هل يتحول نزوح السوريين من السويداء إلى أزمة اقتصادية وإنسانية؟

السويداء

في عمق الجنوب السوري، تتفاقم الأزمة في محافظة السويداء مع موجة نزوح واسعة منذ منتصف تموز/ يوليو الجاري، حيث اضطر نحو أكثر من 128 ألف شخص خلال أسبوع، إلى ترك منازلهم نتيجة تصاعد العنف بين العشائر الدرزية والبدو، وفق تقديرات “المنظمة الدولية للهجرة” التابعة للأمم المتحدة في بيان، الأحد.

يأتي ذلك النزوح في أعقاب التدهور الأمني المتصاعد الذي شل الحياة في المنطقة وأعاق وصول الخدمات الأساسية، في ظل تأزم اقتصادي واجتماعي عميق بات يهدد ليس فقط المحافظة بل القرى المحيطة التي تستقبل أعداد النازحين، وهو ما يعكس حجم المأساة الإنسانية المتنامية، والتحدي الاقتصادي المتزايد الذي يهدد القرى المجاورة التي تكافح لتوفير احتياجات النازحين في ظل بنية تحتية وخدمات متدهورة.

ارتفاع وتيرة النزوح

بحسب المنظمة فإن وتيرة النزوح ارتفعت بشكل كبير، أمس السبت، إذ نزح أكثر من 43 ألف شخص في يوم واحد، ذلك قبل أن يسيطر الهدوء على أجواء السويداء، صباح الأحد، بعد ساعات من إعلان الحكومة السورية وقف النار.

وتعاني السويداء التي يبلغ عدد سكانها نحو 467 ألف نسمة وفق إحصاءات رسمية لعام 2014، ويعيش ثلثاهم في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة البعلية، مزيج من الانكماش الاقتصادي، والجفاف، وانعدام الأمن.

وتشير بيانات وزارة الزراعة السورية إلى أن معدلات هطول الأمطار انخفضت إلى أقل من 30 بالمئة من متوسطها السنوي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما تسبب في تراجع إنتاج القمح الذي بلغ أقل من 2000 طن في موسم 2024، رغم زراعة 30 ألف هكتار، إلى جانب انخفاض إنتاج التفاح والزيتون بنسبة تجاوزت 80 بالمئة في الأولى، ما أثر مباشرة على دخل 11 ألف أسرة تعتمد على هذا المحصول.

نقص حاد في الموارد

تسببت الاضطرابات الأمنية في شل الحركة التجارية والخدماتية، ما دفع إلى توقف الأفران ونقص إمدادات الوقود والكهرباء، في وقت تعاني الأسواق من شبه شلل وانقطاع شبه تام للخبز والمياه.

استقبلت القرى الجنوبية النازحين في وقت تعاني فيه من نقص حاد في الموارد، حيث لا يتعدى مخزون الغذاء المتوافر لديها يومين فقط وفق مصادر محلية، ما يزيد من مخاطر تفاقم الجوع ونقص الرعاية الصحية.

ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار جرى إعلانه السبت، تم افتتاح معابر إنسانية بين محافظتي السويداء ودرعا، من بينها معبرا بصرى الحرير، وبصرى الشام، لتأمين خروج المدنيين والمصابين والراغبين بالمغادرة، ريثما يكتمل انتشار القوات الأمنية.

وتشكل هذه التطورات ضربة إضافية لمحافظة فقدت معظم قدراتها الإنتاجية خلال السنوات الماضية، حيث تشير التقارير الأممية إلى أن 75 بالمئة من الأراضي الزراعية توقفت عن الإنتاج بسبب النزاعات والحصار ونقص الاستثمارات، ما ساهم في ارتفاع معدلات البطالة والهجرة الداخلية.

 وتعتمد نحو 60 بالمئة من الأسر على تحويلات مالية من الخارج لتأمين احتياجاتها الأساسية، فيما تتجاوز معدلات الفقر في المحافظة 85 بالمئة وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

توسع رقعة الأزمة الإنسانية

المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك دعا في بيان صدر في 18 تموز/ يوليو إلى وقف أعمال العنف فورًا والبحث عن حلول سياسية تجنب المدنيين مزيدًا من النزوح والمعاناة.

وفي المقابل، أعلنت وزارة الطوارئ السورية تجهيز 21 مركز إيواء في محافظة درعا المجاورة، مع خطط لافتتاح 20 مركزًا آخر، واستقبال أكثر من 1700 مصاب وإجلاء مئات العائلات من السويداء.

ويهدد الضغط المتزايد على القرى المضيفة، التي تعاني أصلاً من محدودية الموارد، بتوسيع رقعة الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تواجه هذه المجتمعات تحديات حادة في توفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

عجز وأزمة اقتصادية

من جانبها أبلغت “منظمة الهجرة الدولية” في تقريرها الصادر بتاريخ 18 حزيران الجاري، أن الطاقة الاستيعابية للخدمات في هذه القرى لا تتجاوز 50 بالمئة مقارنة بالاحتياجات الفعلية للنازحين، مع تدهور واضح في الإمدادات الغذائية والصحية، وانعكس هذا الضغط بدوره على الأسواق المعتمدة بشكل رئيس على الإنتاج الزراعي، حيث أدت مغادرة عدد كبير من السكان العاملين إلى عجز ملحوظ في القوى العاملة، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية.

في  تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تم التحذير من عدم التدخل السريع من المنظمات الدولية، حيث سيؤدي ذلك إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في الجنوب السوري، مشيراً إلى أن نحو 40 بالمئة من سكان السويداء يعانون حالياً من نقص حاد في الغذاء.

كما تبرز تداعيات النزوح من السويداء على حركة التجارة الداخلية بين الجنوب ودمشق، إذ انقطعت سلاسل توريد المنتجات الزراعية التي كانت السويداء ترفد بها الأسواق، مثل التفاح والعنب والحبوب، ما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه السلع بنسبة تراوحت بين 20 إلى 35 بالمئة في أسواق دمشق ودرعا، وفق بيانات تجار محليين.

تداعيات الاضطرابات على الأسواق

هذا الاضطراب يضغط على الأسواق المركزية ويؤثر على سلاسل الإمداد الوطنية التي تعاني أصلًا من انكماش الإنتاج، ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة الانتقالية إلى جذب دعم دولي لإعادة بناء الاقتصاد، وهو ما دفع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى دراسة إمكانية تقديم تمويل عاجل لمشاريع استقرار محلية في الجنوب، تشمل إعادة تأهيل الري والبنية التحتية للمياه والطاقة، كجزء من خطة إنعاش عاجلة للمناطق الريفية المتضررة.

المانحون الدوليون، بحسب تقارير حديثة للبنك الدولي، يشترطون توفير بيئة سياسية وأمنية أكثر استقرارًا لضمان استدامة أي تدخل اقتصادي، وهو ما يجعل أزمة السويداء اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإدارة الجديدة في دمشق على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية.

يشار إلى أنه في 13 من حزيران الجاري، اندلعت اشتباكات مسلحة بين عشائر بدوية ومجموعات درزية بالسويداء، أعقبتها تحركات للقوات الحكومية نحو المنطقة لفرض الأمن، لكنها تعرضت لهجمات من مجموعات درزية خارجة عن القانون أسفرت عن مقتل عشرات الجنود.

وضمن مساعيها لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة السورية 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار بالسويداء، أحدثها السبت، ولم تصمد الاتفاقات الثلاثة السابقة طويلا، إذ تجددت الاشتباكات الجمعة، إثر قيام مجموعة تابعة لحكمت الهجري بتهجير عدد من أبناء عشائر البدو من السنة وارتكاب انتهاكات بحقهم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم