كيف تدفع شعوب العراق ولبنان ثمن حروب طهران بالوكالة؟

مع اتساع دائرة الصراع الإقليمي المرتبط بإيران، تجد الدول والميليشيات المرتبطة بطهران نفسها في قلب أزمات تتجاوز قدرتها في التحكم بمسارها. فمن لبنان والعراق إلى اليمن، تحولت هذه الدول إلى ساحات لحروب بالوكالة. بينما يدفع سكانها الكلفة الحقيقية من خلال تدهور الاقتصاد وارتفاع معدلات الفقر. بالإضافة إلى ذلك، هناك نزوح جماعي وتفاقم الازمات الإنسانية.

وهنا يبرز السؤال الرئيسي: كيف تدفع شعوب هذه الدول تكلفة حروب طهران بالوكالة؟

لبنان.. ساحة المواجهة الأكثر كلفة

تحولت الحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل إلى ساحة مواجهة متوترة إثر إطلاق “حزب الله” صواريخ تجاه إسرائيل، ورد الجيش الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية.

وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن المواجهات أدت إلى نزوح نحو 800 ألف شخص. على صعيد آخر، تفاقمت الأزمة الاقتصادية التي يعانيها البلد منذ سنوات.

اقتصادياً، يتخوف خبراء من أن يؤدي التصعيد إلى ضربة جديدة لقطاعات حيوية مثل السياحة والخدمات والتحويلات المالية، وهي ركائز الاقتصاد اللبناني. كما أن استمرار التوتر الأمني يهدد ما تبقى من الاستثمارات الأجنبية ويزيد الضغط على الليرة اللبنانية.

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن أي حرب واسعة قد تكلف لبنان مليارات الدولارات من الخسائر في البنية التحتية والاقتصاد.

أما على الصعيد السياسي، يواجه الحزب انتقادات داخلية بسبب دوره في الصراع، إذ يرى خصومه أن انخراطه العسكري في الصراع يخدم استراتيجية إيران الإقليمية أكثر مما يخدم مصالح الدولة اللبنانية.

ويشير تحليل في صحيفة فايننشال تايمز إلى أن الحرب عززت عزلة الحزب داخل المشهد السياسي اللبناني. كذلك، خسر شعبيته داخل حاضنته التي باتت في الحزب أداة تخدم المصالح الإيرانية.

العراق.. نفوذ الميليشيات يربك الدولة

في العراق، يشكل نفوذ فصائل مرتبطة بإيران، وعلى رأسها “الحشد الشعبي”، عامل توتر دائم للحكومة العراقية، بين الضغط من الميليشيات ومتطلبات علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن هجمات الميليشيات المدعومة من إيران على القوات الأميركية ساهمت في تصعيد التوتر الأمني داخل البلاد.

لكن التأثير لا يقتصر على الجانب الأمني. فالعراق يعتمد بشكل كبير على الاستثمارات والمساعدات الأميركية في قطاع الطاقة. علاوة على ذلك، فإن أي تصعيد عسكري قد يدفع الشركات الدولية إلى تقليص نشاطها أو الانسحاب. وقد حدث ذلك بالفعل في فترات توتر سابقة.

وفي تحقيق نشرته وكالة رويترز، أبدت بعض الفصائل العراقية تردداً في البداية في الانخراط الكامل في صراع إقليمي واسع، خوفاً من رد عسكري قد يهدد نفوذها داخل العراق.

لكن مع تصاعد الخسائر الإيرانية كثفت هذه الفصائل العراقية هجماتها على القواعد الأميركية في العراق والمنطقة.

وأعلنت يوم أمس “المقاومة الإسلامية في العراق” وهي ميليشيا مرتبطة بإيران، نفذت 27 عملية عسكرية ضد قواعد أمريكية في العراق والمنطقة خلال 24 ساعة الماضية.

الحوثيون.. حرب البحر الأحمر

أما في اليمن، يواصل حركة “أنصار الله”، تنفيذ هجمات على السفن في البحر الأحمر، في خطوة تقول الحركة إنها مرتبطة بالصراع الإقليمي. هذه الهجمات أدت إلى اضطراب كبير في التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن البحري.

لكن اليمن نفسه يدفع ثمناً باهظاً، فاقتصاده، الذي كان هشاً أساساً بسبب الصراع الممتد لأعوام، أذ يعاني من انهيار شبه كامل في العملة والبنية الاقتصادية.

وتشير تقارير دولية إلى أن اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما يعتمد ملايين السكان على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة.

فاتورة الصراع.. يدفعها المواطنون

يرى باحثون في مراكز دراسات غربية أن إيران تعتمد منذ عقود استراتيجية دعم جماعات مسلحة خارج حدودها لتعزيز نفوذها الإقليمي. مما منحت طهران قدرة على الضغط على خصومها دون مواجهة عسكرية مباشرة.

لكن في المقابل، تتحول الدول التي تحتضن هذه الميليشيات إلى خطوط مواجهة مفتوحة. في الوقت نفسه، تتداخل الأزمات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية، ما يضاعف معاناة السكان.

وفي المحصلة، تبدو هذه الدول ساحات لحروب بالوكالة. في الوقت نفسه، يدفع المواطنون الثمن الحقيقي عبر نزوح جماعي، تدهور اقتصادي، وانهيار الخدمات الأساسية. وفي ظل ذلك، تتعمق الانقسامات السياسية والاجتماعية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم