تطبيع أم هدنة .. ماذا يدور في الكواليس بين إسرائيل والعراق؟

تطبيع أم هدنة .. ماذا يدور في الكواليس بين إسرائيل والعراق؟

في ظل التطورات الفوضوية في الشرق الأوسط، تبرز جهود في المنطقة تركز على الاحتواء التكتيكي والهدن المؤقتة والدبلوماسية التبادلية، وليس الخطط طويلة المدى، وهو في ظل وجود مجموعة من المصالح المتشابكة، فإنه لا شيء بات مستبعدا. 

في إطار تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورغبته في عقد كل الصفقات الممكنة، برزت مؤخراً فكرة التطبيع بين إسرائيل والعراق.. فإلى أي مدى يمكن تحققها؟ وما الذي يدور في الكواليس؟ 

صفقة تبادل السجناء

في الأيام الأخيرة، برز ملف المفاوضات لإطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيث تسوركوف، التي اختُطفت في العراق قبل عامين، وذلك بعد أن وصلت المفاوضات إلى مراحل متقدمة. وبحسب مسؤولين عراقيين فإن جهودا جادة تُبذل لإطلاق سراح “تسوركوف”، وردا على التقارير، صرّح مسؤول إسرائيلي لموقع “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلي بأن الجهود جارية لتحرير تسوركوف، وأن إسرائيل طلبت المساعدة من الولايات المتحدة ودول أخرى” في هذا الشأن.

الأكاديمية الإسرائيلية – الروسية إليزابيث تسوركوف بإسطنبول في أيار/مايو 2017 (أ.ف.ب)

بحسب مصادر أمنية، فإن بغداد تعمل على صفقة لإطلاق سراح “تسوركوف” مقابل إطلاق سراح محمد رضا نوري العضو في “الحرس الثوري الإيراني”، المسجون بتهمة قتل مدني أميركي ستيفن إدوارد ترويل، وهو مدرس أميركي قُتل بالرصاص في بغداد في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، في هجوم نادر للغاية يُعتقد أن عملاء مدعومين من إيران نفذوه. 

فيما نُشرت تفاصيل أخرى، حول إنه في مقابل إطلاق سراح “تسوركوف”، من المتوقع إطلاق سراح ستة أعضاء من “حزب الله” اللبناني وضابط بحري لبناني أسرتهم القوات الإسرائيلية، وفقًا لمصادر أمنية عربية لموقع “أمواج ميديا“. 

ترى التقديرات، أن تلك المفاوضات تفتح الباب لما هو أكبر، فمن ناحية، ستُشكّل حلّ قضيتي نوري و تسوركوف راحةً كبيرةً لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي يسعى لإعادة انتخابه في وقت لاحق من هذا العام، ومن ناحية أخرى، تعكس وجود مفاوضات اتفاقيات سرية بين الولايات المتحدة والعراق.

وتأتي هذه الاتفاقيات عقب جهود رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني “لتخفيف الضغوط الدولية” وزيارة سرية لمسؤول دفاعي عراقي إلى واشنطن، مما يعزز من توطيد العلاقات مع واشنطن، بحسب ما ذكر موقع “واي نت” الإسرائيلي. 

كما تظهر تلك المفاوضات التزام الحكومة العراقية بالتعاون مع المجتمع الدولي، وهو ما يمكن تفسيره بأن الحكومة العراقية تريد أن تُظهر قدرتها على تحقيق التوازن في العلاقات بين طهران وواشنطن. 

الحديث عن التطبيع

بالتزامن مع تلك التطورات، وفي مقابلة أجريت مع الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا في أبو ظبي، وهو شخصية بارزة في المجتمع الدرزي في إسرائيل، كشف أن الممثل الإسرائيلي غير الرسمي في الإمارات العربية المتحدة استقبل وفداً من العراق، إلى جانب وفود أخرى من الدروز في سوريا، والأقليات في لبنان، ودول أخرى لم يذكرها، وذلك في إطار مبادرة “جسر السلام الاقتصادي”، والتي أُطلقت بالتعاون مع أميركيين وأوروبيين لمواصلة زخم “اتفاقيات إبراهيم”، بحسب “جيروزاليم بوست”.

الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا – انترنت

وقال قرا: “في العراق يريدون علاقات مع إسرائيل، ولا يريدون وجود إيران على أراضيهم، ويضغطون عليّ لدفع الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي لإخراج إيران من العراق”، مؤكداً أن الأكراد والسنة والشيعة يريدون علاقة وثيقة مع إسرائيل، بل إن بعضهم يطالب بذلك علنا، ليس فقط من خلال اتصالات سرية خلف الكواليس مع ممثلين إسرائيليين. 

“عندما نجحت إسرائيل في محاربة إيران، فإنها أضعفت نفوذها في العراق أيضًا. واليوم، يسعى العراقيون أيضا للانضمام إلى نادي الدول المتحررة من النفوذ الإيراني، مثل لبنان وسوريا”. 

وأشار إلى أن البرلمان العراقي صوّت في أيار/مايو 2022 على توسيع نطاق تجريم أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، مهددا أسوأ المخالفين بالسجن المؤبد أو الإعدام، بينما شهدت بغداد في أيلول/سبتمبر 2021 إدانة واسعة النطاق لمنتدى نادر دعا إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل في أربيل، نظّمه مركز “اتصالات السلام” في نيويورك. وشارك في هذا التجمع نحو 300 عراقي، من بينهم زعماء عشائر سنّة وشيعية. 

الهجمات على إسرائيل

لفهم أكبر فرص التطبيع، علينا العودة شهوراً إلى الوراء، وفهم استراتيجية العراق حيال الحرب في غزة، حيث كان واضحاً أن العراق لا تريد أن تتورط مع إسرائيل، ففي 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وجّه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، أعرب فيها عن قلقه إزاء تزايد هجمات الميليشيات المدعومة من إيران في العراق. 

إذ حمّلت الرسالة الحكومة العراقية مسؤولية هذه الهجمات، وأكدت على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إذا لم تكن بغداد راغبة أو قادرة على السيطرة على الجماعات المسلحة التي تطلق طائرات مسيرة وصواريخ كروز من أراضيها، وبعد رسالة “ساعر” أو ربما قبلها أيضاً، كان هناك انخفاضاً ملحوظاً من هجمات الميليشيات العراقية على إسرائيل. 

وبحسب دراسة لمركز “واشنطن” فإن المقاتلين العراقيين يشعرون بالرعب، من أن توجه إسرائيل أنظارها الاستخباراتية إليهم بنفس الطريقة التي ركزت بها على الجماعات الفلسطينية و”حزب الله” اللبناني، كما أن تهدئة الهجمات على إسرائيل ربما جاءت بموافقة إيرانية منعاً للتصعيد، ولكن هذه المؤشرات ليست كافية بعد للتأكيد على رغبة العراق في التطبيع. 

مصلحة عراقية؟

التحركات في المنطقة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تثمن توسيع اتفاقات “أبراهام”، كما يهدف الرئيس الأميركي إلى احتواء تداعيات حرب “حماس” وإسرائيل والتصعيد الأوسع الذي شمل “حزب الله” اللبناني وجماعات أخرى متحالفة مع ما يُعرف بـ “محور المقاومة” بقيادة إيران، وهو ما يفسر ذلك الاتفاق الأخير الذي أبرمته إدارة ترامب مؤخرا مع “الحوثيين” في اليمن، الأمر الذي عكس نهجا أمريكيا متطورا: نهجًا يُعطي الأولوية لخفض التصعيد والاستقرار واحتواء الأضرار على حساب التسويات السياسية الشاملة، وهو ما يعني أن واشنطن، ستبذل جهداً لإدخال العراق في اتفاقيات “ابراهام”. 

أما إسرائيل، فلديها ما تقدمه للعراق، فهي تمتلك تقنيات دفاعية متطورة أثبتت كفاءتها، ويمكن لهذه التقنيات أن تساعد في حماية العراق. كما أن المطلب الأهم للعراق هو دعم إسرائيل في التأثير على الولايات المتحدة من أجل العراق، وهو ما كشفه الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا، عن مطالب الوفد العراقي أثناء لقائه، مشيراً إلى أنهم طالبوا إسرائيل أن تحشد جهودها ضد إيران للحد من التهديد، ليس فقط على إسرائيل، بل على العراق أيضا.

كما أن هناك مشروعاً قد يفيد العراق جراء التطبيع مع إسرائيل، وهو مشروع تصدير النفط عبر البحر الأحمر، متجاوزا مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو مشروع متعثر منذ فترة طويلة. ويتمحور المشروع حول خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام من مدينة البصرة جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني، وصولا إلى الأسواق العالمية عبر قناة السويس. 

ما فرص التطبيع؟

بحسب دراسة لـ يارون شنايدر المنشورة في “معهد الأمن القومي”، فإنه بالنظر إلى خصائص الحكومة الحالية في العراق، فإن فرصة عملية التطبيع ضئيلة، وفرص التحالف العراقي الإسرائيلي، على غرار “اتفاقات أبراهام”، منخفض للغاية، ولكن ماتزال هناك فرص، لأن الأغلبية الشيعية في العراق منفتحة على مجرد إمكانية التطبيع مع إسرائيل، كما ترتبط المجموعة الكردية في شمال العراق بعلاقات سرية مع إسرائيل (وحتى مع الموساد الإسرائيلي).

جلسة للحكومة العراقية – انترنت

وأضافت الدراسة أن القيادات الكردية والسنية، تسعى إلى الاستقلال والانفصال عن المحور الإيراني في مجال العلاقات الخارجية، لتحسين وضع العراق الدولي وحتى النظر في المشاركة في التحالف الإقليمي، الذي أنشأته الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، نظراً لكون العراق أحد الدول المضيفة للقوات الأميركية في المنطقة. 

وأشارت الدراسة إلى أن الفرصة الحقيقية تكمن مع السعودية، فعلى المستوى الإقليمي، عملت العراق خلال العقد الماضي على تعزيز علاقاتها مع العالم العربي، مع التركيز على: على المملكة العربية السعودية. وأصبحت تستهدف تحسين العلاقات الدبلوماسية وتخفيف التوترات في العلاقات بين البلدين؛ فتطوير العلاقات الاقتصادية بين العراق والسعودية، فضلاً عن إمكانية زيادة نطاق التجارة الإقليمية في ظل التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي قد يفتح مسارات جديدة وحافزا للحكومة العراقية التي قد يساهم التطبيع في تحقيق بفوائد اقتصادية غير مباشرة على العراق. 

ولكن ما يزال هناك آراء مختلفة في العراق، فيما يتعلق بإسرائيل والتطبيع، وهذا يختلف باختلاف التيارات السياسية وتوجهاتها، وبطبيعة الحال بحسب علاقتهم مع إيران. 

“فرص التطبيع بين العراق وإسرائيل تبدو محدودة للغاية في الوقت الحالي وفي ظل وجود هذا النظام السياسي في العراق، وذلك لعدة أسباب سياسية واجتماعية وإقليمية معقدة”.

كميل البوشوكه، الباحث في معهد الحوار للدراسات يتفق مع الدراسة 

 وأشار في حديث لـ “الحل نت” إلى أنه يوجد نوعاً ما إجماع بين مختلف الطوائف العراقية (الشيعة، السنة) على رفض التطبيع مع إسرائيل، حيث يُنظر إليه كتهديد لأسباب تتعلق بالأمن القومي وإلى أسباب الدينية”، وأوضح أن النظام السياسي العراقي الحالي (بعد 2003) يخضع لنفوذ إيراني كبير، خاصة عبر الأحزاب الشيعية والميليشيات الموالية لطهران مثل الحشد الشعبي، وهو ما من أي محاولات لبناء سياسة خارجية مستقلة للعراق، حيث ترسم إيران الخطوط العريضة للسياسة الخارجية العراقية في هذا الصدد. 

وأردف البوشوكه أن العراق لديه تاريخ طويل من العداء لإسرائيل، يرجع إلى الصراع العربي-الإسرائيلي والدور القومي العربي في العراق لدعم القضية الفلسطينية بالأخص في فترة “حزب البعث” بين عامي 1968 و2003 و”هذه الثقافة أثّرت بشكل كبير على النهج الثقافي الشعبي”.

حول العلاقات مع السعودية، وتأثرها حال نجاح التطبيع، علق البوشوكه أن السعودية تركز على تطوير البنية التحتية في العراق ودعم دور العراق العربي في مجال السياسة والاستقرار الإقليمي. لذا لا أرى أن السعودية لديها مشروع لدعم التطبيع مع إسرائيل لأن السعودية ترى تواصلها مع الشعب العراقي هو أهم خطة في الوقت الراهن لذا لا تتدخل إطلاقا في أي نوع علاقات بين العراق وإسرائيل.   

كما أن السعودية نفسها لم تُطبّع رسمياً مع إسرائيل، مما يجعل تأثيرها في هذا المجال في العراق في العلاقات الاقتصادية والسياسية. واختتم حديثه بأن العراق حاليا يُعتبر جزءا من المشروع الاستراتيجي الإيراني لتوسيع النفوذ في المنطقة، وقد تلعب المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة دورا في تحديد ما إذا كان العراق سيدخل في مرحلة التطبيع أم لا؟

سارة شريف

سارة شريف

مُحللة شؤون خارجية وباحثة دكتوراه في الإعلام السياسي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم