كشفت مراسلات دبلوماسية بريطانية متبادلة في حزيران/يونيو 1996 عن خلاف داخل الجهاز الدبلوماسي البريطاني بشأن السياسة التي ينبغي للاتحاد الأوروبي اتباعها تجاه سوريا، ولا سيما ما إذا كان يتعين ربط المساعدات الاقتصادية الأوروبية المقدمة إلى دمشق بمدى استعداد القيادة السورية لإبداء مرونة في مفاوضات السلام مع إسرائيل.
وتكشف الوثائق عن تباين بين السفارتين البريطانيتين في دمشق وتل أبيب حول استخدام التعاون الاقتصادي كأداة ضغط سياسية، بحسب ماكشف موقع “الاندبندنت عربية”.
خلاف بين سفارتي لندن في دمشق وتل أبيب
تعود إحدى المراسلات إلى 10 حزيران/يونيو 1996، حين بعثت السفارة البريطانية في دمشق برقية إلى وزارة الخارجية في لندن بعنوان “إعلان الاتحاد الأوروبي في فلورنسا: المساعدات إلى سوريا”، رداً على مقترحات طرحتها السفارة في تل أبيب بشأن إعلان أوروبي مرتقب خلال قمة فلورنسا.
واعترض الدبلوماسي البريطاني في دمشق بول وايتواي على فكرة ربط المساعدة الاقتصادية الأوروبية لسوريا بتقدمها في المفاوضات مع إسرائيل. ورأى أن هذا الربط يتعارض مع روح إعلان برشلونة، الذي وضع التعاون الاقتصادي بين أوروبا ودول المتوسط في إطار منفصل عن عملية السلام.
وأشار وايتواي إلى أن دمشق وافقت على المشاركة في الشراكة الأورومتوسطية وبرنامج MEDA بعدما اقتنعت بعدم وجود صلة مباشرة بين المساعدات وعملية السلام. وبالتالي، فإن فرض شروط سياسية لاحقاً قد يدفع السوريين إلى اعتبار أوروبا قد غيرت قواعد اللعبة.

تحذيرات من إضعاف الدور الأوروبي
حذرت السفارة في دمشق أيضاً من أن ربط المساعدات بالمفاوضات قد يدفع سوريا إلى اتهام الاتحاد الأوروبي بالتمييز، خصوصاً أن دولاً متوسطية أخرى لم تكن مطالبة بالشروط السياسية نفسها. كما كان من المرجح، وفق المراسلات، أن تتساءل دمشق عن سبب عدم فرض شروط مماثلة على إسرائيل.
وكانت العلاقات الاقتصادية أصلاً موضع حساسية، إذ أبدت سوريا استياءها من القيود المفروضة على حصولها على قروض من بنك الاستثمار الأوروبي، ومن امتناع الدول الأوروبية عن بيع الأسلحة إليها، رغم رفع الحظر الأوروبي الرسمي على تصدير الأسلحة.
واعتبر وايتواي أن ممارسة ضغط اقتصادي علني على دمشق قد تضر أيضاً بمحاولات بريطانيا الظهور كوسيط متوازن في عملية السلام، في وقت كانت سوريا تريد دوراً أوروبياً أكثر فاعلية، بما في ذلك ممارسة ضغط على إسرائيل لإظهار قدر أكبر من المرونة.
المساعدات كورقة ضغط
لكن السفارة البريطانية في تل أبيب تبنت موقفاً مختلفاً. ففي برقية مؤرخة في 4 حزيران/يونيو 1996، رأى الدبلوماسي أندرو جون بيرس أن إعلان الاتحاد الأوروبي يجب ألا يتخلى مسبقاً عن النفوذ الذي يمكن أن تمنحه المساعدات الاقتصادية في التعامل مع دمشق.
وكان مشروع الإعلان يتضمن استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تنمية الاقتصاد السوري وتصنيعه. ورأى بيرس أن تقديم هذا الالتزام من دون شروط قد يهدر إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لدفع سوريا نحو مزيد من المرونة في المفاوضات.
وبذلك لم يكن الخلاف البريطاني يدور فقط حول حجم المساعدات، وإنما حول ما إذا كان التعاون الاقتصادي يجب أن يبقى منفصلاً عن المسار السياسي أم يتحول إلى حافز مشروط بالتقدم في مفاوضات السلام.

التوازنات البريطانية
تضمنت المراسلات نقاشاً حول مبالغ إضافية ضمن برنامج MEDA، بلغت نحو 65 مليون وحدة نقدية أوروبية (ECU)، إلى جانب 10 ملايين ECU خصصها الاتحاد الأوروبي لتطوير قطاع الاتصالات في سوريا. وبرزت في الوقت نفسه قضية الديون السورية المتأخرة، وتأثيرها في قدرة دمشق على الحصول على تمويل جديد من بنك الاستثمار الأوروبي.
وجاء هذا النقاش بعد فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، في مرحلة بدأت خلالها آفاق المفاوضات السورية–الإسرائيلية بالتراجع. وكانت أوروبا تبحث في صياغة موقفها من التطورات الإقليمية، بالتوازي مع قضايا أخرى، بينها وضع المؤسسات الفلسطينية في القدس، ولا سيما بيت الشرق، الذي كان مهدداً بالإغلاق في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
وتكشف الوثائق في مجملها أن لندن كانت تحاول الموازنة بين الحفاظ على علاقتها بدمشق وتعزيز اندماجها الاقتصادي مع أوروبا، وبين رغبة بعض الدبلوماسيين في الاحتفاظ بالمساعدات الاقتصادية باعتبارها وسيلة نفوذ يمكن استخدامها في عملية السلام.
كما تظهر المراسلات أن الشراكة الأورومتوسطية نفسها كانت تُنظر إليها كأداة تأثير طويلة الأمد، من خلال تشجيع سوريا على تحرير اقتصادها وتعميق علاقاتها مع أوروبا. إلا أن الخلاف داخل الدبلوماسية البريطانية أظهر حدود هذا النهج: فبينما رأت سفارة دمشق أن نجاح الشراكة يتطلب الحفاظ على فصل التعاون الاقتصادي عن الصراع السياسي، اعتبرت سفارة تل أبيب أن التخلي عن المشروطية الاقتصادية قد يعني خسارة ورقة ضغط مهمة على دمشق.
- وثائق بريطانية تكشف خلافاً حول استخدام المساعدات الأوروبية للضغط على سوريا
- مخلفات الحرب تتسبب بضحية في سوريا كل 6 ساعات
- إضراب عمال كهرباء دير الزور احتجاجاً على انقطاع الرواتب.. ما القصة؟
- تقرير سري يحسم لغز البرنامج النووي السوري ويكشف 73 طناً من اليورانيوم
- إيران تربط فتح مضيق هرمز بالتزام واشنطن بالاتفاق المؤقت

