أثار قرار زيادة الأجور في سوريا مخاوف قطاعات واسعة من تأثير تلك الزيادة على تضخم الأسعار، عقب الإعلان عن إصدار الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مرسومين برفع رواتب موظفي الدولة وأصحاب المعاشات التعاقدية بنسبة 200 بالمئة.
ووفق مرسوم القرار تشمل زيادة الرواتب والأجور المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة من رأسمالها.
فجوة الأجور وتكاليف المعيشة
كما أصدر الرئيس الشرع مرسوما آخر بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية المشمولين بقوانين التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة زيادة نسبتها 200 بالمئة من المعاش التقاعدي النافذ بتاريخ صدور المرسوم.
وكان الحد الأدنى لراتب الموظف في القطاع العام شهريًا قبل الزيادة الأخيرة يصل إلى 280 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 27 دولار أميركي فقط بسعر السوق الموازي، بينما بعد الزيادة الأخيرة بلغ 750 ألف ليرة أي ما يعادل 75 دولارا، وهو ما يجعل الرواتب الرسمية في سوريا من الأدنى عالميًا.

وفي المقابل، تُظهر تقديرات “المعهد الوطني للإدارة العامة” أن الحد الأدنى اللازم لتغطية احتياجات أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد لا يقل عن 4.5 مليون ليرة شهريًا، وهو ما يعادل تقريبًا 300 دولار، مما يكشف عن فجوة صارخة بين الأجور وتكاليف المعيشة.
ورغم ما حمله القرار من التأكيد على تحقيق مساعي الإدارة السورية الجديدة وتنفيذ وعودها بزيادة الأجور وتحسين مستوى المعيشة، إلى أن هناك تحذيرات من تداعيات القرار وضرورة أن تتزامن تلك الخطوة مع إصلاحات أوسع.
تداعيات زيادة الرواتب
من جانبه، رأى المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، جورج خزام، أن قرار زيادة الرواتب 200 بالمئة للموظفين والمتقاعدين، سيجعل القطاع الخاص مضطرًا هو أيضًا لزيادة الرواتب أيضًا، وهو ما يعني زيادة بالتكاليف.
حذر من أن أية زيادات في رواتب العاملين في القطاع الخاص، دون اتخاذ إجراءات موازية لحماية المنتجات الوطنية، ستؤدي حتمًا إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية التي قد تفضي إلى نتائج عكسية وخطيرة على بنية الاقتصاد المحلي، وفق منشور له على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك”.
المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، جورج خزام
وأوضح أن أصحاب الأعمال في القطاع الخاص، وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، لن يجدوا خيارًا آخر سوى رفع أسعار منتجاتهم وخدماتهم لتعويض التكاليف الإضافية الناجمة عن الزيادة في الأجور، وهو ما سيحمل المستهلك النهائي العبء الأكبر، كونه الحلقة الأخيرة في سلسلة التكاليف.
واعتبر خزام أن هذا المسار ليس خيارًا نظريًا، بل واقعًا حتميًا يرتبط بقواعد الاقتصاد وقوانين السوق، إذ إن زيادة الرواتب في ظل ارتفاعات متواصلة في تكاليف التشغيل، خاصة مع تصاعد سعر صرف الدولار أمام الليرة، تعني بالضرورة أن المنتج الوطني، الذي يعاني أصلًا من ضعف تنافسي بسبب ارتفاع كلف الإنتاج، سيصبح عاجزًا عن الصمود في وجه المنتجات المستوردة الأقل تكلفة والأكثر تنوعًا.
ضرورة رفع الرسوم الجمركية
في هذا السياق، شدد خزام، على أن رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، التي تماثل السلع المنتجة محليًا، لم يعد ترفًا أو مطلبًا ظرفيًا، بل ضرورة اقتصادية وطنية ملحّة أكثر من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أنه دون إجراءات حمائية فعالة للمنتج المحلي، ستتحول زيادة الأجور من محفز اقتصادي إلى أداة تدميرية للقطاعات الإنتاجية، ووسيلة لدفع كثير من المصانع والمؤسسات نحو الإفلاس أو التصفية، الأمر الذي سيترافق بالضرورة مع تراجع حاد في مستويات الإنتاج المحلي، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الاعتماد على المستوردات.

وأشار خزام إلى أن الدعوات المتكررة لضبط الأسعار، التي تصدر من أطراف مختلفة في المجتمع، تتجاهل في جوهرها أن الأسعار ليست سوى انعكاس مباشر لتكاليف الإنتاج، فالمطالبة بتثبيت الأسعار دون مراعاة التغيرات الحاصلة في هيكل التكاليف – وعلى رأسها الأجور وأسعار الطاقة والمواد الأولية – تمثل معالجة سطحية لا تخاطب جذور المشكلة، بل إنها، في كثير من الأحيان، تضع عبئًا إضافيًا على المنتجين، وتجعل استمرارهم في السوق أمرًا غير ممكن من الناحية العملية، ما يؤدي إلى اضطراب في السوق وخلل في معادلة العرض والطلب.
وفي ظل هذه المعطيات، دعا خزام إلى مقاربة متوازنة تضمن العدالة الاجتماعية للعاملين من جهة، وحماية القطاع الخاص من الانهيار من جهة أخرى، وذلك عبر حزمة من السياسات المتكاملة التي تشمل زيادة الرسوم الجمركية على المنتجات المنافسة للمحلي، وتقديم حوافز للمنتجين الوطنيين، وتثبيت سعر الصرف، وتخفيض الضرائب على المواد الخام، فضلاً عن توفير بيئة تمويل مرنة وعادلة.
وختم بالتأكيد على أن أي قرار اقتصادي ينبغي أن يُصاغ ضمن رؤية شاملة لا تفصل بين أبعاد التكلفة والسعر، ولا بين مصلحة العامل ومصلحة صاحب العمل، فهما طرفا معادلة واحدة لا تستقيم إلا بتوازن حقيقي وعادل يراعي ظروف السوق ويصون الإنتاج الوطني في آن معًا.
زيادة ضرورية
في سياق متصل، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري الدكتور محمد نضال الشعار، أن مرسومي زيادة الرواتب اللذين أصدرهما الرئيس الشرع، يمثلان خطوة بالغة الأهمية في هذا التوقيت الحساس، لما لهما من أبعاد اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
وأوضح الوزير الشعار، في تصريح صحفي، أن هذه الزيادة ستساهم في تنشيط الطلب الداخلي وتحريك عجلة الاقتصاد، بالإضافة إلى تخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين وتعزيز الاستقرار المجتمعي، كما تعكس هذه الخطوة التزام الدولة الراسخ بتحسين مستوى معيشة المواطنين، على الرغم من التحديات والظروف المعقدة التي تواجهها.
ودعا الوزير الشعار، من موقعه في وزارة الاقتصاد والصناعة، الشركاء في القطاع الخاص بجميع أشكاله إلى المبادرة باتخاذ خطوات مماثلة لرفع الرواتب والأجور، بما يتماشى مع التوجهات الوطنية ويسهم في تحسين مستوى معيشة جميع المواطنين، ترسيخاً لمبدأ العدالة وتعزيزاً للتكامل بين القطاعين العام والخاص.
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟

