الهول منطقة عسكرية بعد مقتل امرأة برصاص الأمن الحكومي

أعلنت إدارة الأمن الداخلي الجديدة في مخيم “الهول” بريف الحسكة الشرقي، التابعة للحكومة السورية الانتقالية، تحويل المخيم ومحيطه إلى منطقة عسكرية مغلقة بالكامل، مع فرض حظر تام على الاقتراب أو الدخول. القرار طُرح بوصفه إجراءً لحماية السكان، بعد فترة من الانفلات الأمني أعقبت إخلاء المخيم، ما يبدو انتقالاً متأخراً إلى التشدد بعد إخفاق كانت كلفته حياة امرأة فقيرة.

إطلاق نار يوقع ضحية

حادثة مقتل امرأة من إحدى القرى المجاورة شكّلت نقطة تحوّل، وكشفت في الوقت ذاته طبيعة المقاربة الأمنية. عدنان العلي، من سكان بلدة الهول، أفاد بأن المخيم شهد محاولات تسلل متكررة رغم التحذيرات، خاصة مع وجود الألغام بمحيطه. لكن عمليات السرقة لم تتوقف نظراً لما يعيشه سكان القرى المجاورة من حالة فقر شديدة تدفع بعضهم للمخاطرة والدخول إليه.

وأوضح العلي أن المرأة دخلت إلى المخيم مؤخراً، ما دفع أحد عناصر الأمن إلى إطلاق النار بقصد الترهيب، غير أن الرصاص أصابها مباشرة وأدى إلى مقتلها. الحادثة أثارت توتراً في المنطقة، قبل أن يتوجه وفد أمني إلى ذوي الضحية في قرية الجنبة، حيث قُدّمت التعازي مع وعود بمحاسبة المسؤول، بحسب ما نقلت “عنب بلدي”.

وبحسب العلي، فإن قرار إعلان المخيم منطقة عسكرية مغلقة صدر بعد ساعات قليلة من هذه الواقعة، وهو ما يطرح أسئلة مباشرة: لماذا لم يصدر هذا القرار من قبل؟ وما الذي يبرر استخدام الرصاص الحي؟ وهل يعكس ذلك خللاً في تدريب العناصر؟

فراغ متوقّع

تحويل المخيم إلى منطقة عسكرية جاء بعد تعرضه لعمليات سرقة وتخريب واسعة طالت بنيته التحتية عقب إخلائه. هذا الفراغ لم يكن مفاجئاً، إذ جاء نتيجة هجوم عنيف لفصائل تابعة للحكومة السورية على مواقع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ما أجبر الأخيرة على الانسحاب بعد تحذيرات متكررة.

ورغم وضوح هذا المسار مسبقاً، لم تُتخذ إجراءات استباقية لتأمين الموقع أو تنظيم عملية تسلّمه، ما أفضى لفرار الآلاف من قاطنيه الذين يرتبط كثيرون منهم بتنظيم “داعش”. كما فتح هذا الغياب المجال أمام سكان القرى المجاورة للدخول إلى المخيم ونهب محتوياته. كما تعرّضت مكاتب ومراكز المنظمات العاملة فيه للتخريب والحرق، وجرى تفكيك أجزاء كبيرة من البنية التحتية.

المخيم، الذي كان يضم نحو 80 ألف شخص في ذروة اتساعه، شكّل هدفاً مفتوحاً، نظراً لما يحتويه من خيام ومرافق صحية وغرف مسبقة الصنع ومستودعات، إضافة إلى معادن قابلة للبيع. واستمرت عمليات النهب حتى بعد انتشار القوى الأمنية، ما يعكس ضعف السيطرة حتى في مرحلة لاحقة.

سوء إدارة

مخيم الهول (انترنت)

يقع المخيم جنوب بلدة الهول، قرب الحدود السورية-العراقية، وتحيط به قرى عدة، ما يجعله عرضة للتسلل في حال غياب ضبط فعلي. ورغم إخلائه، لا تزال مخاطره قائمة، سواء بسبب الألغام ومخلفات الحرب، أو نتيجة البنية المهجورة التي تجذب الباحثين عن مواد قابلة للبيع.

ورغم خطورة الألغام التي تحدثت عنها الإدارة الجديدة، لا توجد معلومات عن جهود واضحة أو معلنة لإزالتها. هذا الغياب يطرح تساؤلات حول أولويات الإدارة الجديدة: هل يقتصر التعامل على الإغلاق العسكري، دون معالجة المخاطر الفعلية؟ وما مدى سوء ظروف السكان الذين يخاطرون بحياتهم للحصول على ما يستطيعون بيعه؟ وهي تساؤلات تتعلق بغياب المعالجة الأوسع للسياق المحلي.

مستقبل معلّق

بدأت عملية إفراغ مخيم “الهول” في 17 شباط الماضي، عبر نقل القاطنين إلى مخيم “أخترين” في ريف حلب الشمالي، ضمن خطة لإعادة توزيع السكان، بالتوازي مع إعادة مجموعات من العراقيين إلى بلادهم. واستمرت هذه العملية على مراحل إلى أن تم تفريغ المخيم بالكامل.

تزامن ذلك مع انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من المخيم أواخر كانون الثاني، تحت ضغط الهجمات التي استهدفت مواقعها، قبل أن تتولى القوات الأمنية التابعة للحكومة السورية الانتقالية السيطرة عليه. غير أن مرحلة مابعد “قسد” اتسمت بقدر واضح من الارتباك والفوضى ، إذ لم تُفرض إجراءات الضبط الفعلي إلا بعد أن كلف الأمر حياة امرأة، رغم تكرار حوادث السرقة والتخريب طوال شهرين كاملين.

ومع هذا التحول، انتقل مخيم “الهول” من كونه مركزاً مكتظاً يُعد من أكثر الملفات تعقيداً في شمال شرقي سوريا، إلى موقع مغلق عسكرياً يخضع لإجراءات مشددة. إلا أن هذا التحول لم يترافق مع رؤية واضحة لمستقبله، سواء من حيث تفكيكه بشكل نهائي أو إعادة استخدامه في سياق أمني أو إنساني، ما يبقيه ملفاً مفتوحاً يعكس استمرار تعقيدات المشهد في المنطقة، وإن تبدلت طبيعته.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم