موسم زراعي كارثي في سوريا.. هل الأمن الغذائي في خطر؟

موسم زراعي كارثي في سوريا.. هل الأمن الغذائي في خطر؟
موسم زراعي كارثي في سوريا.. هل الأمن الغذائي في خطر؟

في واحدة من أكثر المناطق الزراعية حيوية في سوريا، يواجه القطاع الزراعي في شمال شرقي البلاد انهيارًا غير مسبوق، نتيجة تضافر عوامل مزمنة ومستجدة، على رأسها الجفاف الحاد، وارتفاع أسعار الوقود، وغياب الدعم الزراعي.

وتُعد هذه المنطقة، التي تضم محافظات مثل الحسكة والرقة ودير الزور، بمثابة “سلة خبز سوريا”، إذ تعتمد البلاد بشكل كبير على محاصيلها الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح. لكن التحديات المتراكمة منذ سنوات الحرب، إلى جانب تغيّرات مناخية حادة، تدفع اليوم بهذا القطاع إلى حافة الانهيار، ما يهدد الأمن الغذائي الوطني.

يأتي ذلك وسط مخاوف من انخفاض كبير في إنتاج القمح هذا العام في سوريا، مما ينذر بكارثة غذائية، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، إذ إن البلاد ما زالت تعاني من آثار الحرب وتتطلب وقتا لتجاوز ذلك.

الجفاف ونقص “المازوت”

في أبريل/نيسان 2025، رفعت “الإدارة الذاتية” سعر “المازوت” الحر إلى 6200 ليرة سورية للتر الواحد (ما يعادل نحو 55 سنتا أميركيا)، بعدما كان يُباع بـ 4000 ليرة. وجاء هذا الارتفاع دون إعلان رسمي، ما أثار موجة استياء، خاصة لدى المزارعين الذين يعتمدون على الوقود في تشغيل مضخات الرّي والجرارات الزراعية.

حصاد القمح في الجزيرة السورية – “الحل نت”

ويطالب المزارعون والجهات الفاعلة في القطاع الزراعي بتوفير “المازوت” بأسعار مدعومة، إلى جانب دعم مالي وفني مستعجل، وإطلاق خطط طوارئ لمواجهة آثار التغير المناخي، معتبرين أن تجاهل هذه المطالب قد يُفضي إلى كارثة زراعية تبدأ من الريف، لكنها ستصل إلى كل بيت على امتداد البلاد.

“نحن غير قادرين على تشغيل مضخة المياه بسبب غلاء المازوت، الأرض تموت أمام أعيننا، ولا أحد يتحرك، اعتمدنا على تركيب الطاقة الشمسية لكنها لا تفي بالغرض بقدر مولدة المازوت، احتاج أن أروي الأرض مرتين باليوم خصوصا في الليل بسبب الحر وتبخر المياه”.

عبد الله الثرثار، أحد المزارعين من ريف الشدادي، لـ”الحل نت”

ورغم محاولات بعض الجهات المحلية توفير المحروقات، فإن حجم الدعم بقي دون الحد الأدنى المطلوب. إذ جرى توزيع ثلاث دفعات من “المازوت” في محافظة الرقة، بكمية 6.5 مليون لتر لكل دفعة، خُصصت للآبار والجمعيات الزراعية، لكن الكميات اعتُبرت غير كافية في ظل اتساع الرقعة الزراعية وازدياد الطلب.

في تقرير صادر عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أشار إلى أن أكثر من 90 بالمئة من سكان شمال شرق سوريا يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل من تدهور الإنتاج الزراعي تهديدًا مزدوجًا للأمن الغذائي والمعيشي. وأكد التقرير أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى “مجاعة جزئية”، إذا لم يُتخذ تدخل عاجل لدعم المزارعين وإنقاذ ما تبقى من الموسم.

بينما تحدث مزارعو القمح عن خسارة محاصيلهم بسبب الجفاف، وتأثير هذه الموجة سلباً على القطاع الزراعي المتضرر بالفعل جراء القتال والقصف العنيف خلال الحرب التي استمرت أكثر من عقد.

إذ شهدت سوريا بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وكانون الثاني/ يناير 2025 موجة جفاف مبكرة حدّت من إمكانية الوصول إلى الحقول الزراعية وخفضت كميات الأمطار، ما تسبب في انخفاض المساحات المزروعة والمحاصيل، وتراجع إنتاج الحبوب المتوقع في 2025.

ففي محافظة الحسكة، انخفض إنتاج القمح في موسم 2024 إلى نحو 153 ألف طن، مقارنة بـ 677 آلاف طن فقط في عام 2023، في حين يتوقع أن يتراجع الإنتاج هذا العام.

كارثة غذائية وشيكة

تراجع الإنتاج الزراعي لا ينحصر في الجزيرة السورية، شمال شرقي البلاد، إذ إن ملايين السوريين يواجهون كارثة غذائية وشيكة بسبب الجفاف الشديد الذي تعرّضت له سوريا خلال هذا العام، وهو ما أدى إلى خسارة ما يقدر بنحو 75 بالمئة من محصول القمح المحلي، ما يفاقم الوضع المعيشي والاقتصادي في البلاد.

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” من هذا الاحتمال الذي يستدعي تحركات عاجلة من الجهات الحكومية والدولية للتصدي لهذه الأزمة ومنع تفاقمها. 

بحسب ممثل “الفاو” في سوريا طوني العتل، فإن المنظمة تتوقع نقصاً في الغذاء يبلغ 2.7 مليون طن من القمح هذا العام، وهو ما يكفي لإطعام 16.3 مليون شخص على مدار العام، وفق وكالة “رويترز”. 

تدفق الأموال الناتج عن رفع العقوبات عن سوريا يمكن أن ينعش القطاع الزراعي من خلال توفير تكنولوجيات الري وتجديد البنية الأساسية.

ممثل “الفاو” في سوريا طوني العتل

وللمساعدة في مكافحة الوضع، تتخذ الحكومة تدابير، بما في ذلك الحدّ من زراعة المحاصيل التي تحتاج إلى الكثير من المياه، حسبما أوضحت وزارة الزراعة السورية. 

وبسبب عدم قدرتها على شراء القمح والوقود، سعت الإدارة السورية الجديدة جاهدة لرفع العقوبات التي عزلت الاقتصاد السوري لسنوات، وتعلق وزارة الزراعة السورية آمالها على قرار رفع العقوبات عن البلاد مؤخرًا، بأن يسهم في تحسين القطاع الزراعي، من خلال السماح باستيراد الأسمدة وتكنولوجيا الري، مؤكدة أن فتح الاقتصاد سيسمح أيضًا بالاستثمارات والحلول لمواجهة آثار الجفاف.

وزارة الزراعة شدّدت على أن رفع العقوبات لا يحل أزمة الجفاف بذاته، لكنه يوفر الوسائل والإمكانات التي تمكّن الحكومة والمزارعين من الاستجابة بكفاءة للجفاف عبر تحديث أنظمة الري وتحسين الإنتاجية، وتقوية الأمن الغذائي. 

وفي الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيأمر برفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، كما وافق الاتحاد الأوروبي، مساء الثلاثاء، على رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وهو ما اعتُبر إنجازاً تاريخياً من شأنه أن تعزز الأمن والاستقرار والازدهار. 

تقديرات تنذر بكارثة

قدّرت منظمة “الفاو” إنتاج الحبوب في سوريا عام 2024 بنحو 3.4 ملايين طن، أي أقل بـ 13 بالمئة من متوسط السنوات الخمس الماضية، وبنحو 33 بالمئة من المعدّل الذي سبق عام 2011، الأمر الذي يتطلب تدخلاً حكومياً لاستيراد القمح لسدّ تلك الفجوة، والحيلولة دون حدوث أزمات غذائية، خصوصاً في ظل الاعتماد المُفرط من قبل السوريين على القمح، باعتباره المصدر الأساسي للغذاء.

وكان برنامج الأغذية العالمي كشف في نيسان/أبريل 2025 أن أكثر من 13 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 3.1 ملايين يواجهون انعداماً شديداً، مع تراجع المساعدات الإنسانية بنسبة 80 بالمئة خلال عام 2024، مما ضاعف حدة الأزمة. 

ولتوضيح مدى خطورة ما أعلنته “الفاو” علق الخبير الزراعي أكرم عفيف، مؤكدًا أن الموضوع هام وخطير خاصة في ظل ما يشهده العالم من حالة تغير مناخي كبيرة تجلت في الجفاف خلال فصل الشتاء والذي ندرت فيه الأمطار وكانت غير كافية، وفقًا لتصريحات نقلها عنه موقع “الحرية”. 

وأوضح أن تلك التغيرات أدت إلى خروج المحاصيل التي تزرع مثل القمح والشعير وحبة البركة والكزبرة والكمون وغيرها من المزروعات التي خرجت من العملية الإنتاجية هذا الموسم، الأمر الذي بات يهدد أكثر من 75 بالمئة من المحاصيل بالخطر وأهمها القمح. 

“كان لابد من حماية المحاصيل، ومن أهم طرق الحماية إيجاد آلية للتأمين على المزروعات وتقليل المخاطر تجنباً لخسارة الفلاحين بحيث يتمكن الفلاح في حال الجفاف من تعويض الخسائر التي تلحق به وهذا الأمر هام”.

الخبير الزراعي أكرم عفيف

وشدد على ضرورة عقد ورشة عمل وطنية بمشاركة الحكومة ووزارة الزراعة ومنظمة الفاو وغيرها من المنظمات الدولية والمعنية، لأن الموضوع مرتبط بالأمن الغذائي، والزراعة هي الضامن لاستمرار الوجود الإنساني، حتى تخرج بتوصيات ملزمة للنهوض بالقطاع الزراعي. 

وقال إن الجهات المعنية عليها أن تعمل على تمويل العمليات الإنتاجية للمزارعين، خاصة وأن تكاليف التمويل مرتفعة، وكذلك جزء كبير من الأراضي لم تتم سقايتها لعدم قدرة المزارع على شراء المازوت لضخ المياه وسقاية الأراضي المروية، مؤكداً أن القطاع الزراعي في خطر بشقيه النباتي والحيواني، الأمر الذي يسبب خسائر للمنتجين، مؤكدًا أن الفلاح هو الخاسر الأكبر لتعرضه لمخاطر بالغة.

محمد العلي

محمد العلي

مراسل "الحل نت" في شمال شرق سوريا، صحفي سوري ومعد تقارير تلفزيونية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم