العقوبات تُرفع والمراقبة تبدأ.. هل ينجح “الشرع” في تنفيذ الشروط الأميركية؟

إدارة الشرع

على الرغم من حالة الاحتفاء الصاخبة بين السوريين بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء عقوبات بلاده المفروضة على سوريا، والمستمرة منذ أكثر من 45 عامًا، إلا أن الصورة لا تزال ضبابية بشأن طبيعة تلك العقوبات الملغاة أو ما إذا كان رفعها أمرًا خاضعًا لشروط معينة، ومدى تأييد الداخل الأميركي لقرار ترامب.

وما زالت التفاصيل غائبة حول ما إذا كان قرار ترامب سيترجم إلى أفعال نظراً لمجموعة الإجراءات الواسعة المفروضة على البلاد، فقد جاء القرار مفاجئًا لمسؤولي وزارة الخزانة، التي تدير وتنفذ سياسة العقوبات، حسبما ذكرت مصادر لشبكة “سي بي إس نيوز”.

افتقار التفاصيل

افتقر إعلان ترامب إلى التفاصيل، بما في ذلك الإجراءات التي سيتم إلغاؤها، ووتيرة إلغائها، وقد دفع هذا الغموض كبار المسؤولين في وزارة الخزانة إلى محاولة فهم قصده، حيث تجري الآن مناقشات داخل الوزارة لتحديد السرعة والمدى الذي يمكن به رفع العقوبات المفروضة منذ عقود من الزمن، والتي تقيد النشاط الاقتصادي داخل سوريا وتعاملاتها مع البلدان الأخرى.

كما تُجري الإدارة حاليًا مراجعةً فنيةً مُعقّدةً للعقوبات، ومن المُتوقع أن تستغرق أسابيع، وفقًا لمسؤولين، لا توجد قيود على سلطة الإدارة في إصدار إعفاءات من العقوبات، لكن العملية تستغرق وقتًا طويلًا.

وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، كان صرح بأن التخفيف قد يأتي في شكل إعفاءات تمنح الإذن بممارسة الأعمال التجارية في سوريا دون مواجهة عقوبات للتهرب من العقوبات، والتي يمكن للإدارة إصدارها بموجب السلطات الواردة في “قانون قيصر”.

قال روبيو: “أعتقد أننا نريد البدء بالإعفاء الأولي، الذي سيسمح للشركاء الأجانب الراغبين في تدفق المساعدات بالبدء بذلك دون التعرض لخطر العقوبات”، كما أشار إلى أن إدارة ترامب قد تكون “قريبًا” في وضع يسمح لها بمطالبة المشرعين بإلغاء بعض العقوبات نهائيًا.

متى ينفذ رفع العقوبات؟

الخبير الاقتصادي السوري وكبير محللي الأبحاث في شركة كرم شعار الاستشارية المحدودة، كرم الشعار، قال إن “الناس ينظرون إلى العقوبات كمفتاح تشغيل وإيقاف”، وأضاف: “الأمر مختلف تمامًا”، ذلك عبر منشور على موقع X

رفع العقوبات رسميًا عن سوريا ليس ببساطة إعلان ترامب عنه، وسيتطلب عملية طويلة، متابعًا: “لا يسعنا إلا أن نأمل أن يُسرّعوا العملية قدر الإمكان”. “بطريقة أو بأخرى، يجب أن يتبع هذا الإعلان إجراءات ملموسة”.

الخبير الاقتصادي السوري كرم الشعار

فيما أوضح، عضو التحالف السوري الأميركي من أجل السلام والازدهار، عبد الحفيظ شرف، أن هناك نوعان من العقوبات الأميركية أحدها يتبع الكونغرس مباشرة وهي تنحصر في صورة قوانين تشريعية، وهناك عقوبات كذلك بأوامر تنفيذية، وفق لقاء تلفزيوني على قناة “الشرق”.

وأفاد بأن ترامب لديه القدرة لوقف العمل بالعقوبات مباشرة لفترة معينة قد تصل إلى عام، كما يستطيع كذلك تجديدها وإعطاء استثناءات في فترة ستة أشهر تتجدد، حتى يقوم الكونغرس بإزالتها بالكامل.

وأشار إلى أن حزب الرئيس ترامب الجمهوري يؤيد إزالة العقوبات بالكامل، كذلك عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي المنافس، مرجحًا أن يتجه الكونغرس لإزالة العقوبات لاحقًا، مشددًا على ضرورة أن تأخذ الإدارة السورية الشروط الأميركية بجدية كبيرة، وبخاصة فيما يخص تواجد المقاتلين الأجانب في مناصب قيادية بوزارة الدفاع، وعلى إدارة الشرع اتخاذ خطوات واضحة بهذا الصدد.

قلق المسؤولون في أميركا

مع اتخاذ الخطوات نحو تخفيف العقوبات والعمل المحتمل مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بدا أن شخصيتين رئيسيتين تقفان في جبهة المعارضة ويشككان في صدق تحول الشرع وإدارته، هما رئيس مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، سيباستيان جوركا، وجويل رايبورن، الذي شغل منصب مبعوث ترامب إلى سوريا خلال إدارته الأولى وتم ترشيحه لرئاسة ملف الشرق الأوسط بوزارة الخارجية، وفقًا لشبكة “سي إن إن”.

إن رفع العقوبات الأميركية بشكل كامل وشامل، دون أي التزامات من الحكومة السورية كما يُزعم ترامب، يُثير قلقًا بالغًا لدى مسؤولي الأمن القومي في واشنطن، وكذلك في إسرائيل ، حيث يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إدارة ما بعد الأسد ليست أفضل حالًا، بل ربما أسوأ، من إدارة الأسد.

وقال مسؤول سابق في إدارة ترامب: “أعتقد أن هناك رغبة في خلق بعض المساحة للحكومة الجديدة، لكنني أعتقد أن جوركا وفريقه كانوا مترددين في “تطبيع” الشرع”.، مؤكدًا على أن من كان جهادياً مرة، سيظل جهادياً إلى الأبد، وفق تعبيره.

وقد ظهر هذا الشعور جليا يوم الخميس عندما قال جوركا في مقابلة مع بوليتيكو: “الحقيقة تظل قائمة.. إن الجهاديين نادرا ما يتجهون إلى الاعتدال بعد فوزهم”.

ووصف لقاء ترامب ورسالته مع الشرع بـ”العبقرية المطلقة”، لكنه أكد على ضرورة إشراك الأقليات في الحكومة ومحاربة داعش التي تتوقعها الولايات المتحدة من الشرع.

وقال جوركا متشككا: “الآن سوف نرى ما إذا كان القائم بأعمال رئيس الدولة الحالي قادرا على تحقيق ذلك”، واصفا الشرع بالاسم الحركي الذي استخدمه كمقاتل جهادي، “الجولاني”، ووصف إدارته بأنها “نظام”.

وفي أواخر العام الماضي، شكك رايبورن أيضا في أن العالم سوف يدعم الشرع كزعيم جديد لسوريا نظرا لماضيه الجهادي، ولكن خلال جلسة تأكيد تعيينه في مجلس الشيوخ يوم الخميس، وعد مرارا وتكرارا بإقرار سياسات ترامب وروبيو بشأن سوريا.

مراقبة تنفيذ الشروط الأميركية

اتبعت الإدارة الأميركية بقيادة ترامب سياسة حذرة تجاه الإدارة السورية الحالية، وكان البيت الأبيض في عهد ترامب متشككًا بشأنها، وقدم لها قائمة من المطالب التي سلمها الأمريكيون للسوريين، مقابل تخفيفًا جزئيًا للعقوبات، وتشمل اعتقال المسلحين الفلسطينيين على الأراضي السورية؛ طرد المقاتلين الأجانب؛ والتعاون مع المفتشين الدوليين للقضاء على الأسلحة الكيميائية في عهد الأسد؛ إضافة إلى إبعاد نفسها تمامًا عن إيران؛ والسماح للولايات المتحدة بمواصلة مواجهة الإرهابيين في سوريا.

مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شنكر، أكد أن إدارة ترامب ستراقب التزام سوريا بالشروط الأميركية بعد رفع العقوبات، على الرغم من أن الرئيس الأميركي قال خلال إعلانه بأن تعليق العقوبات غير مشروط، وفق مداخلة هاتفية مع قناة “الشرق”.

من الناحية التقليدية فيما يخص مثل هذه الأمور عادة ما تقوم وزارة الخارجية الأميركية بمراقبة التطورات في سوريا عن كثب، سواء بمتابعة التطورات على الأرض أو فتح سفارة أميركية في دمشق، مؤكدًا أن هناك ضرورة لوجودها في موقع آمن وإرسال سفير جديد ليتمكن من تقييم الوضع بشكل جيد.

وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شنكر

واستنكر التوترات الداخلية التي لا يزال الداخل السوري يشهدها، على الرغم من الوعود الدائمة للرئيس الشرع بالاعتدال والتسامح مع الأقليات واحترام حقوق الإنسان، مشددًا على أن الإدارة الأميركية تهتم بتنفيذ شروطها بعدم دعم الجهاديين والإرهابيين لتنخرط الإدارة السورية الجديدة مع  الأسرة الدولية.

ما هي العقوبات الأميركية؟

صُنفت حكومة الأسد من قِبل الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب لأول مرة عام ١٩٧٩. ومنذ ذلك الحين، رُفعت العقوبات المفروضة على البلاد عام ٢٠٠٤، ثم مرة أخرى عام ٢٠١١، مع اندلاع الحرب الأهلية السورية .

وفي إطار العقوبات، تم تجميد أصول وممتلكات المسؤولين السوريين في الولايات المتحدة، وفرض حظر على النفط ومنتجات النفط ذات المنشأ السوري، ومنذ عام 2011، أصبحت سوريا وشعبها معزولين بشكل شبه كامل عن الاقتصاد العالمي، حيث يواجه السكان صعوبات في استخدام البطاقات المصرفية الدولية أو استيراد السلع الأجنبية وسط الحرب الأهلية المنهكة.

وقد أثرت تلك العقوبات، إلى جانب التدابير المماثلة التي اتخذتها بلدان أخرى، على كل جزء من الاقتصاد السوري والحياة اليومية في البلاد، وقد أدى ذلك إلى نقص في السلع من الوقود إلى الأدوية، وجعل من الصعب على الوكالات الإنسانية المستجيبة تلقي التمويل والعمل بكامل طاقتها.

كما تواجه الشركات حول العالم صعوبة في التصدير إلى سوريا، ويواجه السوريون صعوبة في استيراد مختلف أنواع البضائع، نظرًا لحظر جميع المعاملات المالية تقريبًا مع البلاد. وقد أدى ذلك إلى ازدهار السوق السوداء للسلع المهربة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم