في وقت يُفترض أن تكون فيه الأرصفة ملاذاً آمناً للمشاة، تحوّلت في دمشق إلى مواقف عشوائية للسيارات، ما جعل المارة يواجهون معاناة يومية وهو يبحث عن طريق آمن وسط زحمة المركبات.
ورغم أن جميع القوانين تنص على حماية الأرصفة باعتبارها ملكاً عاماً، إلا أن ضعف الرقابة وتزايد أعداد السيارات جعلا هذه المساحات المخصصة للمارة في حكم المصادرة، الأمر الذي يضاعف معاناة كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة.
أرصفة محتلة.. ومشاة في الشارع
قبل أن يتمكّن المشاة من استخدام الرصيف كما خُصص له، تسبقهم السيارات إليه لتحتله بشكل شبه كامل في جميع أحياء دمشق مثل المزة والبرامكة والمالكي والجسر الأبيض، لا يكاد المارّ يجد ممراً آمناً، فيضطر للنزول إلى الشارع متقاسماً الطريق مع السيارات والحافلات.

أبو أحمد، موظف حكومي خمسيني من سكان حي المزة، طالب بتطبيق القانون ومخالفة السيارات التي تشغل الأرصفة في شوارع دمشق.
وأضاف لـ “الحل نت“: “المفروض الرصيف للمشاة، بس صار موقف للسيارات، أنا بروح ع شغلي يومياً وكل طريقي رصيف، بس هلا ما عم لاقي مكان امشي فيه غير الشارع بين السيارات، كل خطوة ع الرصيف سيارة. مافي احترام لا لكبير ولا لكفيف، ونمشي بين السيارات فيها خوف من الحوادث.”
وتزداد معاناة الفئات الأكثر هشاشة مع هذه الظاهرة حيث يضطرون للنزل إلى الشارع والمشي بين السيارات، في حين يجب أن تكون الأرصفة مخصصة لحالات ذوي الإعاقة.
“أنا بمشي بالعصا البيضاء، وأحياناً بخبط بالسيارات الواقفة عالرصيف كنت مفكرة حالي عم أمشي ع الطريق بين السيارات بعدين اكتشفت أنو السيارات هي على الرصيف، هاد الشي بيجبرني أنزل على الطريق بين السيارات، وهون في خطر ع حياتي السيارات بتمشي بسرعة وما بتنتبه للمارة وما بهمن إذا شخص كفيف أو لا، كل اللي بدياه رصيف مفتوح آمن، مو أكثر.”
ليلى، شابة كفيفة لـ “الحل نت”
أما أم سامر من سكان “الجسر الأبيض”، بدأت ترافق حفيدتها الصغيرة إلى دورات تدريبية يومياً بعد ملاحظتها لتحول الرصيف إلى موقف سيارات، إذ بات طريق حفيدتها غير آمن في ظل الاعتداء الواضح على مسار المشاة.
وأضافت لـ “الحل نت”: “ما في رصيف فاضي تمشي عليه، صارت تمشي بين السيارات خفنا عليها، البنت بتمشي حدّي وأنا ماسكة إيدها بخاف لأنو الرصيف مسكّر بالسيارات وبنضطر ننزل على الشارع ونمشي قدام الباصات والسيارات، وهاد الشي بيخليني عايشة بقلق مستمر.”
واقع بلا رادع
تحولت ظاهرة ركن السيارات على الأرصفة إلى ممارسة يومية مألوفة، حتى باتت جزءاً من المشهد العام في شوارع دمشق. ورغم أن الجميع يدرك أن الأرصفة مخصصة للمشاة، إلا أن غياب التنظيم والرقابة والحلول الملموسة، يلجأ الناس إلى التكيّف مع الواقع.

إذ تقول ندى عبيد، من سكان مساكن برزة، لـ “الحل نت“، إن الإنسان صار أقل قيمة من السيارات التي أخذت المكان المخصص للمشي بأمان. وأضافت: “صرت أتجنب المشي حتى لو المشوار قريب.”
من الناحية التخطيطية، أكد المهندس المعماري سامر بركات أن الأرصفة ليست مجرد فراغات جانبية، بل جزء أساسي من البنية التحتية الحضرية:
“الأرصفة هي العنصر الذي يضمن التوازن بين حركة المشاة والمركبات، وجودها الفعّال يحقق ما يُعرف في التخطيط الحضري بـ استدامة التنقل الحضري، أي أن المدينة تُدار بشكل يُعطي الأولوية للتنقل الآمن والمرن للأشخاص، وليس فقط للمركبات”
المهندس المعماري سامر بركات لـ “الحل نت”
فعندما تتحول الأرصفة إلى مواقف عشوائية، تفقد وظيفتها الأساسية، ويُجبر الناس على السير في الطرقات معرضين للحوادث، إذ إن هذا السلوك يضعف أيضاً ثقافة المشي كوسيلة تنقل صحية، ويقوّض مبدأ “الحق في المدينة”، الذي يؤكد أن الفضاء العام ملك للجميع ويجب أن يبقى متاحاً بشكل عادل، بحسب بركات.
أسباب تفاقم الظاهرة
بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد قبل تسعة أشهر، شهدت دمشق موجات سكانية كبيرة من مختلف المحافظات، حيث ارتفع الاعتماد على السيارات الخاصة بشكل غير مسبوق وبغياب مواقف نظامية وحلول للنقل العام، مع تركز الأعمال والخدمات في العاصمة.

وتحوّلت الأرصفة سريعاً إلى خيار سهل ومجاني لركن السيارات، ما عمّق اختناق المشاة وشرعن الوقوف العشوائي كجزء من المشهد اليومي.
أخيرا، تعكس أزمة الأرصفة في دمشق معادلة مختلة: سيارات أكثر، أرصفة أقل، ومشاة بلا حقوق. بينما تستمر الأرصفة في فقدان وظيفتها لصالح المركبات، يظل المواطن البسيط الخاسر الأكبر في هذه المعركة اليومية غير المتكافئة. ويخشى كثيرون أن يتحول الرصيف من حق أساسي للمشاة إلى مجرد ذكرى حضرية في مدينة تتسع للمركبات أكثر مما تتسع لأهلها، في ظل غياب حلول جذرية أو تطبيق حازم للقانون.
