بينما بدأ الخطاب السياسي في الولايات المتحدة الأميركية يتحدث عن أفق زمني لانتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، حيث كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه الحرب في إيران على وشك الأفول، أمسى الحديث يتركز على مستقبل النظام السياسي في إيران وارتباط ذلك بجملة التداعيات الجيوسياسية على واقع ومستقبل الأنظمة في المنطقة، خاصة الحكومة السورية الانتقالية في دمشق باعتبارها حاضنة سنية توازي الحضور الشيعي لإيران في الشرق الأوسط، وتمثل، في زاوية منه، بديلاً للعراق قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع صدام حسين، أمسى، أكثر انتشاراً.
في خطابين منفصلين، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أفق مسار العمليات العسكرية، مرة حين قال إنها تتحرك داخل أفق زمني يراوح ستة أسابيع، وأخرى شدد على أن الضربات قصمت القدرات العسكرية للنظام الإيراني. غير أنه لفت إلى أنه غير راضٍ عن تسمية خامنئي الابن مرشداً جديداً في طهران.
هنا يمكن التقاط أن جزءاً مهماً من بنك الأهداف للعمليات الميدانية التي تجري على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023، وربما قبل ذلك، يميل نحو تطويع النظام السياسي في إيران بما يتواءم مع أهداف الولايات المتحدة لشكل وملامح التحالفات وبنية المصالح في النظام الدولي.
إيران وأفق الحرب الجارية
جاء تمدد الهلال الشيعي في الشرق الأوسط خلال سنوات العقد الفائت على خلفية تطورات سياسية عصفت ببنية دول وأنظمة، خاصة في اليمن ولبنان وسوريا، فضلاً عما جرى في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين؛ الأمر الذي سمح لإيران بأن تتمدد بما هو أكثر مما يتحمل واقع السياسة والعلاقات الدولية، وأبعد من توازنات النفوذ في الشرق الأوسط، وأعمق من جملة المتغيرات التي طرأت بعد عمليات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

إلى ذلك، لم تكن العمليات العسكرية ضد إيران خلال السنتين الأخيرتين بعيدة عن مفاوضات السياسة ومجرياتها التي تبحث في سيناريوهات واحتمالات الواقع السياسي ومتغيراته، خاصة بعد سقوط نظام الأسد الابن في سوريا خلال نهاية العام 2024، وشكل المفاوضات التي تدور بين واشنطن وموسكو حول كيفية إنهاء الغزو الروسي في أوكرانيا، وحدود نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، ومصالح الصين في المنطقة.
جاء انتخاب مجلس خبراء القيادة لخامنئي الابن مرشداً أعلى جديداً في إيران خياراً مرناً على خلفية مقتل أبيه صبيحة العمليات العسكرية، وكإشارة على قدرة النظام العقائدي والسياسي في طهران على تجاوز الصدمة وتجرّع كأس السم، ودلالة على أن هدف إسقاط النظام يحتاج إلى عمل أكثر كلفة، مما يتيح التباحث والتفاوض على جملة أهداف أخرى.
إذ قد يكون المرشد الجديد، وسط كل هذه الظروف الميدانية ووطأة عوامل الضغوط الداخلية والخارجية، مجتبى خامنئي، وعلى خلفية ذلك، يمتلك شرعية الانخراط في مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة تحت مبدأ “دبلوماسية الردع”، بهدف الحفاظ على بنية النظام والتخلي طوعاً عن بعض الأذرع في المنطقة مرحلياً، بما يسمح بتفادي السقوط الحر وتقليل نزيف الخسائر الاستراتيجية، خاصة مع تصريحات الرئيس ترامب التي أشار فيها إلى عدم رضاه عن اختيار مجتبى مرشداً جديداً؛ وقد يكون ذلك معبّراً عن سياسة الرئيس الأميركي في ممارسة الضغوط القصوى بغية الوصول إلى النتائج المتوقعة في تقديره.
تموضع إيران وإعادة ترتيب الشرق الأوسط
نحو ذلك، قد يبدو من المنطقي أن أي تغير يلحق ببنية النظام الإيراني لن يكون مؤثراً في محيطه المحدود فحسب، بل سيغدو متغيراً استراتيجياً في معادلات النفوذ والتأثير داخل جغرافيا الشرق الأوسط بشكل عام، وعميقاً في تداعياته ومتغيراته على بعض الدول والأنظمة، سيما سوريا وسلطة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في دمشق.
يرتبط هذا السيناريو بفرض واحتمال مرجح أن تُفضي العمليات العسكرية ضد إيران إلى مقاربة سياسية تؤدي إلى تموضع إيران داخل محيط أقل تمدداً مما هي عليه الآن، وبالأحرى تراجع قدراتها التأثيرية على الأذرع الإقليمية الممتدة ضمن ما بات يُعرف بـ”وحدة الساحات”؛ الأمر الذي يعني إعادة تقييم الأدوار الوظيفية لبعض الأنظمة السياسية، وإعادة تعريف طبيعة المهام الاستراتيجية المسندة إليها في الأفق المنظور.
من المؤكد يرتبط هذا الطرح بطبيعة النتائج المترتبة على العمليات العسكرية في إيران، وما ستؤول إليه المفاوضات السياسية بين واشنطن وطهران تحديداً، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وسطاء آخرين.
إذ قد يعني انخراط إيران في محور أهداف الولايات المتحدة الأميركية، بتماهٍ كامل، خروج معادلة الدور الوظيفي للحكام الجدد في دمشق على اعتبارهم خطاً إسلامياً سنياً يجابه النفوذ الشيعي في الجغرافيا السياسية داخل منطقة الهلال الخصيب، ما يعني أيضاً أن الدعم الخليجي، وخاصة الذي تقدمه السعودية لدمشق، قد يصبح دون مبررات استراتيجية حقيقية في توازنات المصالح والنفوذ في المنطقة.
وفي المقابل، قد يبدو سيناريو تموضع إيران في محور الدول متوسطة القوة، بما يسمح لها بتأدية أدوار وظيفية لواشنطن في محيطها الحيوي، مسألة تجابه جملة من التحديات؛ أقلها قدرة طهران على حشد قواها من جديد في أفق زمني معلوم، ومعاودة تهديد القوى الفاعلة دولياً، خاصة واشنطن، وبالتالي يظل هامش الأدوار الوظيفية متاحاً.

بيد أن هذه الفرضيات، بقدر ما تحمله من سيناريوهات نحو إعادة تمثّل موازين النفوذ في جغرافيا الشرق الأوسط، تجابه في المقابل عديداً من التحديات البنيوية المرتبطة بطبيعة النظام السياسي في إيران وبالقدرة التاريخية لمؤسساته الأمنية والعقائدية على امتصاص الصدمات وإعادة تعريف التوازنات الداخلية، فضلاً عن تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل مصالح القوى الدولية الفاعلة فيه.
وبالتالي، فإن الوصول إلى نتيجة مؤداها إضعاف طهران عسكرياً قد لا يمثل بالضرورة انهياراً تاماً وكاملاً لشبكات وكلائها وأذرعها في الإقليم، كما أن أي مسار تفاوضي محتمل بين واشنطن وطهران قد يفضي إلى تسويات تكتيكية تعيد صياغة حدود النفوذ الإيراني أكثر مما تدفع نحو تفكيكه هيكلياً.
تداعيات على سوريا والقوى الإقليمية
يظل الدعم الخليجي، لا سيما ما تقدمه السعودية للحكومة الجديدة، أحد أهم عناصر جدارية استقرار الأدوار الوظيفية للقوى الفاعلة في دمشق، غير أن ذلك سيكون متسقاً بشكل فاعل ومباشر مع مدى حاجة الحالة الإقليمية لمعادلة الحضور والنفوذ الإيراني في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، خاصة وأن سوريا تعد نقطة فاعلة ومؤثرة جيوسياسياً مع العراق ولبنان داخل معادلة النفوذ الإيراني.
الأمر يدفع المعادلة بوضوح داخل مقاربة تشير إلى أنه كلما كانت طهران قادرة على تعزيز حضورها في الساحات السورية أو الإقليمية عبر شبكات وكلائها وأذرعها العسكرية والعقائدية، ازدادت مبررات استمرار الدعم الخليجي عند مستويات مرتفعة لضمان استدامة منسوب التوازن ومعادلة مواجهة النفوذ الشيعي. والعكس صحيح، بمعنى أن أي تراجع مرجح في القدرة الإيرانية بفعل الضربات العسكرية أو مسارات تفاوضية محتملة مع واشنطن قد يدفع هذه المعادلة نحو التغيير بشكل جذري، حيث قد تقل الحاجة الإقليمية للدعم الخليجي المباشر للحكومة الانتقالية بدمشق وللقوى السنية المحسوبة على توازن النفوذ.
وتالياً قد يدفع ذلك بعض الأطراف الخليجية إلى إعادة تقييم حجم الدعم وتركيزه، وربما تحويله نحو ترتيبات سياسية مختلفة تتواءم مع المعطيات الجديدة في الشرق الأوسط. وهكذا، يظل استمرار أدوار الفاعلين المحليين في دمشق مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتطورات الوضع في إيران.
إذن، وفي هذا السياق، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ضوء المعطيات التي بدت خلال الأيام الأخيرة من العمليات العسكرية وتداعياتها السياسية، هو تموضع إيران في سياق مقاربة دولة إقليمية بمعطيات جيوسياسية لها دلالات براغماتية في محيطها الإقليمي والدولي، لكنها ستبقى مقيدة القوة والحركة ضمن حدود توازنات الردع والتأثير.
هذا المؤثر وحده قد يعد الضامن لاستمرار بنية النظام السياسي في إيران، غير أن ذلك لا يضمن، على الإطلاق، لبقية الأدوار الوظيفية في المنطقة الاستمرار بنفس زخم التأثير والدعم.
وبالتالي، لا يعد ترجيح استمرار النظام الإيراني، رغم تقويض قوته ومساحات الحركة الفاعلة، مؤشراً على أنه سيظل قادراً على ممارسة نفس أدواره الفاعلة والمؤثرة على المستوى الإقليمي سوى بالقدر الذي يضبط المشهد والتوازنات، لكن مهام القوى الوظيفية في الشرق الأوسط، خاصة في دمشق، قد تصبح قيد التغيير أو التعديل بحسب معادلات السلاح والسياسة.
خريطة الأدوار الوظيفية ستظل رهينة التوازنات بين السلاح والسياسة
بالمحصلة يمكن القول إن لحظة الصدام العسكري مع إيران لا تمثل بالضرورة لحظة حسم نهائي بقدر ما تعكس مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب معادلات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. فالتجربة التاريخية للنظام الإيراني تشير إلى قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمات الاستراتيجية وإعادة تموضع أدواته السياسية والأمنية بما يضمن استمرار بنيته الأساسية، حتى في ظل خسائر ميدانية أو ضغوط دولية غير مسبوقة.
ومن ثمّ، فإن المسار الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في انهيار كامل للنظام، بقدر ما يتجسد في إعادة صياغة دور إيران الإقليمي ضمن حدود أكثر انضباطاً وتقييداً بفعل موازين الردع الجديدة.

وفي المقابل، فإن أي إعادة تعريف لحدود النفوذ الإيراني ستنعكس حتماً على بنية الأدوار الوظيفية للقوى الإقليمية الأخرى، لاسيما في سوريا والعراق ولبنان، حيث ترتبط استدامة بعض التوازنات السياسية والأمنية بوجود عامل الموازنة مع طهران. فكلما تقلصت قدرة إيران على إدارة شبكات نفوذها الإقليمية، ازداد احتمال إعادة تقييم التحالفات والدعم الإقليمي لبعض الفاعلين المحليين، بما يفتح الباب أمام تحولات أوسع في هندسة النظام الإقليمي.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة إقصاء لإيران بقدر ما ستكون مرحلة إعادة تعريف على المستويين السياسي والإقليمي بما يعنيه ذلك من ضبط مشروط ضمن معادلات القوة الإقليمية والدولية. ومع عدم استبعاد طهران وجود طهران كلاعب له حضور في معادلة الشرق الأوسط، إلا أنها ستكون بقدرة حركة أقل اتساعاً وتأثيراً ومناورة محدودة بخلاف ما مضى على مدار عقد كامل، فيما ستظل خريطة الأدوار الوظيفية للقوى الأخرى وفي مقدمتها دمشق رهينة التوازن الدقيق بين السلاح والسياسة، وبين منطق الردع العسكري ومتطلبات التسويات الجيوسياسية التي قد ترسم ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
