تتميز الحروب الطائفية بأمد طويل وخسائر فادحة. فقد امتدت الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السابع عشر نحو ثلاثين عامًا. ولأنّ إسقاط العقيدة أخطر من إسقاط دولة، فإنّ كل متطرّف يعتقد أنّه مكلف بأمرٍ سماوي لتطهير العقيدة.
أثناء الاحتفال بسقوط دولة الأسد كان المحتفلين يردّدون شعارات تشير إلى وحدة الصف السوري، وأنّ الأساس هو المواطنة لا الدين ولا العرق، وأنّنا جميعًا سوريون؛ كأنّ الشارع السوري يخشى أن تنتهي نشوة الانتصار فيجد نفسه في دوّامة حرب طائفية، خاصّةً وأنّ من سيطروا على دمشق يحملون في مرجعيتهم مذاق الطائفية ورائحتها.
لم تعد سوريا قادرة على تحمل المزيد من التشرذم الطائفي؛ فنسيجها الاجتماعي – الذي عانى بالفعل فصولًا مؤلمة في حمص وحلب والغوطة ودرعا وإدلب – يتفكك الآن في دمشق وعلى طول المناطق الساحلية. فهل يمكننا إعفاء السلطة في دمشق من مسؤوليتها عن الأحداث الطائفية التي ظهرت مؤخرًا في سوريا؟
السلطة طرف في صراع طائفي
لا يحتاج المراقب إلى أدوات إحصائية شاملة ليجد أن أكثر التفسيرات انتشارًا لاستمرار المأساة والمعاناة في سوريا منذ سقوط الأسد ونظامه هو التفسير الطائفي؛ أي أن سبب ومحرك الصراع صراع بين السنة والعلويين أو بين السنة والآخرين.

ينطلق هذا التفسير من مقولة رئيسية تدّعي أن الحكم الآن في سوريا هو حكم ذات هوية سنية، فالرئيس الفعلي للإدارة الجديدة في دمشق، أحمد الشرع (الجولاني سابقًا)، كان ينتمي إلى تنظيم «القاعدة» ثم إلى «هيئة تحرير الشام» الموجودة حاليًا في دمشق وعلى رأس تشكيل حكومة الشرع عناصر منها. فمن الطبيعي أن يشعر السوريون بالقلق من وجود «هيئة تحرير الشام» في سدة الحكم؛ لأن سوريا على مدى سنوات طويلة كانت دولة علمانية. صحيح أنها شهدت صراعات، لكنها كانت محدودة لا ترتقي اليوم إلى مستوى مئات الضحايا دون وجود سبب مباشر تستطيع الدولة التوجه إليه والتعامل معه.
ومع بداية مخاوف السوريين من الاحتقان الطائفي والإقصاء العنصري، تأتي أحداث الساحل السوري لتؤكد هواجس الشارع السوري ومخاوفه، فتتحول هذه المخاوف إلى واقع مرير يعيشه السوريون دون معرفة الأسباب باستثناء الإشارة إلى العلويين. فقد ذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن أحياء فقيرة ذات غالبية علوية في دمشق شهدت تصاعدًا في حملات التحريض والكراهية ضدها عبر الإنترنت، وأن أعمال العنف التي شهدتها منطقة الساحل في غربي سوريا بدءًا من السادس من آذار/مارس خلفت 1383 قتيلاً مدنيًا على الأقل، غالبيتهم العظمى من العلويين.
وهنا يبرز سؤال مهم: إلى أي مدى الحكومة في دمشق مسؤولة عن الصراع الطائفي الذي بدأ يظهر في سوريا، من أحداث الساحل إلى ما حدث مؤخرًا ضد الدروز؟
يعلق هشام النجار، الباحث المختص في الجماعات الإرهابية، في حديثه مع «الحل نت» قائلًا:
«لا يمكن إعفاء السلطة الجديدة من الأحداث؛ فهي منخرطة فيها وجزء رئيسي من المشهد. المسؤولية الملقاة على عاتق السلطة تنبع من عدة اعتبارات، أولها الدخول كطرف طائفي والسعي لتمكين أحادي لمكوّن مذهبي. بمعنى أنّه بصرف النظر تمامًا عن إقصاء نظام فاسد ظالم طائفي، كانت هناك بدائل أخرى، مثل الانخراط في الثورة التي كانت تنضج في السويداء ودرعا والجنوب، وعدم التغيير بالقوة المسلحة للقفز على السلطة والتمكين لمكوّن أحادي آخر، خاصة أن هذا المكوّن يشمل متطرّفين وتكفيريين وذوي توجهات طائفية استعلائية حادة. وهذا واضح جدًّا من ممارساتهم وتصريحاتهم. كما لا يمكن إعفاء السلطة لأنها تعلم تبعات سيطرة متطرّفين سنة على بلد تعددي متنوع، وكان من الأفضل والأَنسب تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة تكنوقراط والعمل على تمثيل كل فئات المجتمع السوري، وعدم الانفراد بالسلطة لمكوّن يعبر بدوره عن طائفية ومذهبية».
المقاتلون الأجانب والطائفية
ما يزيد من تأجيج الصراع الطائفي في سوريا وجود العناصر الأجنبية الموالية للإدارة الجديدة. فالسوريون، على اختلاف أطيافهم، يخشون تلك الميليشيات المسلحة؛ لأنّها تُغذي نيران الخلافات بين السلطة والشارع، خاصة مع شعورهم بأنّ الإدارة عاجزة عن التخلص من مكوّن طائفي متطرّف.

فتخلي الشرّع عن المقاتلين الأجانب يعني نهاية نظامه، وقد يترتب عليه انقلاب أو اغتيالات في الصفوف الأولى… فالمقاتلون الأجانب ليسوا فئة هينة، بل عددهم بعشرات الآلاف، بينهم قياديون كبار وفقهاء وزعماء يشكّلون مراكز قوة في «الجيش السوري الجديد»، وبعضهم يعترض على هذا اللفظ باعتباره تطبيعًا لهوية وطنية تتعارض مع مفهوم «الهوية الإسلامية».
علاوةً على ذلك، فإنّ التخلي عن الأجانب يورّط الشرّع في تهمة الخيانة وإنكار الشريعة، لأنّ هؤلاء، غير أنّهم مقاتلون، هم أيضًا مستأمنون وفق القاعدة الشرعية التي تلزم من يقوم مقام الإمام بحمايتهم والدفاع عنهم مهما كانت النتائج. تمامًا كما فعلت «طالبان» في حماية أسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة»، فالتزمت بالقاعدة الشرعية فاكتسبت شعبية داخل الأوساط الجهادية ومهّدت لعودتها لاحقًا.
أما الشرّع، فعند تسليمه للأجانب سيفقد حضوره في الوسط الجهادي، الذي يهيمن حاليًا على المشهد السوري، وسيستعين بالتقية والميكيافيلية مؤقتًا لحين تهيئة الظروف والسلطة اللازمة لاستئناف هجومهم بدعوى الجهاد والفتح الإسلامي.
في حديثٍ للإعلامي السوري ضياء محمد مع «الحل نت» يقول: «لا يمكن إعفاء الإدارة الحالية في سوريا من حوادث العنف الطائفي في الساحل أو جنوب البلاد؛ فقد غضّت الطرف عن بقاء مجرمي النظام السابق وزعماء الميليشيات، كفادي صقر واللواء طلال مخلوف، دون محاسبة، ولم تشرع في ملاحقة الآخرين طبقًا للقانون، مما أثار عمليات انتقامية، بالإضافة إلى وجود عناصر أجنبية لا يهمّها السلم الأهلي. لن يقوم خطاب وطني حقيقي ما لم تتبنَّ الإدارة مبدأ العدالة الانتقالية فعليًا، وتؤسّس نظام حكم يشمل الجميع – باستثناء المتورطين في الجرائم – فعندما يشعر الناس أنّهم شركاء في الدولة لا مُستهدفون، سينحازون إلى خطاب المواطنة بدل الانغلاق الطائفي. فالدولة العادلة تخلق خطابًا جامعًا دون حاجة مكوّناتها إلى الانغلاق المذهبي».
طبعًا، قرب بعض الجهات الجهادية من السلطة وتعيينها في مناصب عسكرية حساسة ساهم مباشرةً في تأجيج العنف الطائفي، ليس فقط من خلال الممارسات الميدانية، بل أيضًا عبر الرسائل التي تفيد أنّ من يشارك في الحكم لا يحمل مشروعًا وطنيًا، بل يتصرف وفق فكر لا يعترف بالاختلاف؛ وهذا ما رأيناه في الساحل، ونكاد نراه الآن في السويداء.
غياب الدولة وحضور الفصائل
تجاوزت الاضطرابات الأخيرة في جرمانا وأشرفية صحنايا الاشتباكات التقليدية، وفي الوقت ذاته كشفت عن اللامبالاة الرسمية تجاه جريمة طائفية واسعة النطاق وعن هشاشة قدرة النظام على إدارة الصراع الطائفي. كما تدعو هذه الأحداث إلى تفسيرات مقلقة للغاية؛ فقد تسمح بعض الجهات عمدًا لهذه الأزمات بالتفاقم لتبرير زيادة التغوّل الأمني أو تشكيل حقائق جديدة على الأرض.
لذلك يرى النجار، أنه في ظل الوضع الطائفي المرتبك السوري، وفي ظل هيمنة فصيل واحد على باقي أطياف المجتمع، يستحيل أن تقوم خطابية قائمة على المساواة والعدالة والمواطنة. يقول:
«يكون الخطاب قائمًا على المواطنة والمساواة عندما تكون المنهجية والقناعات قائمة على ذلك بالفعل. بمعنى أنّه لا يمكن إنتاج مشهد وطني تعددي وترسيخ قيم المساواة والعدالة والحرية والتعايش من خلال مجموعات تعتنق مناهجٍ وقناعاتٍ تكفيرية طائفية حادة، سواء كانت سنية أو شيعية. إنّ إنتاج حالة كهذه يحتاج إلى إرثٍ ومنهجٍ وثقافةٍ وقناعات، ويحتاج إلى إرادةٍ شعبية جامعة تنحّي الانتماءات الضيقة والمصالح الشخصية والفئوية، وتعلي المصلحة العامة للوطن».
ويضيف أيضاً:
«مهما قدمت السلطة الحالية من وعود، فلن يكون هناك تغيير، لأن مجرة التمكين لكيانٍ هو في الأصل طائفي وتكفيري، ولأنّ انفرده بالسلطة يؤدي تدريجيًا إلى تغيير الهوية والمناهج وطرائق العيش وتقاليد المجتمع، مع التركيز على إرضاء الخارج والغرب وإهمال الوضع الداخلي، واتخاذ إيران – على الرغم من كوارثها في سوريا – كعدو، رغم وجود تحديات أخرى مثل إسرائيل. فضلًا عن حضور تكفيريين أشد تطرفًا مثل داعش؛ ما يؤدي إلى المزايدات داخل الأجنحة المتطرّفة… كل هذا وغيره يحول دون تحقيق أي وعود، فهي بلا ضمانات حقيقية وبدون ترجمة على الأرض».
لقد أصبح التحريض الطائفي أداة شائعة وخطيرة تُستخدم بسهولة لإشعال الصراع في لحظة، بينما تغضّ السلطات الطرف عنه، حتى مع انتشار خطاب الكراهية علنًا على مواقع التواصل الاجتماعي. تُبثّ دعوات لقتل الأكراد والعلويين والدروز دون أي عواقب، حتى من قِبل جهات مسلحة أعلنت حلّها ودمجها رسميًا في وزارة الدفاع.
ولهذا فإنّ ما يُمارَسُ اليوم في دمشق ليس دولةً بالمعنى المؤسساتي الكامل للكلمة، تحكمها القوانين والمحاسبة، بل سلطة فعلية واقعية تُسيطر عليها شبكات أمنية وفصائل عسكرية متداخلة، كل منها يسعى لتحقيق أجندته وحماية مصالحه. فهل توجد ضمانات تحمي البلاد من الانهيار الطائفي المتسارع؟
يرى ضياء محمد في حديثه لـ «الحل نت»:
«ربما يكون الضمان الوحيد الذي يمكن للإدارة الجديدة أن تقدمه للسوريين بمختلف طوائفهم هو العدالة، لأنه لا نجاح لأي خطاب وطني دون محاسبة المجرمين، ولا سلم أهلي في ظل الإفلات من العقاب. عندما يشعر السوري بأنّ القانون يحميه وأنّ الدولة لا تستهدفه، تتراجع الحاجة إلى الانتماءات الطائفية. أمّا إذا استمرت الدولة في خطاب الإقصاء، فستبقى البلاد تدور في دوامة الخوف والاحتماء بالهوية الضيقة التي خلقتها سلطة النظام السابق».
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن الحديث عن «دولة ذات سيادة» إذا كانت عاجزة – أو غير راغبة – ي السيطرة على الجهات المسلحة المدمجة في هياكلها الرسمية، والتي تنفّذ إعدامات خارج نطاق القضاء وكمائن طائفية دون رقابة قانونية؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء

