من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟


أثارت تصريحات أحمد الشرع في قمة الإعلام العربي جدلاً بعد أن طرح تصوراً لمسار الاقتصاد السوري وصفه البعض بالتفاؤل في حين وجده آخرون بعيداً عن الواقع، إذ توقع أن يصل حجمه  إلى 50 ملياراً خلال العام الحالي و60 ملياراً في 2027. ثم انتقل إلى هدف أكبر، متحدثاً عن طموح للوصول إلى نحو 200 مليار دولار خلال خمس أو عشر سنوات، إذا استقرت الأوضاع في العالم.

لكن ماذا تعني هذه الأرقام فعلياً؟ وهل الارتفاع من 20 إلى 32 ثم 50 و60 مليار دولار يعني أن الإنتاج السوري ينمو بالوتيرة نفسها؟ وما الذي يقف وراء هذه الزيادة: توسع حقيقي في الإنتاج، أم تغيرات في الأسعار وسعر الصرف وطريقة احتساب الناتج؟ وإذا كان الاقتصاد السوري ما زال يعاني ضعف الإنتاج والطاقة والتمويل وتراجع الصادرات، فما الذي يمكن أن يدفعه إلى 200 مليار دولار؟ وهل تكفي الاستثمارات وإعادة الإعمار لتحقيق ذلك، أم أن الوصول إلى هذا الحجم يحتاج إلى تحول أوسع في قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل؟

من 20 إلى 32 مليار دولار.. ماذا يقيس الرقم؟

الانتقال من نحو 20 مليار دولار في 2024 إلى 32 ملياراً في 2025 يعني أن قيمة الاقتصاد المحسوبة بالدولار ارتفعت بنحو 60% خلال عام واحد، وهي قفزة كبيرة إذا ما قورنت بمعدل النمو الحقيقي المعلن للاقتصاد.

الشرع خلال حضوره قمة الإعلام العربي في دبي. (وكالة سانا)

يوضح الباحث الاقتصادي يونس عبد الكريم في حديثه لـ”الحل نت” أن ارتفاع الناتج المحسوب بالدولار لا يعني بالضرورة أن حجم السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد ارتفع بالنسبة نفسها، لأن الرقم يتأثر أيضاً بمستوى الأسعار وسعر الصرف وطريقة احتساب الناتج. ولذلك فإن مقارنة رقم 32 مليار دولار برقم 20 ملياراً تحتاج إلى معرفة كيفية احتساب كل منهما.

وتزداد الفجوة بين الرقمين إذا قورن ارتفاع القيمة الدولارية بنحو 60% بما أعلنته وزارة المالية من نمو حقيقي للاقتصاد بنحو 4% في 2025. ويطرح ذلك سؤالاً إضافياً حول سعر الصرف المستخدم في احتساب الناتج، وما إذا كانت الزيادة تعكس توسعاً فعلياً في الإنتاج أم ارتفاعاً اسمياً في القيمة الدولارية.

“نحن بحاجة أولاً إلى توحيد السلسلة الإحصائية ومنهجية القياس قبل اعتبار هذه الأرقام قابلة للمقارنة بشكل مباشر”، بحسب عبد الكريم.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل المراجعة الجارية للحسابات القومية السورية. فقد أظهر تقرير صندوق النقد الدولي حول الحسابات القومية السورية أن العمل على تحسين تقديرات الناتج لعامي 2022 و2024 يتضمن مراجعة مصادر البيانات وطرق الحساب، فيما تشمل المرحلة التالية مراجعة تقديرات الناتج للفترة بين 2010 و2024، مع احتمال إعادة تحديد سنة الأساس. ويشير الصندوق إلى أن القيود المالية والأمنية تحد من إجراء مسوح واسعة ومتكررة.

من 32 إلى 50 مليار دولار.. أين يجب أن يظهر النمو؟

الانتقال من 32 مليار دولار في 2025 إلى 50 ملياراً في 2026 يعني زيادة تقارب 56% خلال عام واحد. وهذه الزيادة تحتاج، وفق عبد الكريم، إلى أن تظهر في النشاط الاقتصادي نفسه، لا في قيمة الاستثمارات المعلنة فقط.

فإعلان اتفاقيات استثمار أو مذكرات تفاهم لا يعني تلقائياً إضافة قيمتها إلى الناتج المحلي. وحتى الاستثمار المنفذ لا يتحول بكامله إلى ناتج في السنة التي أُعلن فيها؛ فالناتج يقيس قيمة السلع والخدمات التي أُنتجت خلال فترة محددة.

ويضع عبد الكريم المسألة بصورة أكثر تحديداً: “إذا كانت هناك عشرات الاتفاقيات الاستثمارية مع شركات أجنبية، فالسؤال الاقتصادي الحقيقي ليس فقط: كم تبلغ قيمة هذه الاتفاقيات؟ بل: كم منها تحول فعلاً إلى استثمار منفذ وإنتاج؟ وما حجم القيمة المضافة التي تولدها داخل سوريا؟ وكم يذهب إلى العمال السوريين والشركات المحلية والخزينة العامة والموردين المحليين؟ وكم يتحول إلى أرباح أو مدفوعات إلى الخارج؟”.

وكان الشرع قد أعلن أن عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستثمارية بلغ 54 اتفاقية، إلا أن هذا الرقم، مهما بلغ حجمه، لا يعني أن قيمتها دخلت بالفعل في الناتج المحلي، ما لم تتحول إلى إنتاج وقيمة مضافة داخل الاقتصاد.

ويصبح ذلك أكثر أهمية في المشاريع التي يُقال إن حصة سوريا فيها تتراوح بين 30 و40%. ووفق عبد الكريم، “لا يمكن ببساطة اعتبار النسبة المتبقية خسارة لسوريا، ولا اعتبار حصة سوريا نفسها مساوية للناتج المحلي”. والمطلوب هو معرفة الحسابات الفعلية لكل مشروع: حجم الاستثمار المنفذ، والإنتاج السنوي، والقيمة المضافة، والأجور، والضرائب، والمشتريات المحلية، والأرباح التي يعاد تحويلها إلى الخارج.

وتظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “UNCTAD” أن صادرات السلع السورية بلغت نحو 3.34 مليار دولار في 2024، مقابل واردات بنحو 6.28 مليار دولار، أي عجز تجاري يقارب 2.95 مليار دولار. لذلك فإن زيادة القدرة على الإنتاج والتصدير تبقى اختباراً أساسياً لأي نمو مستدام.

من 50 إلى 60 ملياراً.. ثم إلى 200 مليار

إذا وصل الناتج إلى 50 مليار دولار في 2026 ثم 60 ملياراً في 2027، فهذا يعني زيادة بنحو 20% خلال عام واحد. أما الانتقال من 60 إلى 200 مليار دولار فيحتاج إلى نمو سنوي مركب يقارب 27% إذا تحقق خلال خمس سنوات، ونحو 13% إذا امتد إلى عشر سنوات. ومن 50 إلى 200 مليار، يحتاج المسار إلى نحو 32% سنوياً خلال خمس سنوات، أو 15% خلال عشر سنوات.

هذه معدلات مرتفعة، ويرى عبد الكريم أن تحقيقها يتطلب خطة لزيادة الإنتاجية وتوسيع الصناعة والزراعة والخدمات والطاقة، وليس مجرد تدفق رؤوس الأموال.

وفي تقييم حديث لصندوق النقد الدولي، يقول الصندوق إن التعافي يتجه إلى التحسن، مع توقع نمو قوي في 2026 و2027، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج المحروقات والكهرباء والتجارة والخدمات وعودة اللاجئين وزيادة أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. لكنه يشير أيضاً إلى استمرار فجوات كبيرة في البيانات.

كما أن قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمار محدودة. ويشير البنك الدولي إلى أن الإيرادات الحكومية تراجعت من مستويات تقارب 20% من الناتج قبل الحرب إلى أقل من 5%، ما يجعل الإصلاح المالي والمؤسسي جزءاً من قدرة الاقتصاد على تمويل نموه.

ولا ترتبط هذه المشكلة بحجم الإيرادات وحده، إذ يشير عبد الكريم إلى أن سنوات الحرب خلقت اقتصاداً غير رسمي واقتصاداً أسود لن يختفيا تلقائياً مع سقوط النظام السابق. ويحتاج تقليصهما إلى إصلاح النظام المالي والضريبي والقانوني وبناء مؤسسات قادرة على تنظيم السوق وتحصيل الإيرادات، وهي شروط تؤثر مباشرة في قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمار.

كيف نعرف أن النمو تحقق فعلاً؟

للحكم على أن النمو السوري حقيقي ومستدام، يقترح عبد الكريم مراقبة مجموعة من المؤشرات، تبدأ بـ”نمو الناتج الحقيقي بالأسعار الثابتة، وليس الناتج الاسمي فقط”، ثم “نمو القيمة المضافة في القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الصناعة والزراعة والطاقة والتشييد والنقل والخدمات القابلة للتصدير”.

ويضاف إليها “نمو الإنتاجية وفرص العمل والأجور الحقيقية”، لأن ارتفاع الناتج الذي لا ينعكس على دخول الأسر وفرص العمل يبقى محدود الأثر اجتماعياً، إلى جانب “تطور الصادرات ونسبة القيمة المحلية فيها، وليس مجرد ارتفاع حجم التجارة والاستيراد”.

كما يجب مراقبة “حجم الاستثمار الأجنبي الذي دخل ونُفذ فعلياً داخل الاقتصاد، وليس قيمة مذكرات التفاهم والعقود التي تم الإعلان عنها”، فضلاً عن الكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية والإنتاج النفطي والزراعي والصناعي، باعتبارها مؤشرات مادية على توسع القدرة الإنتاجية.

أما المؤشر الأخير فيتعلق بتطور “العجز التجاري والحساب الجاري والدين العام والاحتياطيات، إلى جانب استقرار الأسعار وسعر الصرف”.

وبالتالي، فإن معرفة ما إذا كان الاقتصاد السوري قد وصل فعلاً إلى 50 أو 60 مليار دولار تتطلب أسئلة تتجاوز الرقم بالدولار: ماذا أنتجت سوريا؟ كم زادت القيمة المضافة المحلية؟ كم وظيفة جديدة خلقت؟ كم صدّرت؟ كم استوردت؟ كم استثماراً دخل ونُفذ فعلياً؟ وكم من الأرباح بقي داخل الاقتصاد السوري؟

إعادة الإعمار لا تعني نمواً اقتصادياً

استقطاب الاستثمارات يحتاج كذلك إلى مؤسسات تحمي الملكية وتنفيذ العقود وتنظم المنافسة والأسواق. ومن دون ذلك قد تتركز الاستثمارات في قطاعات محدودة الأثر على الاقتصاد المحلي.

وتكشف تقديرات البنك الدولي لكلفة إعادة إعمار سوريا حجم الفجوة؛ إذ قدّر كلفة إعادة الإعمار المادية بنحو 216 مليار دولار، مع أضرار مباشرة تقارب 108 مليارات دولار. لكن كلفة إعادة الإعمار ليست ناتجاً محلياً؛ فهي تقدير للأصول والبنية التحتية التي تحتاج إلى إعادة بناء، بينما الناتج يقيس قيمة السلع والخدمات المنتجة خلال فترة زمنية. كما يشرح عبد الكريم.:

“إعادة الإعمار لا ينبغي اختزالها في بناء المشاريع العقارية الكبرى أو المجمعات الاستثمارية. في الأدبيات الاقتصادية للتعافي بعد الصراعات، إعادة الإعمار تعني استعادة الأصول والبنية التحتية والخدمات والقدرة الإنتاجية والمؤسسات التي تسمح للاقتصاد بالعمل من جديد. وهذا مهم جداً في الحالة السورية، لأن البنك الدولي يقدر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، لكن هذا الرقم يتعلق بكلفة إعادة بناء الأصول المادية، وليس بحجم الناتج المحلي أو بحجم الاقتصاد السوري”.

ويرى عبد الكريم أن التعافي يبدأ من استعادة الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المصانع والأراضي الزراعية، قبل توسيع قطاعات مثل الصناعات الغذائية والطاقة والصناعة والسياحة والنقل والخدمات القابلة للتصدير.

60 ملياراً في 2027 لا تساوي 60 ملياراً في 2010

حتى الوصول إلى حجم اقتصاد يقارب 60 مليار دولار لا يعني بالضرورة عودة السوريين إلى الظروف الاقتصادية التي كانت قائمة في 2010. ووفق البنك الدولي، بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي نحو 830 دولاراً في 2024، فيما يعيش نحو ربع السوريين في فقر مدقع، ويعيش ثلثا السكان تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى.

كما أن 2010، رغم كونه سنة مرجعية مفيدة لقياس حجم الانكماش والتعافي، لم يكن اقتصاداً خالياً من الاختلالات؛ إذ كان يعاني قبل الحرب مشكلات في الطاقة وسوق العمل وتوزيع الدخل. لذلك فإن استعادة رقم الناتج المسجل آنذاك لا تعني بالضرورة استعادة الاقتصاد نفسه أو مستوى معيشة السوريين في ذلك الوقت، بحسب عبد الكريم.

كما أن الوصول إلى 60 مليار دولار في 2027 لا يعني بالضرورة استعادة الحجم الاقتصادي المسجل في 2010، إذ تعتمد المقارنة على أرقام اسمية لا تأخذ تغير قيمة الدولار والأسعار في الحسبان.

ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، ارتفع المستوى العام للأسعار بنحو 54% بين 2010 وآب 2026، ما يجعل 60 مليار دولار في 2010 تعادل نحو 92 مليار دولار بأسعار اليوم. كما يتأثر الناتج المحسوب بالدولار بالتضخم وسعر الصرف، لذلك يعتمد قياس التعافي الفعلي على الناتج الحقيقي بالأسعار الثابتة وليس القيمة الاسمية وحدها.

ولهذا فإن حجم الناتج وحده لا يشرح كيف يعيش الناس. فقد يكبر الاقتصاد بينما تبقى الدخول منخفضة، أو ترتفع الأسعار، أو تتركز عوائد النمو في قطاعات ومناطق محددة. كما أن عودة الناتج إلى مستوى سابق لا تعني تلقائياً عودة الوظائف أو الأجور أو الخدمات أو القدرة الشرائية إلى المستوى نفسه.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم