بعد توقف طويل… هل تعود سوريا إلى خريطة الدول المصدّرة للنفط؟

نفط سوريا

في تطور لافت أعلنت وزارة الطاقة والثروة المعدنية السورية عن انطلاق أول عملية تحميل وتصدير لمادة النافثا Naphtha من مصب بانياس النفطي، وذلك بعد سنوات من التوقف، نتيجة الحرب وتدمير البنية التحتية لقطاع النفط السوري.

ويعكس هذا التطور الجديد التحول في مشهد الطاقة السوري، إذ أعلن معاون وزير الطاقة لشؤون النفط، المهندس غياث دياب، عن انطلاق أول عملية تصدير لمادة النافثا من مصب بانياس النفطي على الساحل السوري، وذلك بعد انقطاع دام لسنوات نتيجة الحرب.

تحول نوعي

الناقلة “فيلوس فورتونا” بدأت بتحميل شحنة تبلغ 30 ألف طن من مادة النافثا، في خطوة وصفها معاون وزير الطاقة لشؤون النفط بـ”التحول النوعي” في مسار عودة سوريا إلى خارطة تصدير المشتقات النفطية والمشهد الإقليمي في قطاع الطاقة، وفقًا لـ”الإخبارية السورية”.

تأكيد دياب أن هذه الخطوة تمثل “بداية لعودة سوريا إلى خريطة الدول المصدرة للنفط والمشتقات النفطية”، جاء في أعقاب تحركات حثيثة من قبل الإدارة الجديدة في سوريا تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة، وتنشيط الحقول والمنشآت النفطية والغازية التي كانت خارج الخدمة أو تعمل بطاقة منخفضة جداً.

وتسعى الحكومة السورية عبر هذا التفعيل إلى إرسال رسائل اقتصادية واستراتيجية متعددة الاتجاهات، أولها للداخل السوري المتعطش إلى تحسن اقتصادي ملموس، وثانيها للخارج، وتحديداً للدول التي قد تنظر إلى سوريا كوجهة استثمارية أو سوق محتملة في مرحلة ما بعد الحرب.

ولم تفصح الحكومة السورية أو الوزارة المسؤولة عن آليات إتمام هذه العملية، سواء من حيث طرق الدفع، أو الشركات الوسيطة، أو حتى هوية المشتري النهائي.

بداية عملية

أوضح دياب أن استئناف عمليات التصدير عبر مصب بانياس يمثل بداية عملية لإعادة هذا المرفق الحيوي إلى موقعه الطبيعي كأحد أهم الموانئ النفطية في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على تطوير البنية التشغيلية للمصب وتعزيز جاهزيته اللوجستية والفنية لتأمين الاستمرارية في عمليات التصدير.

المصب النفطي في بانياس، يُعد شرياناً نفطياً استراتيجياً على الساحل السوري، والذي كان قبل الأزمة من أبرز المرافئ النفطية في منطقة شرق المتوسط، لعب دوراً مهماً لعقود في استقبال النفط الخام وتصدير المشتقات، قبل أن يتعرض خلال السنوات الماضية لأضرار مباشرة وغير مباشرة نتيجة الحرب والحصار والعقوبات الغربية، إلى جانب التهديدات الأمنية على طول الساحل.

كل هذه الأضرار أدت إلى تعطيله بشكل شبه كامل خلال السنوات الماضية، بفعل العقوبات الدولية، وغياب الاستثمار، وتراجع الإنتاج المحلي، ومع دخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار وعودة تدريجية لمرافق الإنتاج، بدأت الحكومة السورية تحركات لإحياء قطاع الطاقة.

استعادة ميناء بانياس حيويته

تأمل الإدارة السورية الجديدة من خلال استعادة ميناء بانياس حيويته، أن تلعب البلاد مجددًا دورًا في منظومة الطاقة الإقليمية، سواء كممر أو كمصدر محدود للمنتجات النفطية، خاصة في ظل ما يشهده السوق العالمي من تقلبات في العرض والطلب، ونزاعات على خطوط الإمداد.

لكن المعوقات لا تزال كثيرة، أولها أن الحقول الأكثر غزارة في الإنتاج، مثل تلك الواقعة في دير الزور والحسكة، ما زالت خارج سيطرة الدولة، كما أن عمليات التكرير والتخزين والنقل بحاجة إلى تحديثات كبيرة، تتطلب استثمارات ضخمة لا تتوافر حالياً.

وكانت توقفت سوريا عن تصدير النفط والمشتقات البترولية منذ العام 2012، نتيجة الحرب وتضرر معظم منشآت الإنتاج والتكرير والنقل، وخاصة في شرق البلاد حيث تتركز أغلب الحقول، وهي مناطق كانت خارج سيطرة نظام الأسد لسنوات، وقد أدى ذلك إلى انهيار كبير في إنتاج النفط السوري الذي كان يتجاوز 350 ألف برميل يومياً قبل عام 2011، بينما تراجع بعد الحرب إلى أقل من 30 ألف برميل يوميًا في بعض السنوات.

تعافي جزئي

العودة إلى تصدير النافثا، وهي منتج نفطي خفيف يُستخلص عبر عمليات التقطير في المصافي أو من الغاز الطبيعي، تمثل مؤشراً على تعافي جزئي لقطاع المصب في سوريا، خصوصاً أن هذه المادة تُعد من المنتجات الأساسية في الصناعات البتروكيماوية، وتدخل في تصنيع المذيبات، البلاستيك، الأصبغة، المنظفات، وبعض أنواع الوقود.

تتميز النافثا بسرعة التبخر وسهولة الاشتعال، ما يجعلها عنصراً محورياً في الصناعات الكيميائية، وهو ما يفتح أمام سوريا مجالات جديدة للتجارة والتعاون الصناعي في حال استمرت وتيرة التعافي.

يذكر أن البيانات الحكومية تشير إلى أن قطاع النفط السوري، الذي كان يشكل قبل عام 2011 نحو 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، تلقى خسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار، نتيجة سرقة الآبار، وتدمير المنشآت، وخروج العديد من الحقول الاستراتيجية عن سيطرة الدولة. واليوم، مع استعادة بعض الحقول في الجنوب والوسط، يبدو أن الدولة السورية تحاول إعادة التوازن بين الاستهلاك المحلي والتصدير، عبر تنشيط المصافي، وتحسين كفاءة التشغيل، واستقطاب الخبرات الفنية من جديد.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم