وقف إطلاق النار: طوق نجاة للنظام الإيراني من الانكسار المذل

وقف إطلاق النار: طوق نجاة للنظام الإيراني من الانكسار المذل

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران وإسرائيل قد وافقتا على وقف إطلاق النار، وكتب على منصة “تروث سوشيال”: “تم الاتفاق بشكل تام بين إسرائيل وإيران على وقف إطلاق نار شامل وكامل لمدة 12 ساعة، وعندها ستعتبر الحرب منتهية”. وفي وقت لاحق أعلن ترامب دخول وقف النار حيز التنفيذ، مطالبًا الجانبين بعدم انتهاكه.   

يعد إعلان ترامب هذا بمثابة قبلة حياة للإيرانيين وللنظام الإيراني، الذي أوشك على السقوط والانهيار، خاصة بعد أن حققت الحرب كل أهدافها، تاركة خلفها نظامًا محطمًا داخليًا وفقدانًا لحلفائه خارجيًا. فبعد نهاية الحرب الإيرانية – الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا من شعور بالعجز والهوان، خسرت طهران خلالها المشروع النووي الإيراني، بالإضافة إلى الخسائر العسكرية الفادحة، إلى جانب الكبوة الاقتصادية التي ستلاحق طهران لسنوات طويلة.   

إنها حرب جردت النظام الإيراني من شرعيته أمام شعبه؛ فقد قادهم إلى الهلاك السياسي وجعل أمانهم مرهونًا برغبته في الهيمنة والنفوذ، دون أن يحسب لخطواته حسابًا، حتى حدث التصادم الدولي الذي كشفه عاريًا أمام نفسه وشعبه والعالم. انتهت الحرب بين إسرائيل وإيران، ولكن حربًا أخرى عقابية ستبدأ في الداخل الإيراني بين النظام الذي خدع شعبه بقوته المصطنعة، وشعبه الذي تأكد من مدى انكسار وضعف حكومته في مواجهتها.   

نحاول في هذا المقال رصد خطوات النظام الإيراني المتعثرة في الحرب، وإظهار مدى ضعفه وانكساره خلال أيامها، مما دفعه إلى القبول بوقف إطلاق النار. وتتجلى مواضع الانكسار الإيراني في نقاط عديدة، هي كالتالي: 

المفاجأة والارتباك

منذ اللحظات الأولى التي شنت فيها إسرائيل الضربات المباغتة على طهران في عملية أُطلق عليها “الأسد الصاعد”، أصاب ذلك النظامَ الإيرانيَ حالةٌ من الذهول والذعر، وتحطمت العديد من الافتراضات التي كانت ترى في إيران حجرَ الزاوية الداعمَ لتوازن القوى في الشرق الأوسط.

طائرة من طراز F-16 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تقلع لتنفيذ ضربات في إيران في صورة نُشرت في 20 يونيو 2025

فعندما بدأت القنابلُ تتساقط على المواقع الإيرانية، انهارت الدفاعات الإيرانية التي بدت سابقًا عصيةً على الانهيار. وسقطت معها الأقنعة الإيرانية التي طالما تحدثت عن الردع وكسر شوكة ما تطلق عليه “العدو الإسرائيلي”، مما كاد أن يعرض المنطقةَ بالكامل إلى مصير مجهول. ثم جاء الرد الإيراني بإطلاق مئة طائرة مسيرة، أسقطتها إسرائيل والولايات المتحدة بسهولة قبل وصولها إلى الأراضي الإسرائيلية. 

وبحلول نهاية اليوم الأول من الحرب، سارع القادةُ البدلاء الذين عُيِّنوا على عجل في إيران إلى إطلاق مئتي صاروخٍ باليستي، وتمكنت إسرائيل للمرة الثانية من اعتراض معظمها. وهكذا استمرت الحرب على هذا المستوى بين الفعل الإسرائيلي ورد الفعل الإيراني؛ ضعفٌ غير متناسب مع حجم الحدث.   

ويعلق ناجح النجار، الباحث المختص في السياسات الدولية، في حديثه مع “الحل نت”: “قبول إيران بوقف إطلاق النار ينبع من الضعف والانكسار. فبالنظر إلى الخسائر التي تكبدتها إيران خلال اثني عشر يومًا من الحرب بين إسرائيل وإيران، نجد أن خسائر إيران كبيرة للغاية بالرغم من خسائر تل أبيب”.

وأضاف النجار، أن وزارة الصحة الإيرانية أعلنت، عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، عن خسائر بشرية بلغت مقتل 609 أشخاص منذ بدء الحرب مع إسرائيل، ما يعني أن حجم الخسائر البشرية في إيران كبير مقارنةً بالخسائر في إسرائيل. 

قتل رجال النظام 

من النقاط الأخرى التي تؤكد انكسارَ وضعفَ النظام الإيراني خلال حربه مع إسرائيل حالاتُ الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية. إلى جانب ذلك، الشبكة الواسعة من العملاء داخل طهران تشير إلى حجم تغلغل “الموساد” الإسرائيلي في إيران دون علم نظام المرشد.

فقد كان النظام في طهران، بكل ادعاءاته كقوة إقليمية، قد أخبر شعبه أن الحرمانَ الذي عاناه على مدى عقودٍ كان تضحيةً ضروريةً للدفاع عن الأمة ضد أعدائها القريبين والبعيدين. لكن تحت وطأة القصف عجزت الجمهورية الإسلامية عن حماية شعبها أو حتى كبار جنرالاتها. 

ويؤكد ناجح النجار، الباحث المختص في السياسات الدولية، أن خسائر إيران إثر استهداف المواقع الاستراتيجية داخل طهران، فضلاً عن استهداف أشخاص وشخصيات بارزة طالت قائد “الحرس الثوري” ورئيس أركان الجيش وعلماء نوويين وغيرهم من قادة الصفوف الأولى، إذا دلّ على شيءٍ، فإنما يدل على حجم الاستقواء الإيراني على بعض الدول العربية مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، لأن ضربات إيران وإن كانت موجعة لإسرائيل، إلا أنها كانت ردة فعل على الضربات الإسرائيلية المسبقة. 

انهيار المشروع النووي الإيراني 

لقد تحولت بعض جواهر التاج في البرنامج النووي الإيراني ــ الذي بُني على مدى ربع قرن والذي حدده نظام الجمهورية الإسلامية مرادفًا لسيادة الأمة وهويتها ــ إلى أنقاض بحلول نهاية الحرب الإسرائيلية. دُمِّرت قاعة تخصيب اليورانيوم فوق الأرض في نطنز خلال الموجة الأولى، إلى جانب محطة توليد الطاقة التابعة للمنشأة. ووفقًا لتقييم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أتلفت العديد من أجهزة الطرد المركزي الدقيقة التي كانت تدور بسرعات عالية جدًا لتخصيب غاز سادس فلوريد اليورانيوم في المنشآت تحت الأرض. كما تعرّض المجمع النووي الواقع خارج مدينة أصفهان القديمة للقصف في إحدى الهجمات الافتتاحية، حين أصابت الضربة محطة تحويل اليورانيوم ومنشأة إنتاج الوقود النووي للمفاعلات.

هذا بالإضافة إلى الضربات الأميركية المكملة على المواقع النووية الإيرانية، والتي أعلن بعدها ترامب أنه تم تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ودون تعليق من النظام الإيراني. فقد جرى وقف إطلاق النار بعد تدمير البرنامج النووي بالكامل، لأن هذا البرنامج كان موضع الخلاف في المفاوضات الإيرانية – الأميريكية. صحيح أنه لم يُعلن عن شروط وقف إطلاق النار، ولكن من الصعب على إسرائيل القبول بوقفه دون التحقق من نهاية البرنامج النووي الإيراني.   

يمثل ذلك صفعةً قويةً على وجه النظام الإيراني: المشروع الذي كان يقوّيه في السابق أصبح الوسيلة التي ساهمت في انكساره وخضوعه. وبحسب محللين، حتى لو لم يُدمّر البرنامج النووي بالكامل، فعلى الأقل دُمرت البنية التحتية التي لا يمكن بدونها العودة إلى مجال تخصيب اليورانيوم، مما يعني أن طهران تحتاج إلى عقد من الزمان لإعادة البناء فقط. ولهذا لم يكن بوسع النظام الإيراني إلا الخضوع والقبول بوقف إطلاق النار؛ فعلميًا لم يعد لديه شيء يحاربه من أجله. 

انهيار إمكانية تغيير النظام

على مدى اثني عشر يومًا من الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، عاش النظام في طهران لحظات فارقة في تاريخ أي دولة. ففي ظل القصف المتبادل بين الطرفين وحالة الفعل ورد الفعل، ظهرت للنظام الإيراني مشكلة أخرى تزيد من قلقه وخوفه وضعفه، وهي الحديث عن إمكانية تغيير النظام بالكامل.

رجل يلتقط صورة لمبنى دمرته غارة إسرائيلية على طهران في 13 يونيو 2025

هذا الحديث في التوقيت الذي تعيشه طهران من الحرب عمل على خلق حالة من التوتر داخل النظام. فقد أفادت التقارير أن قادة إيرانيين غير محددين وضعوا خطة طوارئ لحكم إيران بدون خامنئي في حالة مقتله أو تهميشه بشكل غير رسمي. وقد اتفق الأفراد الذين وضعوا هذه الخطة على أن تحل لجنة قيادية محل خامنئي وظيفيًا وتتفاوض على وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل.  

وقد فُكّر في إشراك روحاني “لدور رئيسي” في لجنة القيادة. وتواصل بعض المسؤولين العسكريين المشاركين في الخطة مع دول الخليج لمحاولة كسب الدعم لمثل هذا التغيير السياسي في إيران. ومن الجدير بالذكر أن كبار القادة العسكريين والسياسيين والدينيين الإيرانيين يناقشون هيكل قيادة محتمل لما بعد خامنئي في إيران.   

“فقد أعلن نتنياهو في أحد تصريحاته خلال الحرب أن تغيير النظام في إيران سيكون نتيجة الضربات الإسرائيلية. وبالتالي نجد أن إسرائيل ركزت على استهداف بوابات السجون الإيرانية التي تمتلئ بالمعارضين السياسيين في خطوة تهدف إلى خلخلة النظام بشكل أكبر. وبالتالي، إذا أدت الضربات الإسرائيلية – الأميركية إلى تغيير النظام، وهو المرجح من وجهة نظري، خصوصًا إذا قادت نتائج هذه الحرب إلى انهيار اقتصادي شديد في الداخل الإيراني، فإن الهزيمة ستكون أكبر مما يُعلن عنه الآن”. 

الدكتور يوسف المرعي

فحالة الخوف من تغيير النظام دفعت النظام ورجاله إلى القبول بوقف إطلاق النار مهما كان الثمن، فربما نشهد خلال الفترات القادمة مزيدًا من العنف المنظم كخطوة تأمينية للنظام ووضعه داخل إيران. 

ويختم الدكتور يوسف المرعي حديثه معنا قائلاً: “علينا أن نعلم جيدًا أن طهران حاولت الهروب من الضغوط الداخلية إلى الحرب… فالنظام الإيراني كان ولا يزال يعيش تحت ضغط الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، والتي بلا شك مرتبطة بالعقوبات الغربية المفروضة على طهران والمتصلة ببرنامجها النووي بدرجة أساسية، فضلًا عن تصديره للأزمات ودعمه للأذرع الإقليمية التابعة له ضمن ما عرف بالنفوذ الإقليمي لطهران في المنطقة. لتتحول كل هذه الضغوط إلى نقاط ضعف تمثل حلقة انكسار وقلق وضغط على المرشد ونظامه، مما جعله الأكثر ضعفًا، ولهذا رأى في وقف إطلاق النار طوق نجاة له من هذه الحالة المعتمة”.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم