دلالات قرار “الخزانة الأميركية” إزالة لوائح العقوبات ضد سوريا.. هل رُفعت نهائيًا؟

فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، عقوبات على 32 فرداً وكياناً وأربع سفن مرتبطة بجماعة "الحوثي"، في أوسع إجراء من نوعه يهدف إلى خنق الشبكات المالية للجماعة "الحوثية".
فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، عقوبات على 32 فرداً وكياناً وأربع سفن مرتبطة بجماعة "الحوثي"، في أوسع إجراء من نوعه يهدف إلى خنق الشبكات المالية للجماعة "الحوثية".

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية عن إنهاء شامل لبرنامج العقوبات المفروضة على سوريا وإزالتها بالكامل من قانون اللوائح الفيدرالية.

هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ اليوم الثلاثاء، يستند إلى الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتاريخ الثلاثين من حزيران/ يونيو لعام 2025، والذي أعلن عن إنهاء حالة الطوارئ الوطنية المعلنة منذ عام 2004، وقام بإلغاء جميع الأوامر التنفيذية السابقة التي كانت ترتبط بالعقوبات المفروضة على سوريا.

تحول في السياسة الأميركية تجاه دمشق

يأتي هذا الإشعار الرسمي من مكتب (OFAC) ليؤكد إزالة لوائح العقوبات على سوريا من “قانون اللوائح الفيدرالية”، في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في سياسة الولايات المتحدة تجاه دمشق، وتتبع لسلسلة من التغييرات الإضافية التي طرأت على هذا الملف الحساس.

ويعود القرار الأخير إلى الأول من تموز/يوليو الماضي، حين دخل الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب حيز التنفيذ، منهيًا بذلك الإطار القانوني الذي استندت إليه العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا لعقود.

 وكانت بادرة هذا التحول قد ظهرت بوضوح خلال زيارة ترامب إلى المملكة العربية السعودية ضمن جولته الخليجية في شهر آيار/مايو، حيث أعلن حينها عن نيته رفع العقوبات الأميركية التي وصفها بـ “القاسية”، مؤكداً أن هذه الخطوة تأتي “من أجل منح سوريا فرصة للوصول إلى العظمة”.

خلاف أميركي حول الإلغاء الكامل

لكن الموقف داخل الإدارة الأميركية لم يكن موحدًا، فقد أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن بلاده ستصدر إعفاءات من العقوبات لكنها لا تنوي إلغاءها بشكل كامل في المرحلة الراهنة، مشيرًا إلى أن جوهر هذه العقوبات يستند إلى “قانون قيصر” الذي أقره الكونغرس.

الإعفاءات ستخضع للتجديد كل 180 يومًا، وهو ما يضع المستثمرين أمام حالة من الحذر، حيث يظل شبح إعادة فرض العقوبات قائمًا مرتين كل عام، ما قد يشكل عائقًا أمام تدفق استثمارات طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن الإعلان الحالي عن الإزالة الكاملة للوائح يعكس تطورًا أبعد وأكثر شمولية من مجرد الإعفاءات المؤقتة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو

ومع ذلك، فإن تصريحات روبيو السابقة التي أشارت إلى ضرورة تجديد الإعفاءات كل 180 يومًا، وأمله في الإلغاء النهائي لأن احتمال عودة العقوبات يشكل رادعًا للاستثمار، تبرز مدى التعقيدات التي أحاطت بالملف، وكيف أن القرار الأخير يمثل نقطة تحول حاسمة نحو إنهاء تلك حالة عدم اليقين.

انعكاسات اقتصادية عميقة على سوريا

يرى اقتصاديون أن إزالة لوائح العقوبات من القانون الفدرالي تمثل نقلة نوعية في حد ذاتها، فمن جانبه، قدم الخبير الاقتصادي السوري، أدهم قضيماتي، تحليلًا معمقًا لأهمية هذه الخطوة، مؤكدًا أن هذه وزير الخارجية ماركو روبيوالإجراءات تجسد القرار السابق للرئيس ترامب برفع العقوبات، وتمثل تفعيلًا حقيقيًا لإزالة العقوبات عن سوريا، حتى من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، نظرًا للترابط الكبير بين الشركات الدولية المشتركة بينهما، وفق تصريحات لـ”حلب اليوم”.

 وأضاف قضيماتي أن هذا القرار من شأنه أن يمنح دفعة قوية لإعادة حركة البنوك مع سوريا وتنشيط الاستثمارات عبر القنوات الرسمية، كما سيقدم هذا التحول للتجار والشركات أساسًا قانونيًا صلبًا للتعامل عبر القنوات الشرعية، مما يحد بشكل كبير من الاعتماد على السوق السوداء التي طالما كانت منفذًا للتعاملات المالية في ظل القيود المشددة.

ويرى قضيماتي أن إزالة لوائح العقوبات المفروضة على سوريا من القوانين الفيدرالية سيعزز الثقة بالاقتصاد السوري بشكل ملحوظ ويقلل من المخاوف المتجذرة لدى المستثمرين الكبار، خاصة فيما يتعلق بإمكانية إعادة فرض العقوبات في المستقبل.

رفع العقوبات لا يعني الإفلات من المساءلة

من جانبها، أوضحت وزارة الخزانة الأميركية أن هذا القرار يعكس تغيرًا جوهريًا في الموقف السياسي تجاه سوريا، لا سيما عقب تشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

مع ذلك، أكدت الوزارة على الإبقاء على استثناءات تتعلق بمكافحة الإرهاب ومساءلة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان واستخدام الأسلحة الكيماوية، مما يشير إلى أن الرفع لم يكن مطلقًا في جميع الجوانب.

كما بينت الوزارة أن القرار لا يؤثر على القضايا الجارية أو الانتهاكات المرتكبة قبل الأول من تموز/يوليو 2025، مع إعادة تصنيف بعض الأفراد والكيانات بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894 لضمان استمرار المساءلة عن جرائم الحرب، ما يؤكد على التزام واشنطن بمبادئ العدالة الدولية حتى في سياق رفع العقوبات الاقتصادية.

إجراءات تنظيمية لتخفيف العبء القانوني

تضمنت الإجراءات التنظيمية المتخذة إزالة الجزء 542 من قانون اللوائح الفيدرالية (31 CFR) الخاص بالعقوبات السورية، مع الإشارة إلى إصدار لوائح جديدة لاحقًا تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي والمساءلة عن الانتهاكات المرتبطة بالنظام البائد.

 وأكدت الوزارة الأميركية أن هذا القرار لا يخضع لقانون المرونة التنظيمية أو قانون تقليل الأعمال الورقية، وذلك لأنه لا يفرض متطلبات جديدة على الجمهور، بل يصب في اتجاه تخفيف العبء التنظيمي.

وفي رد فعل فوري ومرحب، رحبت وزارة الخارجية والمغتربين السورية بقرار وزارة الخزانة الأميركية، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تطورًا إيجابيًا بالغ الأهمية من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري الذي عانى طويلًا من تداعيات الحصار.

تحديات اقتصادية باقية رغم رفع العقوبات

أضافت الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم بشكل فعال في تسهيل الحركة التجارية والمالية، ورفع القيود المفروضة على الصادرات الأميركية إلى سوريا، مما يخفف من معاناة المواطنين ويفتح آفاقًا جديدة وواسعة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

على الرغم من أن القرار قد يمنح دفعة نفسية للأسواق، ويشجع على بدء محادثات مع مؤسسات مالية دولية لإعادة هيكلة النظام المصرفي السوري، إلا أن تطبيقه على الأرض سيصطدم بواقع معقد.

وتشير بيانات غير رسمية إلى أن أكثر من 40 تريليون ليرة سورية (نحو 3.8 مليار دولار) ما تزال خارج النظام المصرفي، نتيجة لسنوات من انعدام الثقة بالبنوك والعجز عن السحب بحرية.

ويضع هذا الواقع تحديات هائلة أمام قدرة المصرف المركزي والحكومة على الاستفادة الكاملة من رفع العقوبات، ما لم تترافق الخطوة مع إصلاحات عميقة تعيد الثقة بالمؤسسات المالية المحلية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم