بعد أسابيع من الاستقرار النسبي الذي شهدته الليرة السورية مع تدفق الحوالات الخارجية وزيادة الإنفاق المرتبط بعيد الأضحى، تتجه الأنظار إلى ما بعد الموسم لمعرفة ما إذا كان هذا الاستقرار قادراً على الصمود أم أنه مجرد استراحة مؤقتة تسبق موجة جديدة من الضغوط النقدية.
وبين تراجع الحوالات المرتقب، وبدء صرف مستحقات القمح، وزيادة السيولة المحلية بفعل الرواتب والزيادات الأخيرة، تتباين السيناريوهات بشأن مستقبل سعر الصرف، وسط تحذيرات من أن العوامل الهيكلية التي أضعفت الليرة خلال السنوات الماضية ما تزال قائمة دون معالجة حقيقية.
ضغوط ما بعد العيد
يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور حسن حزوري، أن ما تلا عيد الأضحى المبارك قد لا يكون بداية استقرار جديد لليرة السورية بقدر ما هو مرحلة مرشحة لعودة الدولار إلى الصعود التدريجي، وفق ما نقلت عنه “الوطن”.

وأوضح أن الموسم الذي يرفع عادةً عرض القطع الأجنبي عبر الحوالات والإنفاق المرتبط بالعيد ينتهي سريعاً، فيما يبقى الطلب على الدولار قوياً مع بدء دفع أثمان القمح للفلاحين، وازدياد السيولة بالليرة نتيجة الرواتب والزيادات الجديدة، ثم ميل جزء من المتعاملين إلى تحويل ما يحصلون عليه من ليرات إلى دولارات باعتبارها أداة تحوط أكثر أماناً في اقتصاد ما يزال يعاني من ضيق السيولة وتراجع النشاط الحقيقي.
ويضيف أن أي هبوط أو استقرار قد يطرأ على سعر الصرف بعد العيد سيكون، في أفضل الأحوال، مؤقتاً ومشروطاً بتدخل نقدي مباشر من مصرف سوريا المركزي، سواء عبر تشديد السيولة أو عبر ضخ الدولار من خلال قنوات الصرافة، لكنه يلفت إلى أن قدرة هذا التدخل تبدو محدودة ما لم يُدعَم بموارد حقيقية ومستدامة من العملات الأجنبية.
مؤشرات مقلقة
تنسجم هذه القراءة التحذيرية مع تقديرات البنك الدولي التي ترى أن الاقتصاد السوري لا يزال يخرج ببطء شديد من الصدمة، إذ لم يتجاوز النمو المتوقع 1 بالمئة في عام 2025 بعد انكماش بلغ 1.5 بالمئة في عام 2024، وسط قيود سيولة وتعطيل في المساعدات الخارجية ومحدودية الوصول إلى النظام المالي الدولي.

كما تظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي أن كلفة سلة الإنفاق الدنيا في سوريا ارتفعت إلى 2.43 مليون ليرة قديمة في شباط 2026، مع بقاء فجوة واضحة بين السعر الرسمي والفعلي للدولار، الأمر الذي يعكس أن تحسن الأسعار أو تراجع الدولار في السوق لا يترجم بالضرورة إلى تحسن ملموس في المعيشة ما دامت الضغوط التضخمية وتكاليف الغذاء والطاقة مرتفعة.
وفي هذا السياق، يحذر حزوري من أن احتمال حصول قفزة حادة وسريعة في الدولار يبقى قائماً إذا تزامن انحسار الحوالات بعد العيد مع دفع مستحقات القمح للفلاحين بكميات كبيرة، أو مع أي توتر سياسي إقليمي جديد، أو ارتفاع إضافي في أسعار المحروقات وزيادة الاستيراد.
استقرار هش
يختم حزوري تحليله بالإشارة إلى أن التحسن الذي شهده سعر الصرف قبل العيد لم يكن تعبيراً عن تحول بنيوي في الاقتصاد بقدر ما كان نتيجة عوامل موسمية مؤقتة، أبرزها زيادة الحوالات مع العيد، وتدفق بعض القطع الأجنبي من المغتربين والزوار، بينما بقيت المشكلات الأساسية قائمة بين ضعف الإنتاج الحقيقي، وشح الدولار، وتراجع الاحتياطي النقدي، واعتماد الاقتصاد على تحويلات وخدمات متقطعة أكثر من اعتماده على قاعدة إنتاجية متينة.
وتؤكد تقارير دولية حديثة أن جزءاً من توازن الحسابات الخارجية السورية ما زال يستند إلى التحويلات والموارد المرتبطة بالانفراج السياسي النسبي، لا إلى تعافٍ اقتصادي كامل، ما يجعل أي استقرار في الليرة هشاً وقابلاً للانعكاس سريعاً إذا غابت التدفقات الحقيقية من الاستثمار والصادرات والدعم الخارجي، وهو ما يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على تحويل الاستقرار المؤقت إلى متين.
- تأهيل مطار المزة يثير مخاوف من طمس أدلة الانتهاكات
- بعد رفض دخولهن الجيش.. المقاتلات الكرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة
- لجنة المناهج الكردية لـ”الحل نت”: معهد لإعداد معلمي اللغة الكردية قريباً في الحسكة وعفرين
- العراق يفعّل اتفاق طريق التنمية مع تركيا.. ما الخطة؟
- معركة الرواية في واشنطن.. هل يعرف العالم “الحوثيين” كما يراهم اليمنيون؟

