خلال الأشهر الأخيرة، تزايد حضور أفراد من عائلة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في قطاعات عديدة بهياكل ومؤسسات الدولة سواء كانت اقتصادية ودبلوماسية كما السياسي والثقافي. وهذا النفوذ يطرأ بينما تشهد سوريا مرحلة انتقالية يُفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة لا تعاود فيها تكرار الماضي البعثي في عهد الأسد الأب والابن وعلى رأسه وراثة الحكم وتغلغل العائلوية في مفاصل السلطة والحكم إلى جانب الطائفية.
وثمة بروز لإخوة الرئيس الانتقالي في مفاصل السلطة الجديدة، الأمر الذي يظهر في عدة نطاقات ولدى ملفات تبدو استراتيجية، حيث إن اثنان من أشقاء الشرع هما بالتحديد حازم وماهر يتغلغل نفوذهما في العلاقات الخارجية والاقتصادي في حين يتراجع أو بالأحرى تم تهميش نفوذ الشقيق الثالث على نحو غامض ومباغت فضلاً عن إغلاق مكاتبه في دمشق في آب/ أغسطس العام الماضي ضمن حملة وُصفت رسمياً بأنها لـ”مكافحة الفساد” في الدائرة المقربة من الشرع.
وكانت وزارة الإعلام بالحكومة السورية الانتقالية قد أكدت إغلاق مكتب الشقيق الأكبر للشرع وقالت إن “جمال الشرع لم يسمح له بالعمل في أي مجال استثماري أو تجاري”، لافتة إلى أن الرئاسة كانت قد أوضحت منذ تشكيل الحكومة أن جمال لا يشغل أي منصب رسمي.
هذا التباين في التعاطي مع أشقاء الرئيس ودورهم في العمل العام وكذا الرسمي، سواء تهميش أحدهم ومنح الآخرين أدواراً لها طبيعة سيادية وفي مواقع استراتيجية يبعث بتساؤلات عديدة، خصوصاً مع غياب واضح للمعلومات والحقائق التي يمكن من خلالها معرفة ملابسات كل حالة وتفاصيلها. لكن مع غياب أو تغييب جوانب عديدة من الصورة وتحديداً في ما يتصل بآليات تشكيل الحكم وشروط اختيار المسؤولين، يضاعف من غموض والتباس الوضع على مستوى معرفة أسباب استبعاد جمال الشرع، ووضع اثنين من أشقاء الرئيس في دائرة النفوذ القصوى.
دور اقتصادي متقدم في العلاقات الخليجية
وبحسب موقع “المونيتور” فإن الحضور المتنامي لاثنين من أشقاء الشرع يقع ضمن عملية إعادة تشكيل مراكز التأثير داخل السلطة. وقد سلّط الضوء قبل أيام، على حضورهما البارز في العلاقات مع دول الخليج وروسيا، في مرحلة تعيد فيها دمشق تموضعها إقليمياً بعد عام 2024.

ففي 7 شباط/فبراير الجاري، استقبل حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري، وفداً سعودياً رفيع المستوى في دمشق، قبيل توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات بين البلدين تتضمن قطاعات حيوية تتعلق بالبنية التحتية والمرافق الاستراتيجية مثل تطوير مطار حلب.
وأظهرت صور نشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) ووسائل إعلام محلية حازم وهو يستقبل الوفد، الذي ضم وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، إلى جانب مسؤولين سوريين بارزين.
ويقول الموقع الأميركي في تقريره إن حازم الشرع، وهو رجل أعمال يعمل منذ سنوات طويلة، يلعب دوراً رئيساً في تأمين الدعم الخليجي للحكومة الانتقالية. إذ إنه قد زار السعودية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي برفقة المدير العام لصندوق التنمية السوري صفوت رسلان.
وفي الشهر ذاته، أعلنت رابطة رجال الأعمال القطريين عقد اجتماع مع حازم ورسـلان لبحث فرص استثمار محتملة في سوريا. وعرّفته “وكالة الأنباء القطرية” حينها بصفته نائب رئيس المجلس الأعلى السوري للتنمية الاقتصادية، وهو المجلس الذي أنشأه الشرع في تموز/يوليو العام الماضي لدعم مسار التنمية وجذب الاستثمارات.
فيما تشير صفحة لحازم على منصة “لينكد إن” إلى أنه كان مقيماً سابقاً في أربيل/هولير بإقليم كردستان العراق، حيث شغل مناصب إدارية في عدد من شركات المشروبات الغازية.
وبحسب ما أوردته “سانا”، شملت الاتفاقيات مشاريع لتحلية المياه وتطوير مطار حلب، فيما صرّح الفالح لوكالة “الشرق” بأن قيمة التفاهمات الموقعة بلغت نحو 5.3 مليار دولار. ويأتي ذلك ضمن سلسلة تعهدات واستثمارات خليجية أعلنت عنها دمشق منذ تولي الشرع السلطة أواخر عام 2024.

وأشار “المونيتور” إلى أن حازم، وهو رجل أعمال سبق أن شغل مناصب إدارية في شركات خاصة خارج سوريا، يلعب دوراً محورياً في جذب الدعم الخليجي للحكومة الانتقالية.
وتزامن هذا الحضور مع إعلان دمشق عن تعهدات استثمارية خليجية، بينها استثمارات بقيمة 6 مليارات دولار في قطاعات متعددة خلال يوليو، إضافة إلى صفقة توريد كهرباء بقيمة 7 مليارات دولار وقّعها تحالف بقيادة قطري في أيار/مايو، وفق ما نقل الموقع.
الحضور في الملف الروسي
في موازاة الدور الاقتصادي، تناول التقرير دور ماهر الشقيق الثاني للشرع في ملف العلاقات الخارجية وتحديداً مع موسكو، مشيراً إلى مشاركته في لقاءات رسمية مع مسؤولين روس، من بينهم الرئيس فلاديمير بوتين، خلال زيارة أجراها الرئيس السوري إلى روسيا في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

وبحسب “المونيتور” يضطلع الأخير بدور بارز في تعزيز العلاقات السورية الروسية، وذلك من خلال خبرته السابقة في روسيا وروابطه العائلية هناك.
وعُيّن ماهر أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية في نيسان/ أبريل الماضي، وكان قبل ذلك يشغل منصب وزير الصحة بالوكالة في الحكومة الانتقالية. كما رافق شقيقه في زيارته الأولى إلى روسيا في تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي كذلك. في حين ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” حينها أنه يُعتقد أنه يتولى إدارة الملف الروسي في الرئاسة.
في المقابل، أشار التقرير إلى أن شقيقاً آخر للرئيس، وهو جمال الشرع، خرج من دائرة النفوذ بعد أن أمر الرئيس بإغلاق مكتبه في آب/أغسطس الماضي، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”. وذكرت الوكالة أن القرار جاء على خلفية اتهامات باستغلال علاقات عائلية لتحقيق مصالح تجارية شخصية.
الحضور الرمزي.. والد الرئيس في الواجهة الثقافية
في موازاة الأدوار التنفيذية التي يتولاها إخوة الرئيس، يرى ناشطون سوريون أن حضور والد الرئيس، حسين الشرع، في عدد من المناسبات الرسمية والثقافية، يبدو واضحاً ويحظى بتغطية موسعة من وسائل الإعلام الرسمية.
ونشرت وكالة الأنباء السورية (سانا) تقارير عن مشاركة حسين الشرع في فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، حيث وقّع خمسة من مؤلفاته، بحضور قرّاء وزوار المعرض، وتنوّعت الكتب بين الاقتصاد والتاريخ والسياسة.
ويُعرّف حسين الشرع نفسه بصفته باحثاً واقتصادياً من مواليد عام 1943، وله نحو عشرين مؤلفاً صدرت على مدى عقود، كان أحدثها عام 2025. غير أن اسمه لم يكن متداولاً على نطاق واسع في المجال العام السوري قبل تولي نجله رئاسة البلاد، ما جعل ظهوره المتكرر في الإعلام الرسمي مؤخراً محل ملاحظة لدى بعض المتابعين.

ورغم أن دور حسين الشرع لا يحمل طابعاً تنفيذياً أو سيادياً، فإن حضوره الإعلامي المتكرر في مناسبات رسمية وثقافية يُقرأ من قبل بعض المراقبين باعتباره بعداً رمزياً في المشهد العام، في ظل بروز أفراد من العائلة في مواقع اقتصادية ودبلوماسية بارزة.
في المحصلة، يبدو هذا النفوذ العائلي داخل السلطة الانتقالية ومفاصل حيوية واستراتيجية بمواجهة شكوك عديدة يثير تساؤلات جمّة، خصوصاً في ظل ضعف المؤسسات والبنى الوطنية وعدم التقدم نحو الحوكمة وبناء هياكل مؤسسية للدولة تضمن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. فليس ثمة رابط واضح بين تغليب أفراد واستبعاد آخرين.
ولئن تم استبعاد الشقيق الأكبر على ما يبدو بمنطق “عدم استغلال” النفوذ لوجود ارتباط مباشر مع الرئيس (حيث لم يتم الإعلان عن شبهات فساد بحقه أو عمل تحقيق حول نشاط مشبوه يخصه)، فإن الأمر ذاته بدا محفزاً للاقتراب من دائرة النفوذ والثقة ولعب دور مهم، بما يجعل هذه التناقضات أقرب لما كانت عليه سلطة “آل الأسد” وتوزيع الحكم على أساس المحسوبية أكثر من أهل الثقة.
- وزير الحرب الأميركي: الحصار محكم ضد إيران وواشنطن تسيطر على مضيق هرمز
- أمميتان تطالبان دمشق بالتحقيق في تهديدات ضد مدافعتين سوريتين
- من الساحل إلى تعز.. السعودية تستعد لإعادة فتح الجبهة اليمنية
- زيباري يكشف عن لقاء سري مع الشرع.. رسائل من دمشق إلى الزيدي و”الإطار”
- بعد الانسحاب الأميركي.. التحالف يركز على منع عودة “داعش” إلى سوريا والعراق

