مخاوف حوثية من انتفاضة نسائية مقبلة

مخاوف حوثية من انتفاضة نسائية مقبلة النساء جماعة الحوثي زينبيات
مخاوف حوثية من انتفاضة نسائية مقبلة النساء جماعة الحوثي زينبيات

من عدن إلى صنعاء: تهديد انتفاضة النساء يُربك قيادات الحوثي، عصي الزينبيات ضد إرادة الحرائر: خوف الحوثي من قوّة النساء يجبرهم على استدعاء الزينبيات لمواجهة احتجاجات المعيشة، ونساء الجوع يخلْقن الكوابيس للحوثيين.

أكثر من عشر سنوات مضت على الحرب المستمرة في اليمن، حرب خلّفت وراءها نساء بلا مأوى وأطفالًا بلا عائل، إذ تكون النساء والأطفال عادة الحلقة الأضعف في دوائر النزاعات المسلحة.

تقع على كاهل النساء مسؤولية النجاة وسط ظروف اقتصادية قاتلة، إذ تضاعف الحروب من معاناتهن، وتزيد من آلامهن، وتسرق منهن كرامة العيش الآمن. وبين الفقد والرحيل والوجع، تُروى حكايات النساء في أوطان دمرتها الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

تبدلت حياة المرأة اليمنية منذ لحظة الانقلاب على السلطة الشرعية، ووجدت نفسها بلا هوية إنسانية، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة “الحوثي”، التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية يغلب عليها الاستعلاء والنفور.

وفي ظل هذا الواقع القمعي، تزداد المخاوف داخل الجماعة من اندلاع انتفاضة نسائية على غرار الثورة النسائية في إيران عام 2022، والتي انطلقت رفضًا للقمع والتمييز وفرض القيود على النساء.

انتفاضة نسائية محتملة

أوضحت مصادرٌ أمنيةٌ في صنعاء أن جماعة “الحوثي” أبدت مخاوفَ كبيرةً وقلقًا من احتمال انتقال الموجةِ النسائيةِ الاحتجاجيةِ التي شهدتها العاصمةُ المؤقتةُ عدنُ خلال اليومين الماضيين إلى صنعاء، مما دفعها إلى إصدار تعليماتٍ صارمةٍ لعناصرها الأمنية.

عناصر كتيبة زينبيات الحوثية - إنترنت
عناصر كتيبة زينبيات الحوثية – إنترنت

فقد وجّهت قياداتٌ حوثيةٌ عليا تعليماتٍ عاجلةً للأجهزة الأمنية في مناطقَ السبعين والتحرير ومحيط جامعة صنعاء؛ شددت فيها على ضرورة منع أي تجمعاتٍ نسائيةٍ والتعامل الصارم مع ما وصفته بـ”التحركات المشبوهة”، وفقًا لموقع “يني يمن”.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد استدعت جماعة “الحوثي” عناصرَ “الزينبيات”، وهي الوحدات النسائية التابعة لها، وأمرت بوضعهنَّ في حالة تأهبٍ قصوى للتدخل الفوري عند رصد أي مظاهر احتجاجٍ نسائيٍّ في العاصمة.

ويرجع هذا القلق والخوف والترقبُ إلى الانهيارِ الاقتصاديِّ الذي يعاني منه أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون نسمةٍ في صنعاء، وسط ارتفاعٍ متواصلٍ في أسعار الموادِّ الغذائية والخدمات الأساسية، مما يزيد احتماليةَ خروج مظاهراتٍ تقودها نساءٌ متضرراتٌ من تردِّي الأوضاع المعيشية.

ومن ناحيةٍ أخرى، حذرت جماعة “الحوثي” عناصرَها من الإفراط في استخدام العنف؛ فهذا قد يفتح أمامها جبهاتِ صراعٍ جديدةٍ وغير محسوبة.

وتعلق سامية الأغبري، الصحفية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، في حديثها مع “الحل نت” قائلة:

“جماعة الحوثي تخشى انتفاضةَ النساء، لأنها تدرك قوةَ النساء اللاتي قدن ثورةَ 11 فبراير وكنَّ في طليعة المظاهرات، حيث واجهن اعتداءاتٍ وحملاتٍ مسعورة. تلك المرأةُ التي كانت في قلب الثورة ضد الإمامة في شمال اليمن. لذلك، من الطبيعي أن يخافوا من انتفاضة النساء”.

وأضافت قائلةً:

“عندما أعلنت طالباتٌ في جامعة صنعاء في أكتوبر 2018 عن ثورة الجياع، انتشرت عناصرٌ وقواتٌ أمنيةٌ ودباباتٌ تابعةٌ للميليشيا الحوثية في كل الشوارع، خاصة تلك القريبة من الجامعة، كما أُغلقت مداخل العاصمة، ونُقلت الزينبيات في حافلاتٍ وهنَّ يحملن السلاح والعصي إلى عددٍ من شوارع العاصمة، وقامت الميليشيا بعرضٍ عسكريٍّ في شارع هائل لتخويف الفتيات”. 

وفي يوم الانتفاضة، تم الاعتداءُ على الطالباتِ واختُطِف عددٌ منهنَّ وأُصيبت فتياتٌ حتى سالت الدماء منهنَّ. أصيبت الميليشيا بالرعب من دعواتِ فتياتٍ عزلٍ للانتفاضة ضد الجوع – فتياتٍ لا يحملن السلاح وليس لديهن ما يخشاه “الحوثيون” سوى شجاعتهنَّ وإرادتهنَّ.

وحدة “الزينبيات”؟

الطوقُ الأمنيُّ الذي يفرضه “الحوثي” وجماعته على الشارع اليمني في المناطق الخاضعة له لم يكن كافيًا للسيطرة على غليان اليمنيات اللواتي يعانين القهرَ والعَوَزَ الاقتصادي، ولهذا استدعت الجماعةُ اليمنية وحدةَ “الزينبيات” التابعةَ لها للتعامل مع الموقف في حال حدوث الانتفاضة.

عناصر كتيبة زينبيات الحوثية - إنترنت
عناصر كتيبة زينبيات الحوثية – إنترنت

وحدة “الزينبيات” تتكوّن من نساءٍ وفتياتٍ صغيراتٍ من أضعف الطبقات الاجتماعية والمهمشين (يُزعم أنَّ بعضهنَّ من أصولٍ إفريقية ويواجهن التمييز)، وقد تم تدريبُهنَّ وفقًا لبروتوكولات “الحرس الثوري” الإسلاميّ الإيراني. 

تدربت كتيبةُ “الزينبيات” في صنعاء ولبنان وإيران. وربما استلهمت الوحدة تجربةَ قوات “الباسيج” شبه العسكرية في إيران، إلا أن مقارناتٍ جرت أيضًا مع قوة “الحسبة” التابعة لما يُسمى تنظيم “داعش” ووحدةِ «فراجا» الأمنية النسائية الإيرانية.

تذهب ساميةُ الأغبري إلى القول: “إنَّ الزينبيات كتيبةٌ نسائيةٌ تدربِّن في معسكراتٍ على يد زينبياتٍ إيرانياتٍ وزينبياتٍ تدربن في إيران، مثل القيادية الحوثية هدى العماد – أستاذة جامعة صنعاء وقائدة عناصر الميليشيا النسائية أثناء الاعتداء على طالبات جامعة صنعاء. بدأ تجنيدُ النساء مع حروب صعدة، حيث كنَّ حلقةَ وصلٍ بين القيادات في صعدة وأذرعها الإعلامية في صنعاء، قبل أن يظهرن علنًا عام 2015. ولا يُعرف عددُهنَّ بدقة؛ لكن التقديرات تشير إلى أن المجندات يتراوح عددُهنَّ بين المئات والآلاف”.

تلعب المجندات الحوثيات أدوارًا عديدةً تتجاوز قمع الاحتجاجات النسائية؛ فمن المهام الموكلة إليهنَّ نقلُ المتفجرات إلى مناطق الشرعية – حيث ضُبطت حالات في مأرب عام 2016 – كما يُكلَّفنَ اقتحامَ المنازل وتفتيشَها والأجهزةِ الإلكترونية. 

وتنقسم كتيبةُ الزينبيات” إلى فرقٍ متخصصةٍ في المهام: منها فرقة التجسُّس التي تحضر المناسبات الاجتماعية وتجمع المعلومات عن أي حديثٍ ضد الجماعة. والفرقة الإلكترونية التي ترصد نشاطات المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي. والفرقة الإعلامية التي تدير حملاتِ تشويهٍ وسبٍّ عبر حساباتٍ مزيفة. وفرقة ثقافية توعوية تركز على غسل أدمغة الأميات والقاصرات عبر دوراتٍ طائفية.

ويمكن القول إن أخطرَ وحدةٍ على الحريات في اليمن هي وحدةُ “التجسُّس الوقائي”، التي تخترق التجمعات النسائية غير الرسمية لجمع المعلومات. ففي الثقافة اليمنية يُقيَّد وصولُ الرجال – العسكريين منهم – إلى الأماكن المخصصة للنساء، لذا تُسدُّ “الزينبيات” هذه الفجوة دون انتقامٍ من قبائل المجتمع أو نخبته. علاوة على ذلك، يمنح نشرُ هذه الوحدة جماعةَ “أنصار الله” نفوذًا كاملاً على جميع شرائح المجتمع، مما يجعل “الزينبيات” أداةً قويةً – رغم خفائها غالبًا – في أنظمة حكمها وقمعها.

جرائم في حق المرأة

بين الخوف من الانتفاضة واحتمال اندلاعها والاستعداد العسكري، يبرز سؤالٌ: لماذا قد تثور النساء في اليمن؟ وما أصعب المشكلات التي تدفعهنَّ إلى هذا الغليان المرتقب؟

زينبيات الحوثي يجبرن النساء على زيارة مقابر قتلى الميليشيا - إنترنت
زينبيات الحوثي يجبرن النساء على زيارة مقابر قتلى الميليشيا – إنترنت

تجيب نادية عبدالله، وكيلة وزارة الشباب والرياضة اليمنية، في حديثها مع “الحل نت”، قائلة: “وضعُ المرأة اليمنية منذ انقلاب الحوثي مزرٍ جدًا؛ إذ تعاني على كافّة الأصعدة، بل يمكن اعتبارُه أسوأَ مرحلةٍ تمرُّ بها المرأة خلال العقود الأخيرة. فالمرأة اليمنية فقدت على يدي الحوثي معظمَ المكتسبات – إن لم تكن كلها – التي حققتها منذ قيام الجمهورية اليمنية عام 1962”. 

يحاول “الحوثي” بحسب نادية عبدالله، باستمرار إعادتها إلى عصر الإمامة. فإذا نظرنا إلى ما حدث لحقوق المرأة منذ انقلاب “الحوثي”، نجد أنها فقدت حقَّها في الحياة؛ فقد قتل عددٌ كبيرٌ من النساء خلال العشرة أعوام الماضية، سواء بالقصف المستمر أو بالقنص المباشر على أيدي قناصين “حوثيين”. وسلبت الجماعة المرأةَ حقَّ الحياة وجعلها هدفًا للميليشيات المسلحة.

أما الحقوق الأخرى، فشهدت اعتقالاتٍ وخطفًا وحبسًا؛ فلم تتعرض المرأة اليمنية لمثل هذا الوضع المرفوض في تاريخ الجمهورية اليمنية من قبل، وذلك بسبب موقفها السياسي.

وتضيف وكيلة وزارة الشباب والرياضة اليمنية: “اليوم لدينا العشرات من النساء المعتقلات والمئات من الفتيات المخطوفات، حتى إن أهاليهنَّ لم يجرؤوا على تقديم بلاغٍ للشرطة خوفًا من الحوثي وخوفًا من العار. وما يزيد من معاناة النساء اليمنيات، عند اعتقال إحداهنَّ، أن أسرتها تتبرأ منها خوفًا من العار، لأنها – في السجن- قد تتعرّض للاغتصاب على يد جماعة الحوثي. ومؤخرًا بدأ الحوثي اعتقال موظفاتٍ في المجتمع المدني”.

من أخطر الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة اليمنية في عهد “الحوثي” أيضًا استخدامُها في الدعارة وابتزازِ الخصوم السياسيين والتشهيرِ بهم؛ حيث يتم الإيقاع بالنساء وابتزازُهنَّ، وإذا امتنعن عن العمل مع الجماعة في هذا النشاط غير الأخلاقي، يُشهَّر بهنَّ فيضطر بعضهنَّ تحت وطأة الخوف من العار إلى القبول. وهذا ملفٌّ أسود ومرعب في تاريخ اليمن”.

صنعاء معتقل كبير

في اليمن، أصبح المجتمع المدني هشًّا من جميع النواحي، ثمّ ضعف أكثر بسبب القمع “الحوثي”؛ والأسوأ من ذلك أنّ حتى مناقشةَ حقوق الإنسان في اليمن، وبخاصةِ حقوق المرأة، أصبحت الآن من المحرمات، إذ يستغل “الحوثيون” الصراعات الإقليمية لتبرير قمعهم.

عناصر كتيبة زينبيات الحوثية - إنترنت
عناصر كتيبة زينبيات الحوثية – إنترنت

وتؤكّد ساميةُ الأغبري: “زادت الحربُ من صعوبةِ الحياة ومعاناةِ النساء؛ فلم يفقدنَ مكتسباتٍ حققنَها خلال سنواتٍ طويلةٍ من الكفاح والنضال فحسب، بل فقدنَ معيلاتِهنَّ في هذه الحرب”.

أما في المناطق الخاضعة لسيطرة “الحوثيين”، فقد فقدت النساءُ أبسطَ حقوقِهنَّ، ومنها حقُّ التنقل والسفر؛ إذ قيّد “الحوثيون” حركتهنَّ ومنعنَّهنَّ من السفر خارج اليمن أو حتى بين مدنه إلا بوجود محرمٍ من الدرجة الأولى. وسبق ذلك قرارٌ يمنع سفرَ النساء دون موافقة وزارة الداخلية التابعة لـ “الحوثيين”، حتى لو كنَّ ذاهباتٍ لزيارة أسرهنَّ في مدينةٍ أخرى.

في بعض المناطق، أجبر “الحوثيون” القبائلَ على توقيع وثائق تمنعُ الفتياتِ من العمل في المنظمات أو حتى امتلاك هواتفٍ محمولة. كما فرضوا قيودًا على ملابس النساء: فقد منعت محلاتُ بيع العباءات في صنعاء قبل سنواتٍ بيعَ العباءات التي تحتوي على حزام خصر. وحرمنَ النساءَ من العمل بحجة الاختلاط، فتَحوّلت صنعاءُ إلى معتقلٍ كبير ومقبرةٍ للرجال والنساء على حدٍّ سواء.

لكن الأخطرَ من ذلك اعتقالاتٌ تعسفيةٌ وتلفيقُ تهمٍ أخلاقيةٍ للنساء، كما حدث مع عارضةِ الأزياءِ انتصار الحمادي وعددٍ من الفتيات وشابٍ واحد. أُفرِجَ عن الشاب وأفرِجَ عن الفتيات لاحقًا، لكن انتصار بقيت في السجن حتى اليوم لأسبابٍ عنصريةٍ لكون أصولِها إثيوبية.

وُوجّهت إلى نساءٍ تهمٌ ملفقةٌ مثل “التجسُّس لصالح التحالف العربي أو أميركا أو إسرائيل”، ولا يزال مصيرُ بعض السجينات مجهولًا. بل وصل الأمر إلى إصدار حكمٍ بإعدام الناشطةِ فاطمة العرولي”.

وتختم ناديةُ عبدالله حديثَها: “لا توجد حقوقٌ سياسيةٌ للمرأة؛ فقد تحولت إلى مجرد أداةٍ تُستخدَم في المسيرات التي ينظمها الحوثي وجماعته، ففقدت هويتها الإنسانية وتحولت إلى شيءٍ يُحرَّك من قبل الحوثيين. وبالتالي، لا وجودَ لها سياسيًّا ولا حقوقٍ سياسيةٍ، حتى في المناطق الخاضعة للشرعية لم يتمّ تمثيلُ المرأة تمثيلًا عادلاً كما نصّ عليه القانونُ اليمنيُّ (30%). لذلك يحقُّ للمرأة اليمنية أن تثور للتعبير عن صرخاتها الرافضة لهذه الأوضاع المذلّة”.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم