ربع مليون انتهاك في عهد محمد الشعار.. جرائم موثقة لوزير داخلية “الأسد”

كشفت شبكة حقوقية سورية، في تقرير حديث، عن تورط وزير الداخلية الأسبق في حكومة النظام السوري، اللواء محمد الشعار، بارتكاب نحو ربع مليون انتهاك خلال فترة توليه الوزارة، ما بين عامي 2011 و2018، في واحدة من أكثر الحقبات دموية في تاريخ سوريا الحديث. 

ووضع التقرير الحقوقي الذي أصدرته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، اليوم الأربعاء، الشعار على رأس قائمة المسؤولين الأمنيين المطلوبين للمحاسبة، مؤكدا أن الانتهاكات الموثقة تشمل الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وحتى القتل خارج حدود القضاء.

توثيق جرائم الشعار

ووثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقريرها الحديث، ما وصفته بـ”السجل الأسود” لمحمد الشعار، وزير الداخلية الأسبق في نظام بشار الأسد، مؤكدة أن الشعار يتحمّل مسؤولية مباشرة عن انتهاكات ترقى لجرائم ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم.

وزير الداخلية خلال عهد الأسد- “صفحة وزارة الداخلية”

وبحسب التقرير، فإن وزارة الداخلية تحت قيادة الشعار تورطت في ما يقارب ربع مليون انتهاك موثق، الأمر الذي يستوجب محاسبة قانونية حتمية وفق المعايير الدولية.

وطبقا للتقرير الحقوقي، فإن الشعار يعد من رموز الصف الأول في منظومة بشار الأسد القمعية، وكان مشرفا مباشرا على سياسات انتهجت القتل خارج حدود القانون، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب المنهجي، بما في ذلك قتل المعتقلين خلال حوادث الاستعصاء داخل السجون المدنية. 

إضافة إلى التواطؤ في الإعدامات غير القانونية. كما شاركت وزارة الداخلية، خلال قيادته لها، في العديد من عمليات التهجير القسري التي استهدفت مناطق حاصرتها قوات نظام الأسد لسنوات.

وسجّلت قاعدة بيانات “الشبكة السورية” الحقوقية ما لا يقل عن 256,364 انتهاكا ارتكبتها أجهزة وزارة الداخلية خلال فترة قيادة الشعار، دون أن يشمل الرقم ضحايا التهجير القسري أو أولئك الذين حُرموا من الوثائق الرسمية، أو آلاف المعتقلين الذين عانوا أوضاعا إنسانية بالغة القسوة داخل السجون.

وأشار التقرير إلى أن الشعار، الذي تولى وزارة الداخلية ما بين عامي 2011 و2018، لعب دورا محوريا في قمع انتفاضة السوريين، حيث شاركت وزارته في التنفيذ المباشر لأوامر المحاكم الاستثنائية، كمحكمة الميدان العسكرية ومحكمة قضايا الإرهاب، ما أدى إلى مصادرة ممتلكات المعارضين وحرمانهم من حقوقهم القانونية.

كما اتهم التقرير وزارة الشعار بالتورط في قمع حالات تمرد داخل السجون باستخدام الرصاص الحي، إلى جانب التلاعب بسجلات المختفين قسريا، وعرقلة حصول النازحين والمشردين قسرا على أوراقهم الثبوتية، وابتزازهم ماليا.

مسيرة أمنية حافلة بالقمع

وسلّط التقرير الضوء على المسيرة الأمنية للشعار، حيث شغل سابقا مناصب أمنية حساسة، منها رئاسة فروع الأمن العسكري في طرطوس، حماة، وحلب، إضافة إلى عمله مسؤولا أمنيا في مدينة طرابلس اللبنانية، وترؤسه لاحقا لفرع المنطقة 227 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، قبل أن يتولى قيادة الشرطة العسكرية، ثم وزارة الداخلية.

وأكدت الشبكة الحقوقية أن محمد الشعار يتحمّل مسؤولية شخصية وقانونية مباشرة عن آلاف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، داعية إلى محاسبته أمام القضاء الدولي، وعدم الإفلات من العقاب.

سلّط التقرير الضوء على المسيرة الأمنية للشعار، حيث شغل سابقا مناصب أمنية حساسة، منها رئاسة فروع الأمن العسكري في طرطوس، حماة، وحلب- “إنترنت”

وأشار التقرير، الذي استند إلى قاعدة بيانات موثقة لدى “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، إلى أن الانتهاكات “تم تنفيذها بشكل ممنهج وعلى نطاق واسع”، ما يُحمل الوزير السابق مسؤولية مباشرة، سواء عبر التورط الفعلي أو الإخفاق في أداء واجباته لوقف الانتهاكات المتكررة على مدى ثماني سنوات.

وأضاف التقرير أن الشعار، بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد يُحاكم على خلفية هذه الجرائم، سواء أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، باعتبار أن “الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم”.

أرقام مرعبة توثق سجل الشعار الدموي

وثّق التقرير الحقوقي الحديث أكثر من 256 ألف انتهاك ارتكبتها الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية تحت قيادة الشعار، إضافة إلى أنماط متعددة من الانتهاكات الممنهجة، أبرزها: “مقتل 10,452 مدنيا، بينهم 803 أطفال و737 سيدة، خلال عمليات قمع التظاهرات، في مختلف المحافظات السورية واستهدافها بالرصاص، منذ 14 نيسان/أبريل 2011، وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2018”.

إلى جانب، مقتل 32 شخصا تحت التعذيب في أفرع الأمن الجنائي، إضافة إلى اختفاء قسري لـ326 شخصا، بينهم 12 طفلا و9 سيدات، خلال الفترة ذاتها. 

كذلك، مقتل 83 شخصا تحت التعذيب في أفرع الأمن السياسي، مع اختفاء ما لا يقل عن 1,459 شخصا قسريا، بينهم 23 طفلا و14 سيدة، خلال الفترة ذاتها.

واعتقال ما لا يقل عن 1,608 أشخاص، بينهم 18 طفلا و198 سيدة، في دوائر الهجرة والجوازات، من بينهم 73 شخصا كانوا قد أجروا “تسويات أمنية”.

ووثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، أيضا، مقتل ما لا يقل عن 110 معتقلين في السجون المدنية، منهم 17 نتيجة إطلاق رصاص الشرطة، و93 آخرين نتيجة التعذيب، والإهمال الطبي، وسوء التغذية.

كما وثقت الشبكة الحقوقية مقتل ما لا يقل عن 93 معتقلا داخل السجون المركزية في مختلف المحافظات السورية بين 14 نيسان/أبريل 2011، وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2018، نتيجة التعذيب الممنهج والإهمال الطبي المتعمد، بما في ذلك رفض تقديم الرعاية الصحية للمعتقلين أو الاستجابة لحالاتهم الصحية الحرجة، وسوء التغذية، الذي تسبب في تدهور حالتهم الصحية وأدى إلى وفاتهم.

ووفقا لقاعدة بيانات “الشبكة السورية”، تواطؤ وزارة الداخلية في تنفيذ أحكام الإعدام بحقِّ 843 عنصرا وضابطا من الشرطة المنشقين، في الفترة الممتدة بين آذار/مارس 2011، وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2018.

شرعنة تجريد السوريين من ممتلكاتهم

كما كشف التقرير الحقوقي عن أن وزارة الداخلية، خلال فترة تولي الشعار قيادتها، لعبت دورا محوريا في تنفيذ قرارات المحاكم العسكرية والاستثنائية، التي افتقرت لأدنى معايير العدالة. وقد نفذت الوزارة ما لا يقل عن 11,267 إجراءً لمصادرة الممتلكات، كانت بمثابة أداة لنهب أموال المعارضين وتجريدهم من حقوقهم المادية.

اللواء محمد الشعار أثناء عمله في عهد الأسد- “إنترنت”

كما أصدرت وزارة الداخلية أكثر من 115 ألف تعميم لمنع السفر، استُخدم العديد منها لملاحقة نشطاء ومحتجين أو لمنعهم من مغادرة البلاد، في إجراءات تعسفية اعتمدت على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب أو على تقارير أمنية لا تستند إلى أدلة قانونية.

كذلك سجّلت “الشبكة السورية” 112 ألف مذكرة بحث صادرة عن شعبة الأمن السياسي، شكّلت غطاءً قانونيا لعمليات المداهمة والاعتقال والملاحقة الأمنية ضد معارضين ومواطنين شاركوا في الحراك الشعبي.

كما شاركت وزارة الداخلية بشكل مباشر في قضايا الإخفاء القسري والتلاعب في السجلات المدنية، حيث سُجّل رسميا وفاة 1,661 شخصا مختفيا قسريا بين عام 2018 وكانون الأول 2024، بينهم 50 طفلا و21 سيدة، إضافة إلى 16 من الكوادر الطبية و10 من الإعلاميين.

كما وثّقت “الشبكة السورية” تورّط وزارة الداخلية في حرمان عشرات الآلاف من المهجرين قسرا من وثائقهم الرسمية، وابتزازهم ماليا أثناء محاولاتهم الحصول على وثائق مدنية.

وفي ختام التقرير، قدمت “الشبكة السورية” جملة من التوصيات للحكومة الانتقالية في سوريا، على رأسها محاسبة محمد الشعار عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال عهده، وفتح تحقيق شامل في أداء وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية.

من هو محمد الشعار؟

بتاريخ 5 شباط/فبراير الماضي، أعلنت “وزارة الداخلية السورية”، أن محمد الشعار، سلّم نفسه لإدارة الأمن العام بعد ملاحقته أمنيا ومداهمة عدة مواقع لجأ إليها خلال الأيام السابقة.

ورغم ذلك، لم تكشف السلطات الانتقالية في دمشق حتى الآن أي تفاصيل بشأن مكان احتجازه أو الآلية القانونية التي ستُتبع في محاكمته، سواء داخل سوريا أو أمام محاكم دولية مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وولد محمد إبراهيم الشعار في مدينة الحفة بريف اللاذقية عام 1950، وانتسب إلى الجيش والقوات المسلحة عام 1971، حيث تدرّج في المناصب العسكرية والأمنية إلى أن أصبح من أبرز رجال الصف الأول في نظام الأسد السابق.

وخلال مسيرته الأمنية، شغل الشعار عددا من المناصب الحساسة، أبرزها: “وزير الداخلية بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، رئيس فرع المنطقة 227 (دمشق) التابع لشعبة المخابرات العسكرية عام 2006، رئيس فرعي الأمن العسكري في حلب وطرطوس، قائد الشرطة العسكرية، مسؤول أمني في لبنان ضمن جهاز المخابرات العسكرية، في فترة هيمنة النظام السوري على لبنان”.

ووفقا لموقع “مع العدالة”، يُعد الشعار من أبرز الشخصيات الأمنية السورية التي لعبت دورا مباشرا في عمليات القمع والانتهاكات، خصوصا خلال وجوده في لبنان في عهد الضابط السوري الراحل غازي كنعان. 

وقد أُطلق عليه لقب “سفاح طرابلس” بعد أن أشرف على مشاركة القوات السورية في أحداث باب التبانة بمدينة طرابلس في كانون الأول/ديسمبر 1986، والتي راح ضحيتها نحو 700 مدني، بينهم أطفال.

كما يُتهم الشعار بالضلوع في الانتهاكات المروعة التي شهدها سجن صيدنايا عام 2008، والتي تعد من أسوأ المجازر في تاريخ السجون السورية، بحسب منظمات حقوقية، ولذلك يلقب أيضا بـ”جزار صيدنايا”.

وعُيّن الشعار وزيرا للداخلية في نيسان/أبريل 2011، مع بداية “الثورة السورية”، ولعبت وزارته دورا مركزيا في قمع الاحتجاجات السلمية، من خلال القتل خارج نطاق القانون، والاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وتنفيذ قرارات المحاكم الاستثنائية.

وكان الشعار عضوا أساسيا في ما عُرف بـ “خلية الأزمة” التي شكّلها النظام الأسدي للتعامل مع الاحتجاجات السلمية آنذاك. وفي 18 تموز/يوليو 2012، نجا من تفجير استهدف مكتب الأمن الوطني في دمشق، وهو الهجوم الذي أدى إلى مقتل عدد من كبار مسؤولي النظام السابق، بينهم وزير الدفاع العماد داوود راجحة، ونائبه العماد آصف شوكت.

ومنذ منتصف عام 2011، أدرج محمد الشعار على قوائم العقوبات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ودول غربية، بسبب دوره المباشر في قمع الاحتجاجات الشعبية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها وزارة الداخلية أثناء توليه منصبها. وشملت العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر، ولا يزال الشعار خاضعا لهذه القيود حتى اليوم.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم