تستعد سوريا لعودة الربط بنظام “سويفت” المالي العالمي بعد ما يقرب من عقد ونصف من العزلة المالية الناتجة عن تداعيات الحرب وتطبيق عقوبات دولية على نظام الأسد البائد.
تأتي تلك الخطوة استكمالًا لجملة من التطورات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة وانفتاح نظامها الجديد على العالم بعد أن رفعت العقوبات الأميركية والأوروبية عنها في آيار/ مايو الماضي.
موعد عودة الربط
من المتوقع أن يسهم إعادة الربط بالنظام المالي “سويفت” في تسهيل العمليات المالية والتجارية الدولية، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة الثقة في الاقتصاد السوري بالأسواق المالية العالمية، مما يدعم جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
وبحسب حاكم “مصرف سوريا المركزي”، عبد القادر حصرية، فإن سوريا تستعد لإعادة ربطها بنظام سويفت العالمي للمدفوعات خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة اعتبرها “محورية” لإنهاء العزلة المالية التي استمرت أكثر من عشر سنوات.

وأوضح حصرية، في مقابلة مع صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة لتعزيز مكانة سوريا كمركز مالي، وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، لكنه أشار إلى أن الطريق ما يزال طويلاً، ويتطلب تنفيذاً فعّالاً وخطوات مدروسة.
وبيّن أن هناك خطة بأن تُمرَّر جميع المعاملات التجارية الخارجية عبر القطاع المصرفي الرسمي، مما يُلغي دور الصرافين الذين كانوا يتقاضون 40 سنتًا عن كل دولار يدخل إلى سوريا، كاشفًا أن البنوك والبنك المركزي مُنِحوا رموز سويفت، وأن الخطوة المتبقية هي استئناف البنوك المراسلة معالجة التحويلات.
وأضاف أن الاستثمار الأجنبي سيُدعم أيضًا بالضمانات، وبينما يحظى القطاع المصرفي العام بدعم حكومي كامل، يسعى حصرية إلى إنشاء مؤسسة حكومية لضمان ودائع البنوك الخاصة.
فصل سوريا عن “سويفت” وتداعياته
تم فصل سوريا عن نظام “سويفت” في عام 2011 ضمن العقوبات الدولية الغربية التي فرضت على النظام السوري بعد اندلاع الثورة السورية، بسبب استخدام النظام للقوة العسكرية ضد المتظاهرين، ما أدى إلى عزلة مالية واقتصادية شديدة.
استخدمت القوى الدولية العقوبات المالية كأداة لعزل النظام السوري البائد، وتم بموجب تلك العقوبات منع البنوك السورية من تنفيذ التحويلات الخارجية، وتجميد الأصول السورية في الخارج، إضافة إلى منع المصارف الأجنبية من التعامل مع نظيراتها السورية، مما أدى إلى تعقيد العمليات المصرفية وزيادة الاعتماد على شبكات غير رسمية للتحويلات المالية.
كان لهذه الإجراءات تداعيات كارثية على الاقتصاد السوري، حيث تراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت كلفة المعاملات التجارية، وانخفضت مستويات الثقة في الجهاز المصرفي السوري، كما ازدهر السوق الموازي لتصريف العملة بعد أن اعتمد عليه السوريين لتصريف التحويلات المالية.
وهو ما عكسه تصريح سابق لحاكم “مصرف سوريا المركزي”، بأن البنك المركزي لم يكن لديه سابقاً أي وصول إلى النظام المالي العالمي، ولا علاقات مراسلة مصرفية لا بشكل مباشر ولا عبر المصارف السورية، مؤكدًا أن القطاع المالي السوري كان يعمل في عزلة شبه تامة.
ما هو نظام “سويفت”؟
أما اليوم، فالوضع مختلف، إذ بدأت سوريا، بحسب الحصرية، بالتواصل مع المؤسسات الخارجية لإعادة جدولة التزاماتها والوصول إلى ودائعها المجمدة في الخارج، مشيرًا إلى أن هذه الالتزامات لا تُصنَّف كديون خارجية تقليدية، بل هي في الغالب التزامات تجاه مؤسسات وصناديق تنموية تُدار ضمن إطار شراكات استراتيجية طويلة الأمد، لا سيما مع جهات مثل البنك الأوروبي للاستثمار والصناديق العربية.

نظام “سويفت” الذي ظهرت فكرته في أواخر الستينيات مع توسع التجارة العالمية، وبدأت نشاطه الفعلي عام 1977، هو شبكة مالية عالمية تأسست عام 1973 ومقرها في بلجيكا، تربط أكثر من 11 ألف بنك ومؤسسة مالية في أكثر من 200 دولة.
ويُستخدم هذا النظام لتبادل رسائل مالية فورية توضح مواعيد إرسال وتسلم المدفوعات، ويُرسل أكثر من 40 مليون رسالة يومياً، ما يتيح تداول تريليونات الدولارات بين الشركات والحكومات.
إنجاز كبير
تشكل عودة سوريا إلى “سويفت” أول إنجاز كبير في الإصلاحات التحريرية التي تنفذها الحكومة الجديدة للاقتصاد السوري ــ وإشارة إلى أن السلطات الجديدة تتحرك بسرعة لجذب التجارة والاستثمار الدوليين بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات الشهر الماضي، بحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” اطلع عليه “الحل نت”.
وقالت الصحيفة إن الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وضعت الخطوط العريضة لإصلاحات السوق الحرة في اقتصاد الأسد الخاضع لسيطرة مشددة، وتوقعت تطبيق مبدأ الشمولية والشفافية، مما ساعد على استقطاب المستثمرين الأجانب الذين كانوا في البداية حذرين من التعامل معها نظرًا لخلفيتها الجهادية.
واستفادت الإدارة السورية من الزخم الذي شهدته البلاد مؤخرًا، إضافة إلى الدفعة القوية التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي برفع عقوبات بلاده عن دمشق، وحصلت الحكومة في سوريا على دعم واسع النطاق من القوى العالمية الحريصة على استقرار البلاد، على الرغم من أعمال العنف المتقطعة التي شوّهت العملية الانتقالية.
ويُعدّ القطاع المصرفي أساسيًا لإعادة الإعمار، بعد أن انهار على نطاق واسع بسبب الحرب، والأزمة المالية التي شهدها لبنان عام ٢٠١٩، وسياسات نظام الأسد العقابية، لذا تسعى الحكومة الانتقالية إلى إنهاء إرث تدخل نظام الأسد، واستعادة القدرة على الإقراض، والشفافية، والثقة.
مكاسب العودة إلى “سويفت”
عن مكاسب العودة إلى نظام سويفت أكد حصرية أنها ستُسهم في تسهيل التجارة الخارجية وخفض تكاليف الاستيراد، إلى جانب تأمين العملات الأجنبية الضرورية، وتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال والحد من الاعتماد على الشبكات المالية غير الرسمية.
تشير عودة سوريا إلى نظام “سويفت” إلى تمكين البنوك المحلية من إرسال واستقبال الأموال من وإلى الخارج بشكل رسمي، ما قد يسهم في تسهيل حركة التجارة، وفتح الباب أمام الاستثمارات، وتحويل أموال المغتربين عبر القنوات النظامية.

ومن المتوقع أن يؤدي تسهيل التحويلات المالية عبر “سويفت” إلى تحسين قدرة الشركات السورية على استيراد المواد الخام والآلات اللازمة للإنتاج، وكذلك تصدير المنتجات إلى الأسواق العالمية، ما يخلق فرص عمل جديدة ويُسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
ولا يقتصر أثر الانضمام مجدداً إلى “سويفت” على الجانب الفني، بل يحمل دلالات رمزية تشير إلى انفتاح سوريا مجدداً على المجتمع المالي الدولي، ما يساعد على تبديد مخاوف المستثمرين والبنوك العالمية من التعامل مع الكيانات السورية في ظل العقوبات السابقة.
- هجوم “حوثي” على المقاطرة.. هل يٌهدد شريان تعز الأخير؟
- الاقتصاد يخنق الانتقال السوري.. تقرير أميركي يحذر من نفاد صبر الشارع
- عائلات بريف دمشق تناشد الكشف عن مصير أبنائها المعتقلين.. ما القصة؟
- أسوشيتد برس: مستشارون إيرانيون قادوا تقدم “الحوثيين” على الساحل
- “سويفت” في سوريا.. هل يصل أثر الانفتاح المالي إلى جيوب السوريين؟

