لم يكن المشهد في القرى الممتدة على ضفاف نهر الفرات مجرد ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه أو غرق مساحات زراعية محدودة، بل بدا أقرب إلى اختبار اقتصادي جديد يواجهه السوريون في مرحلة تعاني فيها البلاد من هشاشة مالية وتراجع حاد في القدرة العامة على الاستجابة للكوارث.
فمع اتساع الأضرار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة في مناطق شرق الفرات، برزت أسئلة تتجاوز حجم الخسائر المباشرة لتطال كفاءة الإدارة الحكومية، ومستوى الجاهزية المؤسسية، وقدرة الاقتصاد السوري المنهك على تحمل فاتورة تعافٍ جديدة قد تمتد آثارها لأشهر وربما سنوات.
كيف تشكلت موجة الفيضان؟
تشكل هذا الفيضان نتيجة تضافر عوامل نادرة، فقد شهد حوض النهر في تركيا وسوريا موسماً مطرياً وثلجياً استثنائياً خلال شتاء وربيع 2026، بالتزامن مع ذوبان الثلوج في المرتفعات التركية، لتلجأ السلطات التركية إلى فتح بوابات مفيض سد “أتاتورك” للمرة الأولى منذ 7 سنوات، ما أدى إلى تدفقات مائية وصلت إلى 4 أضعاف مستوى الجريان الطبيعي، وتسبب في أزمات إنسانية وخدمية واسعة.

وقد وجهت انتقادات عدة تجاه التجاهل التركي للمصالح السورية، معتبرة أن رفع أنقرة المياه فجأة أضعاف المعدل المعتاد، من دون إنذار حقيقي، أسهم في توسع الكارثة، بينما بررت أنقرة بأنها أبلغت دمشق عبر القنوات الفنية بزيادة الإطلاقات بسبب امتلاء السدود.
وفاجأت هذه التدفقات المائية المؤسسة العامة لسد الفرات، التي كانت تدير بحيرة تخزينية بلغت نسبة امتلائها 98.5 بالمئة، مما حرمها من قدرة استيعاب أي فائض مائي، مما دفعها إلى فتح بواباتها الأربعة لأول مرة منذ 36 عاماً، لتمرير نحو 1000 متر مكعب في الثانية من دون أن تتمكن من كسر الموجة.
أرقام أولية لحجم الخسائر
تتنوع الأضرار بين المباشرة وغير المباشرة، حيث تشير الإحصائيات الأولية الصادرة عن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إلى تضرر ما لا يقل عن 2400 عائلة في محافظة دير الزور وحدها، كما تضيف وزارة الزراعة أن نحو 1500 دونم من الأراضي الزراعية غمرت بالكامل في ريف الرقة الغربي، مع خسائر أولية في محصول القمح تقدر بنحو 200 ألف .
لكن الأخطر من هذه الأرقام هو ما خلفته الفيضانات على صعيد الخدمات الأساسية، فقد كشفت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي أن 50 محطة مياه في ريف دير الزور أي نحو ربع الإجمالي خرجت عن الخدمة، بينما انهارت ثلاثة جسور ترابية رئيسية تصل بين ضفتي النهر، الأمر الذي فصل المناطق الشرقية عن الغربية وضاعف تكاليف النقل والشحن لمرات عدة.
وقالت إدارة سد “الفرات” إن تدفق المياه مرشح للارتفاع إلى ما بين 500 و800 متر مكعب في الثانية، ما سيرفع مستوى المياه في المناطق الواقعة بعد سد كديران، دون أن يشكل خطراً مباشراً على القرى والبلدات الممتدة على جانبي النهر.
تحذيرات بلا استجابة كافية
ليس الجديد في هذه الأزمة هو الفيضان نفسه، بل حجم التفاوت بين حجم التحذيرات التي أطلقتها وزارة الطاقة ووزارة الطوارئ في الأيام السابقة للكارثة، وبين الاستعداد الميداني الفعلي لمنع وقوع تلك الخسائر.

وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان الثلاثاء إلى أن “الجهات المعنية في الحكومة الانتقالية تواصل الاكتفاء بإطلاق التحذيرات والتنبيهات دون اتخاذ إجراءات احترازية فعلية أو تنفيذ خطط طوارئ تحدّ من تداعيات الفيضانات المتصاعدة”.
وقد علّق وزير الطوارئ السوري على الانتقادات بالقول إن “نهر الفرات لم يشهد أي فيضانات تتجاوز مساره الطبيعي حتى اللحظة”، معتبراً أن مستويات المياه عادت إلى مسارها الآمن، لكن أهالي القرى التي غمرتها المياه يصفون هذه القراءات بأنها “منفصلة عن الواقع”، ففيما كانت التحذيرات تتحدث عن “ارتفاع منسوب”، كانت قرى بأكملها تغرق تدريجياً.
خسائر تتجاوز الأضرار المباشرة
في هذا السياق يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، الدكتور خليل حمدان، أن التداعيات الناجمة عن فيضانات نهر الفرات تتجاوز بكثير الأضرار المباشرة المرتبطة بارتفاع منسوب المياه أو غمر بعض المناطق السكنية والزراعية، لتشمل آثاراً اقتصادية واجتماعية وإدارية واسعة النطاق قد تستمر لفترات طويلة ما لم تتم معالجتها ضمن إطار متكامل يجمع بين الاستجابة العاجلة والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.
التجارب الدولية تثبت أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الفيضانات لا تقتصر على تدمير الممتلكات أو الأصول المادية، بل تمتد إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وعرقلة حركة الأسواق وسلاسل التوريد ورفع تكاليف الخدمات والنقل، وهو ما يضاعف الأعباء الواقعة على المجتمعات المحلية والاقتصادات الهشة.
أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، الدكتور خليل حمدان
وأشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية والثروة الحيوانية تمثل خسارة مباشرة لمصادر الدخل والإنتاج المحلي، إلا أن التأثير الأعمق يتمثل في تعطل البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي.
الأسعار تحت ضغط الفيضانات
أوضح حمدان أن تعطل طريق رئيسي أو جسر حيوي لا يعني فقط الحاجة إلى أعمال صيانة وإصلاح، بل يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن وإطالة زمن التنقل وتعطيل حركة الأفراد والبضائع، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات ويزيد الضغوط على المنتجين والتجار والمستهلكين في آن واحد.

وأضاف أن من بين التداعيات التي غالباً ما لا تحظى بالاهتمام الكافي تأثير الكوارث الطبيعية على سوق الإسكان والخدمات المحلية، إذ يؤدي تضرر المنازل ونزوح بعض الأسر إلى مناطق أكثر أمناً إلى زيادة الطلب على المساكن والإيجارات والخدمات الأساسية، ما يفرض ضغوطاً إضافية على المجتمعات المستضيفة ويرفع تكاليف المعيشة على الأسر المتضررة والسكان المحليين على حد سواء.
وفي ما يتعلق بمرحلة التعافي، اعتبر حمدان أن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في تحديد الجهة القادرة على تحمل كلفة إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي، مؤكداً أن من الصعب تحميل الأسر المتضررة وحدها أعباء إصلاح المنازل والممتلكات في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع أسعار مواد البناء والخدمات، كما أن قدرة الموازنات العامة على تغطية كامل الخسائر تبقى محدودة بسبب الضغوط المالية والاحتياجات التنموية المتزايدة.
من يدفع فاتورة التعافي؟
شدد حمدان على أن التعافي الفعّال يتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية وبرامج التعافي المبكر والقطاع الخاص والمبادرات المجتمعية، بما يضمن إعادة تشغيل الخدمات الأساسية والبنية التحتية الحيوية وتسريع عودة الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها.
وأكد أن الكارثة تطرح أيضاً تساؤلات جوهرية حول مستوى الجاهزية المؤسسية وإدارة المخاطر، في وقت يشهد فيه العالم تزايداً ملحوظاً في وتيرة الفيضانات وموجات الجفاف والعواصف نتيجة التغيرات المناخية، لافتاً إلى أن ارتفاع معدلات الأمطار والتساقطات الثلجية خلال الموسم الماضي كان ينبغي أن يشكل مؤشراً مبكراً يدفع إلى رفع مستوى الاستعداد وتعزيز خطط الطوارئ تحسباً لاحتمال ارتفاع مناسيب الأنهار والمجاري المائية.
وأشار إلى أن إدارة الكوارث الحديثة تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في أن الإنذار المبكر يجب أن يقترن بتحرك مبكر، موضحاً أن كل ساعة يتم كسبها قبل وقوع الأزمة تتيح فرصاً أكبر لحماية الأرواح والممتلكات وتقليل الخسائر الاقتصادية.
من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر
شدد حمدان على أن ما حدث في شرق الفرات يستوجب مراجعة شاملة لآليات الاستجابة والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية، بهدف الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل حدوثها.

وأوضح أن الدول الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على معالجة آثار الكوارث، بل بقدرتها على توقع المخاطر والاستعداد لها مسبقاً من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث خرائط المخاطر، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للمناطق المهددة، ورفع جاهزية فرق الطوارئ، وإدماج مخاطر التغير المناخي ضمن الخطط التنموية المستقبلية.
وختم بالقول إن الدرس الأهم الذي تفرضه فيضانات الفرات اليوم يتمثل في ضرورة التعامل مع مواسم الأمطار الغزيرة والتساقطات المرتفعة باعتبارها مؤشرات إنذار تستوجب رفع مستويات الجاهزية والاستعداد، لا مجرد ظواهر موسمية عابرة، مؤكداً أن كلفة الوقاية والاستعداد تبقى دائماً أقل بكثير من كلفة التعافي وإصلاح الأضرار، وأن أي تأخر في التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة سيجعل الأزمات المقبلة أكثر تعقيداً وكلفة على الاقتصاد والمجتمع.

