في ظل الأوضاع الاقتصادية الطاحنة التي تثقل كاهل المواطن السوري، يترقب الكثيرون موسم التخفيضات الصيفية، المعروف محليًا بـ “التصفيات”، على أمل أن يشكل هذا الموسم، الذي يُعد تقليديًا مناسبة تسويقية هامة لتصريف المخزون من الألبسة والسلع الصيفية قبيل حلول الموسم الشتوي، فرصة للتخفيف ولو قليلًا من أعباء الغلاء المعيشي.
وتبدو صورة تلك “التصفيات” مختلفة تمامًا على أرض الواقع، فالحملات الترويجية والإعلانات التي تُطلقها المحلات التجارية تبدو براقة من بعيد، لكن عند التدقيق في التفاصيل يتضح أنها لا تلامس حاجات المستهلك فعليًا، ولا تخفف عنه أعباء الأسعار المتزايدة.
تخفيضات شكلية بلا جدوى
التخفيضات المعلنة والتي تصل في بعض الأحيان إلى خمسين بالمئة، لا تعني بالضرورة أن الأسعار أصبحت في متناول اليد، إذ غالبًا ما تُسبق بزيادات سعرية أولية على البضائع، ثم يجري الإعلان عن التنزيلات، ليجد المستهلك نفسه أمام بضاعة قديمة بأسعار بالكاد تختلف عن السعر الأصلي.

وجعل هذا الواقع كثيرًا من الأسر السورية تنظر إلى موسم التصفيات على أنه مجرد حملة شكلية لا تحقق الغاية المرجوة، خصوصًا مع التراجع المستمر في القدرة الشرائية، وتوجه معظم الدخل نحو تغطية المواد الأساسية من غذاء ودواء وطاقة، تاركًا مجالًا ضيقًا للإنفاق على الكساء أو الكماليات.
يتراوح متوسط رواتب الأجور في القطاع العام بعد الزيادة الأخيرة بين 375,000 و400,000 ليرة سورية، أي ما يعادل تقريبًا 25-27 دولارًا تقريبًا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية تكاليف معيشة الأسرة حسب التقديرات المحلية.
كما يشكل موسم التخفيضات من الناحية الاقتصادية، مؤشرًا مهمًا لحركة السوق، إذ يقاس من خلاله مستوى النشاط التجاري ومدى التزام التجار بالقوانين الناظمة.
ضوابط غائبة ورقابة منهارة
كانت وزارة التجارة الداخلية في عهد نظام الأسد البائد، وضعت قرارًا تنظيميًا يحمل الرقم 1135، حدد الفترة الرسمية للتصفيات من 15 تموز/ يوليو حتى 15 أيلول/ سبتمبر، واشترط أن لا تقل نسب التخفيض عن 20 بالمئة، وأن يتم الإعلان بشفافية عن الأسعار القديمة والجديدة، إلى جانب ضرورة حصول التاجر على سجل تجاري ساري وتوضيح نسب التخفيض على واجهات المحال.
لكن هذه الضوابط سرعان ما تحولت في ظل تراجع دور الدولة الرقابي إلى مجرد نصوص مكتوبة، إذ تغيب الرقابة الفعلية على الأسواق، وتكثر المخالفات التي تضع المستهلك في مواجهة مباشرة مع جشع بعض التجار.
المعضلة الكبرى لا تكمن فقط في غياب الرقابة أو محدودية العروض، بل في العوامل الهيكلية التي تحكم السوق، فإيجارات المحلات التجارية ارتفعت في السنوات الأخيرة بشكل جنوني، حتى باتت تفوق في بعض الحالات مثيلاتها في مدن كبرى مثل باريس أو دبي، وفق ما يؤكده نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها السابق لؤي نحلاوي.
تكاليف تثقل كاهل المتاجر
أوضح نحلاوي، أن هذه الارتفاعات دفعت أصحاب المحلات إلى تحميل المستهلك جزءًا كبيرًا من تلك التكاليف عبر رفع الأسعار، الأمر الذي أضعف من جدوى أي تخفيضات موسمية، مشيرًا إلى أن المحل الذي كان يبيع في نهاية يومه بملايين الليرات لم يعد يحقق إلا جزءًا بسيطًا من تلك المبيعات، وهو ما جعل الكثير من المتاجر عاجزة عن تغطية تكاليف الإيجار والرواتب والكهرباء، الأمر الذي أدى إلى إغلاق العديد منها أو عرضها للإيجار مجددًا دون جدوى اقتصادية.

وأكد أن هذا الواقع لم يقتصر على قطاع الألبسة فحسب، بل انسحب على المطاعم والمواد الغذائية والأدوات المنزلية، حيث انعكس ارتفاع الإيجارات على أسعار كل تلك السلع والخدمات.
ويذهب نحلاوي إلى أن الإيجار وحده بات سببًا جوهريًا لارتفاع الأسعار، بعيدًا عن عناصر أخرى كالجمارك أو تكاليف الإنتاج أو ضعف الأجور، وفي ظل شبه انعدام القدرة الشرائية، لم تعد الأسواق قادرة على خلق توازن صحي بين التاجر والمستهلك.
المبيعات المتراجعة تعمّق الأزمة
من جانبه، أوضح النائب السابق لغرفة تجارة دمشق محمد الحلاق، أن الصورة أعقد مما تبدو عليه، فبينما انخفضت أسعار العديد من المواد مقارنة بالسنوات الماضية، لم يلمس المستهلك هذا الانخفاض فعليًا بسبب تضخم النفقات الثابتة، وعلى رأسها الإيجارات وتكاليف النقل.
يضرب الحلاق مثالًا على ذلك بقطعة ملابس تباع في سوق الحمراء بمئة ألف ليرة، أي ما يعادل تسعة دولارات فقط، وهي تكلفة أقل مما قد تباع به في كثير من دول العالم، لكن هذا “الرخص النسبي” لا يظهر أثره في حياة السوري الذي يتقاضى راتبًا شهريًا بالكاد يكفي لتغطية احتياجاته الغذائية الأساسية.
المشكلة، كما يبين الحلاق، تكمن في انخفاض حجم المبيعات بشكل حاد، ما يجعل التاجر عاجزًا عن توزيع نفقاته الثابتة على قاعدة واسعة من المبيعات، ففي الاقتصاد، كلما قل حجم المبيعات ارتفعت الكلفة على الوحدة الواحدة من السلعة.
الحل يبدأ من تحسين الدخل
أوضح الحلاق، أن هذا ما يحدث حاليًا في السوق السورية، ضعف المبيعات يؤدي إلى تراكم النفقات، وبالتالي غياب التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يجعل التخفيضات مجرد أداة غير فعالة في ظل الانكماش الاقتصادي.
المخرج، برأي الخبراء، يبدأ من رفع القدرة الشرائية للمواطن، أي من تحسين الرواتب وزيادة الدخل بما يتناسب مع الجهد المبذول، فالتاجر لن يتمكن من رفع الرواتب أو تحسين ظروف العمل دون أن يكون هناك دوران أكبر لرأس المال في الأسواق، وهذا الدوران يحتاج إلى تدخل حكومي مباشر عبر زيادة حجم الإنفاق وتنشيط الحركة الاقتصادية، وهو ما يمكن أن يخلق دورة إيجابية تبدأ من تحسين دخل الفرد، مرورًا بزيادة الاستهلاك، وصولًا إلى دعم التجار على مواجهة تكاليفهم المرتفعة.

الواقع الاقتصادي الأوسع في سوريا يُعطي دلالات أعمق، وفق بيانات صادرة، فقد شهدت سوريا في بداية آب/ أغسطس 2025 زيادة في الرواتب والمعاشات بنسبة تصل إلى 200 بالمئة، في مسعى من الحكومة لتحسين القوة الشرائية وتحفيز الإنفاق المحلي، لكن هذه الزيادة أثارت مخاوف من أنها قد تؤجج التضخم إذا لم تُرافق بخطة شاملة لإصلاح العرض النقدي والتحكم في السيولة.
لذا فإن موسم التصفيات الصيفية، وما تُعلنه اللافتات في المحلات غالبًا ما يُبتلع أمام الواقع، فهناك تخفيضات بلا مشترينٍ قادرين، وسوق يُجبر التجار على المناورة بين الربح الباقي والبقاء على قيد الحياة.

