيد إلى التفتيت!

تولي مثل هذه الشخصيات لمناصب قيادية حساسة في الجيش السوري الناشئ، يحمل في طياته مخاطر جمة على مستقبل الدولة واستقرارها، فهذا الإجراء يقوض أولًا، أي مصداقية للجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، بل يرسل رسالة مقلقة مفادها أن الجماعات المتشددة قد تجد ملاذًا آمنًا ورعاية رسمية تحت عباءة الجيش السوري الناشئ.

ثانيًا، يزيد من تعقيد العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، خاصة تلك التي عانت من ويلات هذه التنظيمات، فكيف يمكن لواشنطن، على سبيل المثال، أن تتعامل بجدية مع حكومة تحتضن شخصيات تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي ومصالحها؟ وكيف ستنظر الدول المجاورة، وأبرزها العراق، إلى جيش يقوده أفراد متهمون بدعم الإرهاب أو ارتكاب جرائم حرب؟

رابعًا، يثير هذا التوجه تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين هذا الجيش والكرد، خاصة بعد تعيين أحمد الهايس “أبو حاتم شقرا”، المعروف بعدائه الشديد لـ “قسد”، في منصب قيادي في المنطقة الشرقية، فهذا التعيين يتناقض بشكل صارخ مع مساعي الشرع المعلنة لضم القوات الكردية إلى الجيش الجديد، ويضع علامات استفهام كبيرة حول جدية هذه المساعي.

أخيرًا، فإن قرار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بدمج هذه العناصر المثيرة للجدل في الجيش السوري الناشئ، يبدو وكأنه مقامرة محفوفة بالمخاطر، فبدلًا من أن يكون هذا الجيش أداة لتوحيد البلاد وضمان استقرارها، قد يتحول إلى بؤرة توتر جديدة وعاملًا معرقلًا لأي تسوية سياسية مستقبلية.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم