منذ آلاف السنين شكّل نهرا الخابور وجقجق عصب الحياة في محافظة الحسكة، حيث قامت حول مجرييهما حضارات وقرى ومدن، وارتبط وجود الناس والمزارع بوجود الماء.
لكن هذه الشرايين الحيوية باتت اليوم تعاني من الجفاف والتلوث الحاد، وسط غياب مشاريع فعلية لإحيائهما أو الحفاظ عليهما، مما يهدّد ليس فقط البيئة، بل نمط الحياة والهوية في هذه المنطقة.
الخابور.. من أسطورة تاريخية إلى نهر جاف
يُعدّ نهر الخابور أحد أهم روافد نهر الفرات، ورافدا رئيسيا للزراعة ومصدر مياه للشرب والرّي في مناطق مثل تل تمر ورأس العين والحسكة. إذ تشير وثائق تاريخية إلى أن النهر كان يفيض في الربيع ويغذي السهول الخصبة التي شكلت قلب الزراعة في منطقة الجزيرة السورية. لكن منذ أكثر من 20 عاما، بدأ منسوب النهر بالانخفاض تدريجيا.

بحسب تقارير لمديرية الموارد المائية في الحسكة، انخفض منسوب نهر الخابور أكثر من 60 بالمئة مقارنة بعام 2000. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 بالمئة من الأراضي الزراعية في ريف رأس العين وتل تمر توقفت عن الإنتاج بسبب الجفاف.
ويعزو خبراء بيئيون هذا التراجع إلى قلة الأمطار نتيجة تغير المناخ، والسدود التركية على منابع النهر، التي قلّصت التدفق المائي بشكل كبير، إضافة إلى الاستخدام غير المنظّم للمياه داخل سوريا لري محاصيل شديدة الاستهلاك مثل القطن والقمح، دون تبنّي أي خطة مستدامة.
المختص البيئي أحمد حسن قال إن أبرز الأسباب العلمية لتراجع منسوب نهر الخابور في العقود الأخيرة يعود لارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار، ما أدى إلى تقليل كمية المياه المتدفقة إلى النهر.
إقامة السدود على نهر الفرات وعلى الأنهار الفرعية، خاصة من الجانب التركي، قللت من تدفق المياه إلى نهر الخابور، حيث تُحجز كميات كبيرة من المياه قبل وصولها للمناطق السورية. كما أن عدم وجود سياسات فعالة للتحكم في استخدام المياه أو التوزيع العادل أسهم في تدهور وضع النهر.
المختص البيئي أحمد حسن
واوضح حسن في حديث لـ “الحل نت” أن انخفاض تدفّق المياه في نهرَي الخابور وجقجق أثر بشكل كبير على التوازن البيئي في محافظة الحسكة، وشمل ذلك العديد من الجوانب، منها:
- تدهور النظم البيئية المائية الذي ادى الى نقص المياه وجفاف المناطق الرطبة والأهوار والبحيرات المرتبطة بالنهرين، مما يهدد حياة العديد من الكائنات الحية من أسماك، طيور، وحيوانات برية التي تعتمد على هذه المناطق كمصدر غذاء ومسكن.
- تأثير على الزراعة: يعتمد الكثير من المزارعين على المياه من نهرَي الخابور وجقجق للري، وبالتالي فإن نقص المياه يضر بالمحاصيل ويهدد الأمن الغذائي ويؤدي إلى التصحر وزيادته في المنطقة.
- تأثير على السكان المحليين: نقص المياه يُصعّب حياة السكان الذين يعتمدون على الزراعة والموارد المائية، ويُفاقم من ظاهرة التصحر، مما يؤدي إلى نزوح السكان وزيادة الضغوط على البيئة والبنية التحتية.
بحسب المختص البيئي، فإن السدود المقامة على الجانب التركي، خاصة سدود “وادي الكيطان”، و”ديلي” و”ربتو”، لها تأثير كبير على موارد المياه في شمال شرقي سوريا، ويظهر ذلك في عدة جوانب، أهمها تقليل التدفقات المائية، التأثير على الزراعة، إضافة إلى تدهور الأحياء المائية والبيئة.
جقجق.. نهر المدينة الذي تحوّل إلى مجرى ملوّث
يخترق نهر جقجق مدينة الحسكة من الشمال إلى الجنوب، وكان لسنوات عنصرا جماليا وسياحيا للمدينة. لكنه اليوم، وفق وصف السكان، أصبح مجرى صرف صحي مفتوح، نتيجة رمي النفايات المنزلية والصناعية ومياه الصرف فيه.

وفق تقارير صادرة عن منظمات بيئية محلية إلى أن مستويات التلوث البكتيري والكيميائي في مجرى جقجق تجاوزت المعدلات الآمنة بمعدل أربع مرات، ما يشكّل خطرًا على الصحة العامة.
في كانون ثاني/يناير 2024، سُجّل تسرّب نفطي كبير من أنابيب تمر قرب محطة الرميلان، وصل إلى أجزاء من مجرى النهر، ما تسبب في تلوّث مائي امتد لمسافة تجاوزت 15 كم داخل المدينة.
مع تراجع مياه الخابور وتلوث جقجق، بدأت موجة نزوح زراعي بطيئة من الأرياف إلى مراكز المدن، بسبب فقدان مصادر الرزق. ويُقدّر أن أكثر من 1200 عائلة هجرت قراها الزراعية في السنوات العشر الأخيرة، خصوصًا في ريف تل تمر وريف الحسكة الجنوبي.
رغم التحذيرات المتكررة من السكان والناشطين، لم تُسجل حتى الآن مشاريع جدية لإعادة تأهيل الأنهار، سواء من قبل “الإدارة الذاتية” أو المنظمات الدولية العاملة في المنطقة. كما يغيب الضغط السياسي والإعلامي الكافي لمواجهة ما يعتبره بعض الخبراء “حرب مياه غير معلنة”.
يأتي ذلك في وقت توصي تقارير منظمات دولية بإنشاء محطات معالجة مياه فورية عند مداخل المدينة، والضغط على تركيا دوليا لاحترام الحصص المائية التاريخية، إضافة إلى حملات تنظيف وتوعية بيئية تشاركية مع المجتمع المحلي.
إذ إن أزمة المياه في الحسكة قد تتحول من كارثة بيئية إلى كارثة إنسانية، تهدد حياة عشرات آلاف السكان، وأمن المنطقة الغذائي والاجتماعي، ما لم تُتخذ خطوات عملية.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

