نشرت محافظة طرطوس عبر معرفاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تسجيلاً مصوراً للمسؤول الأمني عن المنطقة، يتحدث فيه عن تفاصيل الجريمة المروعة ارتُكبت في قرية حرف بنمرة التابعة لمنطقة بانياس، وأسفرت عن مقتل 6 أشخاص يوم الإثنين الماضي.
وأثارت هذه الجريمة البشعة استنكاراً واسعاً في أوساط السوريين، وزادت مخاوفهم من تكرارها مرة أخرى، في ظل أوضاع أمنية مضطربة، لم تنجح الإدارة الجديدة في سوريا في ضبطها، ومحاسبة المتورطين، رغم الوعود والعهود الكثيرة التي كررتها خلال الأسابيع الماضية.
تفاصيل الحادث برواية رسمية
أوضح المسؤول الأمني في طرطوس في التسجيل المصوّر تفاصيل الجريمة، وقال بداية إن بلاغاً عن حادثة إطلاق نار ورد إلى الجهات الأمنية في القرية، فاستجابت دوريات الأمن فوراً إلى موقع الواقعة.

وذكرت تقارير وشهادات شهود العيان أن شخصين يرتديان الزي العسكري اقتربا من تجمع لأهالي القرية وأقدما على إطلاق النار قبل أن يفرّا متجهين نحو منطقة الديسنة المجاورة، ليتم بعد ذلك توجيه فرق التحري مباشرة إلى المنطقة المذكورة، حيث رصدت مجموعة مسلحة ادعت أنها جاءت لمؤازرة وزارة الدفاع، بعد ورود أنباء عن تحركات “فلول النظام”، وذكر بعض أفراد المجموعة أن بينهم من فقدوا أقاربهم في حملة سابقة بالمنطقة.
وخلال التحقيقات، أشار أحد العناصر إلى هوية المشتبه بهما، ما أدى إلى توقيفهما فوراً وتحويلهما إلى القسم الأمني المختص، وقد اعترف الموقوفان بتنفيذ الجريمة بحق أهالي القرية، فيما تعهد المسؤول في ختام تصريحه بمحاسبة كل من تسول له نفسه الإخلال بالأمن والسلم الأهلي في المنطقة.
الجريمة وفق المصادر المحلية
تشير المعلومات المتقاطعة إلى أن المسلحين دخلا قرية حرف بنمرة من نقطة “الديسنة” الأمنية، وطرقا باب أول منزل لصاحبه سومر إبراهيم عند الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين، حيث قام الأخير باستضافتهما بعد طلبهما ماء للشرب.
واستفسر المسلحان عن المختار جودت فارس، الذي تم استدعاؤه عبر الهاتف، وقبل مغادرتهما فتح المسلحان النار على الجميع، مما أدى إلى مقتل المختار جودت فارس وابنه نجدت، و4 أشخاص آخرين بينهم الطفل إبراهيم البالغ من العمر 12 سنة.
وانتشرت صور الضحايا، خاصة صورة الطفل إبراهيم الذي ظهرت جثته ملقاة على الأرض، وبنطاله مربوط بحبل قماشي، في مشهد سلط الضوء على حالة الفقر المدقع التي يعيشها أهالي القرية، مما أثار صدمة واسعة في أوساط السوريين.
بعد الحادث، نشرت محافظة طرطوس فيديو، للقاء جمع بين أهالي قرية حرف بنمرة ومسؤول الأمن في طرطوس، قال خلاله إن “من نفذوا هذا الفعل لا يمثلون الدولة ولا مؤسساتها”، مشدداً على أن القضاء سيأخذ مجراه حيال الجناة، مع التأكيد على محاسبة كل من يسعى للإخلال بالأمن والسلم الأهلي في المنطقة.
ذعر كبير وخوف من تكرار المأساة
ذكرت مصادر محلية أن معظم أهالي قرى بلغونس وبتلة ودير الشبل المحيطة بقرية حرف بنمرة فروا إلى الجبال والأحراش خوفاً من تجدد أعمال العنف في المنطقة، وسط حالة من الذعر الشديد، خاصةً بعد مجازر صادمة شهدها الساحل السوري قبل أقل من شهر، راح ضحيتها أكثر من ألف مدني في أقل التقديرات.
وتزامنت الجريمة في حرف بنمرة مع أخرى مشابهة في حي كرم الزيتون بمدينة حمص خلال وقفة العيد، حيث استهدف مسلحان منزل شخص مما أسفر عن قتل عدد من أفراد الأسرة وإصابة الأب وقتل آخرين كانوا يزورون العائلة.
وقد أشارت بعض وسائل الإعلام المحلية في حمص إلى احتمال تورط متطوع في الأمن العام معروف بسلوكياته الاستفزازية في تلك الجريمة.
خطورة المجموعات الإجرامية المنفلتة
يؤكد الوضع الحالي تزايد خطورة المجموعات المسلحة المنتشرة في سوريا، رغم أن وزارة الدفاع الجديدة بقيادة مرهف أبو قصرة، أعلنت في كانون الثاني/ يناير الماضي، حل جميع الفصائل وانضمامها إلى الإدارة الجديدة وهيكلية وزارة الدفاع.
وكان ينتشر في البلاد أكثر من 60 فصيلاً مسلحاً، أغلبها كانت منضوية تحت مظلة “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، والذي يضم ما لا يقل عن 80 ألف مقاتل، إلى جانب “هيئة تحرير الشام”، و”قوات سوريا الديمقراطية” بشمال شرقي سوريا، والقوات الدرزية في السويداء.
وفي وقت لا تعترف فيه الإدارة السورية الجديدة صراحة بعجزها عن ضبط الكثير من المجموعات المسلحة التابعة لها والمنضوية نظرياً في وزارة الدفاع، أصبحت هذه المشكلة تهدد السلم الأهلي بشكل مباشر في مناطق عديدة من البلاد، وبات الانفلات الأمني يشكل شبحاً يلاحق السوريين في جميع المحافظات، مع احتمالية تكرار الجرائم والانتهاكات وعمليات الإعدام الميدانية.
ويتفق أغلب السوريين على أن هذا الوضع، يستدعي من الحكومة الجديدة الاعتراف بالمشكلة والتأهب لحلها بمزيد من الجدية، لوضع حل حازم وعاجل قبل انزلاق البلاد إلى حفرة حروب أهلية داخلية يصعب الخروج منها.

