مرة أخرى، يصرح المسؤولون الروس بأن الاتصالات مستمرة مع السلطات السورية الجديدة بشأن الاحتفاظ بقواعدهم العسكرية، إلا أن العلاقات بين روسيا وسوريا ما تزال حتى الآن في حالة جمود، دون أي تطورات تذكر. ويرى مراقبون أن روسيا تواجه تراجعا في قدرتها على فرض رؤيتها السياسية داخل سوريا، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الأخيرة، لا سيما التحوّل في الموقف الأميركي تجاه السلطات بدمشق، والذي ينعكس بشكل مباشر على موازين القوى في سوريا.
وفي هذا الصدد، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، في حديث لوكالة “نوفوستي” الروسية، إن الاتصالات بين موسكو ودمشق حول القواعد الروسية في سوريا لا تزال مستمرة، وشدد على أهمية استمرار الحوار لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
وتسعى روسيا بشكل جلي للحفاظ على وجودها العسكري في سوريا، باعتبار أن قواعدها هناك تشكل نقطة استراتيجية حيوية بالنسبة لنفوذها في الشرق الأوسط وليبيا والقرن الإفريقي أيضا.
إلا أن الرهان الحقيقي يبقى على موقف السلطات السورية الجديدة، التي لم تُعلن حتى الآن موقفا حاسما أو واضحا من مسألة الوجود الروسي في البلاد. ويرى مراقبون أنه من الضروري إعادة تشكيل العلاقة مع موسكو بحيث يتماشى مع إرادة الشعب السوري، الذي يرفض بقاء هذا الوجود العسكري، لا سيما وأن روسيا كانت من أبرز أسباب إطالة أمد الحرب، عبر دعمها المباشر لنظام الأسد السابق والتغطية على انتهاكاته لسنوات طويلة بحق السوريين.
موسكو متمسكة بقواعدها بسوريا
وقال فيرشينين في تصريحه للوكالة الروسية: “نواصل اتصالاتنا مع دمشق بشأن جميع القضايا، ولدينا علاقات تقليدية وودية مع الشعب السوري”.

وأردف “وهنا أؤكد بالتحديد وبالذات مع الشعب السوري، لأنه لا داعي للحديث عن الأنظمة في هذه الحالة”. وأكد المسؤول الروسي أن بلاده تواصل هذا الحوار بهدف التوصل إلى “حل يخدم مصالح روسيا، ومصالح دمشق، ومصالح الاستقرار الإقليمي بشكل عام”.
هذا وكانت روسيا من أبرز حلفاء النظام السوري السابق ودعمته في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في سوريا منذ العام 2011.
وفي الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، شنت فصائل من “المعارضة السورية” بقيادة “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) هجوما مباغتا على مناطق النظام السوري السابق، وأسفر عن سقوط نظام بشار الأسد، مما أدى إلى فرار الأخير إلى روسيا.
وفي أواخر كانون الثاني/يناير الفائت، تم تعيين أحمد الشرع رئيسا للمرحلة الانتقالية، وهي فترة قال بنفسه إنها قد تمتد حتى خمس سنوات.
وفي أعقاب هذا التحوّل السياسي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كانون الثاني/يناير الماضي، استعداد بلاده لمواصلة تقديم الدعم للشعب السوري، مؤكدا أن “مستقبل سوريا يجب أن يُحدده السوريون أنفسهم عبر حوار وطني شامل”.
وفي شباط/فبراير، صرّح المتحدث باسم “الكرملين” دميتري بيسكوف أن موسكو ستواصل الحوار مع السلطات الجديدة في دمشق بشأن مختلف الملفات، بما في ذلك الاتفاقات المتعلقة باستخدام القاعدة البحرية في الساحل السوري.
وتحتفظ روسيا حاليا بقاعدتين عسكريتين رئيسيتين في سوريا، منها قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، التي تم توقيع الاتفاق بشأنها مع الحكومة السورية السابقة في عام 2015.
والقاعدة البحرية في طرطوس، وتقع على الحافة الشمالية لميناء طرطوس، والتي كانت تُعرف سابقا باسم “نقطة الدعم الفني المادي”، قبل أن تصنف رسميا كقاعدة بحرية روسية عام 2017.
“الكرملين” يدعو دمشق لحدث عربي روسي
مطلع تموز/يوليو الجاري، كشف “الكرملين“، عزم السلطات الروسية، دعوة الحكومة السورية الجديدة في دمشق، لحضور القمة الروسية-العربية، المزمع عقدها في موسكو.

وقال “الكرملين”، إن السلطات السورية ستتلقى دعوة لحضور القمة الروسية-العربية، التي ستُعقد في موسكو في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، حسبما صرح السكرتير الصحفي للرئيس الروسي دميتري بيسكوف، وقال المتحدث باسم الكرملين: “بالطبع ستكون هناك مثل هذه الدعوات”.
نهاية حزيران/يونيو الماضي، كشف “الكرملين” عزم بلاده استضافة دول “جامعة الدول العربية”، في قمة تجمعهم مع روسيا، وأضاف “الكرملين” في بيانه، أن 22 دولة عربية ستحضر القمة، منها مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر.
ووفقا لنائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، فقد وُجهت الدعوات لحضور القمة بالفعل، وأكدت جميع الدول تقريبا رغبتها في المشاركة.
في ذات السياق، كان بوتين، قد قال: “أود أن أبلغكم إننا نخطط لعقد قمة روسية عربية في موسكو في 15 تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام. نأمل في مشاركتكم الشخصية”، وأضاف “وقد وافقت الغالبية العظمى من أصدقائنا في العالم العربي على ذلك”.
يبدو جليا، أن موسكو ما تزال تسعى للتقارب مع السلطة الجديدة في دمشق، حيث قال مسؤولون روس خلال الفترة السابقة أن بلادهم تسعى للحفاظ على نفوذها في سوريا.
وفي تصريحات سابقة أدلى بها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، كشف أنه لم تحدث أي تغييرات جذرية على قواعدها في سوريا حتى اليوم.
وقال ريابكوف في مقابلة أجراها مع وكالة “تاس” الروسية، منتصف حزيران/يونيو الماضي: إن “روسيا تأمل في حماية مصالحها الوطنية فيما يتعلق بالقواعد في سوريا وحل القضايا الإنسانية هناك”.
في العموم، كل هذه المؤشرات تعزز فرضية غياب التوافق بين دمشق وموسكو حتى الآن، وربما تنذر بمسار أكثر برودا في العلاقات خلال الفترة المقبلة، لا سيما وأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا يرغب بوجود علاقات مع الجانب الروسي، الذي دعم نظام الأسد لسنوات، وكان السبب الرئيسي في إطالة عمر نظامه، فضلا عن تدمير المدن السورية ومرافقها الحيوية، وتشريد ملايين السوريين من منازلهم.
- محاكمة بلا متهمين.. كيف قرأت منظمة حقوقية محاكمة ماهر وبشار الأسد الغيابية؟
- جبهات مشتعلة وتراجع “حوثي”.. هل بدأت مرحلة جديدة في اليمن؟
- لامين عينه على دوري الأبطال.. وفخور بقيادة برشلونة رغم صغر سنه
- من جبل الشيخ.. نتنياهو يربط بقاء إسرائيل جنوب سوريا بمواجهة إيران
- أكثر من 2500 ملف أمام القضاء السوري في مسار العدالة الانتقالية

