“كساد بلا ضجيج”.. كيف تبدو أسواق طرطوس بعد عام على التحولات الاقتصادية؟

خلال الأشهر الفائتة، شهدت الأسواق السورية، ومنها الأسواق الموجودة في الساحل السوري، ركوداً اقتصادياً لافتاً. إذ إن هذا المشهد لا يمكن وصفه بالاستثنائي أو الظرفي، وإنما تحوّل إلى حالة شبه دائمة، تتسلل ببطء إلى المحال الصغيرة، وتضغط على التجار والمستهلكين في آنٍ واحد، في صورة تعكس اختلالاً عميقاً بين دخل المواطن السوري والأسعار السوقية، وبين العرض المتضخم بشكل كبير والطلب المتراجع.

وفي الوقت الذي كانت تشير فيه التوقعات إلى تحسّن موسمي في حركة البيع خلال شهر رمضان، جاءت المعطيات عكس ذلك تماماً، لتكشف عن أزمة معيشية خانقة لا يمكن ردّها إلى عامل واحد فقط، بل إلى تداخل عدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية الأمنية، تندمج جميعها داخل السوق.

أسواق طرطوس: وفرة السلع وندرة الزبائن

يقول “حسن” وهو مندوب مبيعات لشركة مواد غذائية ويتحدر من محافظة طرطوس، في حديث لـ”الحل نت“، إن حركة البيع في أسواق طرطوس انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة، مردفاً أن أسوأ فترات السوق في السنوات السابقة تبدو أفضل من الوضع الحالي.

أحد أسواق مدينة طرطوس الساحلية بسوريا- “عدسة الحل نت”

ويعزو المصدر ذاته السبب الأبرز إلى تراجع القدرة الشرائية، خاصة بعد فقدان عدد كبير من الموظفين الحكوميين لمصادر دخلهم، وهم الشريحة التي كانت تشكّل العمود الفقري للاستهلاك المحلي في طرطوس.

ويتابع في حديثه قائلاً: “السوق امتلأ بالأصناف المستوردة من مختلف الدول، لكن المشكلة لم تعد في توفر البضاعة، بل في غياب المشتري”.

ورغم الآمال التي عُلِّقت على شهر رمضان لتنشيط السوق، فإن المبيعات استمرّت في التراجع، وفق قوله، إلى درجة أن كثيراً من التجار “فقدوا حبهم للعمل”، وتحوّل تعاملهم مع الواقع الاقتصادي إلى نوع من السخرية السوداء هرباً من وطأة ثقل الأزمة.

كما يشير إلى أن الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار، رغم الحديث عن المتغيرات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها البلاد، ساهم في تثبيت حالة الغلاء، الأمر الذي جعل أي تحسّن محتمل في الأسواق يبدو مؤجلاً إلى أجل غير واضح.

من طفرة قصيرة إلى انكماش طويل

أما “علي” صاحب أحد المحال التجارية في المدينة، يستعيد الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام السوري السابق، حين شهدت الأسواق حركة شرائية جيدة جداً، مع حفاظ الناس على مدخراتهم، وظهور فئات جديدة من الشعب امتلكت سيولة مالية استطاعت تطويرها مستفيدة من التحولات الاقتصادية والسياسية.

لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً بحسب “علي” الذي تحدث لـ”الحل نت“، وهو مقيم في طرطوس، إذ بدأت هذه الأموال بالتآكل تدريجياً، مع ارتفاع أجور النقل، وصعوبة تنقل سكان القرى إلى المدينة للعمل، حيث يصل متوسط أجر النقل اليومي إلى 15 دولار أميركي، في وقت لا يتجاوز متوسط الراتب الشهري حدود الـ100 دولار أميركي.

ويضيف أن الإنفاق الكبير على شراء السيارات بعد فتح باب الاستيراد، ساهم أيضاً في استنزاف السيولة لدى كثير من الأسر، ما انعكس مباشرة على قدرتها الشرائية اليومية.

ويصف صاحب محل “البقالة” وضع السوق اليوم بأنه “في الحضيض”، لافتاً إلى أن الغلاء يتزايد باستمرار، بينما تبقى المبيعات في تراجع واضح حتى في المواسم التي كانت تشهد نشاطاً ملحوظاً.

 اختلال التوازن التجاري

ربما من أبرز التحولات التي يشير إليها التجار، هي اختفاء الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي كانت تحافظ على استقرار السوق من خلال الاستهلاك المعتدل والمستمر.

أما اليوم، وبحسب وصف “علي” صاحب محل “البقالة”، فقد بات المشهد منقسماً بحدة: “إما غنيّ جداً، أو فقير جداً”.

كما ساهم دخول رؤوس أموال جديدة إلى قطاع البيع بالمفرّق، وافتتاح مراكز تجارية كبيرة، في إضعاف قدرة المحال الصغيرة على المنافسة، خاصة مع اختلاف القدرة على التسعير والعروض، ما أدى إلى تراجع دور المشاريع الصغيرة التي كانت تصمد نسبياً خلال السنوات الماضية.

أحد المحال التجارية في مدينة طرطوس الساحلية بسوريا- “عدسة الحل نت”

وفي مدينة طرطوس التي يعتمد جزء مهم من اقتصادها على العاملين في المجال البحري، إضافة إلى الموظفين القادمين من القرى (الضيع)، فقد أدى فصل أعداد كبيرة من الموظفين من قبل الحكومة السورية الجديدة وتراجع حركة التنقل والعمل إلى انكماش واضح في الدورة الاقتصادية داخل الأسواق.

المستهلك بين الأسعار وتكلفة المعيشة

من جهة المستهلك، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما توحي به مؤشرات أسعار بعض السلع، حيث يشير “فادي” وهو من أبناء الساحل السوري، إلى أنه ينفق شهرياً نحو 100 دولار أميركي على الغذاء، من مدخوله الأصلي الذي يبلغ 150 دولار أميركي، ما يعني أن ثلثي راتبه يذهب فقط لتأمين الاحتياجات الأساسية، مشيراً إلى أنه حالته تُعدّ أفضل من كثيرين غيره.

ورغم الاستفادة الجزئية خلال عام 2025 من انخفاض أسعار بعض المواد مثل البيض والدجاج والمعلبات، إلا أن ارتفاع تكاليف المواصلات والتدفئة، فضلاً عن الكهرباء، قد ألغى عملياً هذا التحسّن، ليبقى الضغط المعيشي على حاله وأسوأ لدى الكثيرين من فئات الشعب السوري اليوم.

ويضيف “فادي” في حديثه مع “الحل نت” أن القرارات الحكومية المتعلقة بمنع استيراد بعض السلع، ورغم هدفها في حماية المنتج المحلي، فقد أدت إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية مثل “الفروج”، في ظل غياب رقابة فعلية على الأسعار، حيث يمكن أن يختلف سعر السلعة نفسها بين محلٍ وآخر ضمن الشارع نفسه.

تداعيات الفصل الوظيفي

الأزمة الاقتصادية المعيشية الحالية لا تقتصر على الأرقام المجردة، إذ امتدت إلى قصصٍ اجتماعية ملموسة، وقد اضطرّ الكثير من الموظفين الذين فقدوا وظائفهم الحكومية إلى الانتقال إلى أعمال مؤقتة ومنخفضة الأجر، لا تقترب حتى من رواتبهم السابقة المتواضعة أساساً.

على سبيل المثال، إحدى السيدات اللواتي كنّ يعملن في القطاع الحكومي، أصبحت تعمل في تنظيف المنازل، بينما يعمل موظف حكومي سابق في خدمات بسيطة بأجور زهيدة، في مشهدٍ يلخص التحول القاسي داخل بنية سوق العمل، وانعكاسه المباشر على الاستهلاك والطلب داخل الأسواق.

إذن، تختلف القراءات حول وجود تباينات داخل أسواق المدينة نفسها، سواء على أسس طبقية أو اجتماعية، أو نتيجة توجّه بعض الفئات إلى دعم أسواق محددة دون غيرها، إلا أن القاسم المشترك يبقى واحداً: الفقر وضعف القدرة الشرائية باتا العامل الحاسم في تحديد شكل السوق ومستقبله.

مشهد عام من مدينة طرطوس الساحلية بسوريا- “عدسة الحل نت”

فحتى الفئات التي ما زالت تمتلك دخلاً جيداً نسبياً، لم تتأثر كثيراً بالأزمات المتتالية، بينما تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود العبء الأكبر من الركود والغلاء الحالي في الأسواق السورية عموماً، ومنها أسواق طرطوس.

لا يبدو المشهد اليوم في الأسواق على أنه أزمة اعتيادية أو موسمية، وإنما مسار اقتصادي يتجه نحو المزيد من الانكماش، في ظل تراجع السيولة، وارتفاع التكاليف المعيشية، وتآكل الطبقة الوسطى منذ سنوات عديدة وحتى الآن، وغياب الرقابة الحقيقية على الأسعار، مقابل سياسات اقتصادية تحاول حماية المنتج المحلي دون أن تقترن بضبط فعلي للأسعار بما يتناسب مع مداخيل المواطنين.

وإذا كانت حماية المنتج الوطني خطوة ضرورية، فإن تجاهل قدرة المستهلك على الشراء قد يحوّل هذه الحماية إلى عبءٍ إضافي يفاقم الركود بدلاً من تخفيفه.

4 6 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم