إيران تتراجع: عودة للمفاوضات تحت ضغط التصعيد العسكري

تكشف التطورات الأخيرة عن تحوّل تدريجي في السلوك الإيراني، حيث بدأت طهران تُظهر مؤشرات على الانخراط غير المباشر في مسار تهدئة، رغم استمرار النفي العلني. ويأتي هذا التحول في ظل ضغط عسكري واقتصادي متزايد، وتزامنًا مع تصعيد ميداني مستمر وتقلبات حادة في أسواق الطاقة،  بحسب مانقل موقع “نيويورك بوست”.  

تفاوض غير معلن من الجانب الإيراني

في هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الإثنين، أن الولايات المتحدة ستمتنع عن استهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء في إيران لمدة خمسة أيام، عقب ما وصفه بـ”محادثات جيدة جداً ومثمرة” جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع بين واشنطن وطهران لبحث إنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاثة أسابيع.

وقال ترامب، دون تقديم تفاصيل إضافية: “يسعدني أن أبلغ بأن الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إيران قد أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات جيدة جداً ومثمرة بشأن التوصل إلى حل كامل ونهائي للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط”.

وأضاف:“استناداً إلى طبيعة ونبرة هذه المحادثات المعمقة والمفصلة والبنّاءة، التي ستستمر طوال الأسبوع، فقد وجهت وزارة الحرب بتأجيل أي وجميع الضربات العسكرية ضد محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة خمسة أيام، وذلك رهناً بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية”.

وفي اتصال لاحق مع شبكة CNBC، شدد ترامب على أن الولايات المتحدة “عازمة جداً على إبرام اتفاق مع إيران”، واصفاً المحادثات بأنها مكثفة للغاية، في مؤشر إضافي على وجود مسار تفاوضي فعلي، حتى وإن بقي غير معلن من الجانب الإيراني.

ويأتي هذا التطور بعد تصعيدٍ أمريكي حاد، إذ كان ترامب قد منح إيران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز اعتباراً من مساء السبت، مهدداً بأنه في حال عدم الامتثال “فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستضرب وتدمر محطات الطاقة المختلفة لديهم، بدءاً بالأكبر أولاً!”.

نفي رسمي يخفي واقع الضغط

صورة أقمار صناعية تُظهر طائرات إيرانية مدمّرة داخل قاعدة شيراز العسكرية (رويترز)

في المقابل، سارعت طهران إلى نفي وجود أي محادثات، حيث أصدرت وزارة الخارجية بياناً، نشرته صحيفة “إيران” الحكومية، اعتبرت فيه أن تصريحات ترامب تأتي في إطار “محاولات لخفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لتنفيذ خططه العسكرية”.

ورغم الإشارات المتزايدة إلى جهود إقليمية لخفض التصعيد، تمسكت إيران بموقفها العلني، مؤكدة أنها “لم تبدأ الحرب”، وأنه ينبغي توجيه الضغوط إلى واشنطن. إلا أن هذا الخطاب يتناقض مع المعطيات الميدانية والسياسية التي تشير إلى تعرض طهران لضغط متصاعد يدفعها نحو التهدئة.

ضغوط اقتصادية 

على الأرض، ترافقت هذه التطورات مع تأثيرات فورية على أسواق الطاقة، إذ أدى الموقف الإيراني، إلى جانب استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية، إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً لتقترب من 100 دولار للبرميل بحلول الساعة 8:30 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة.

في المقابل، كان إعلان ترامب عن تأجيل الضربات قد دفع خام برنت إلى التراجع لما دون 94 دولارًا للبرميل، بعد أن كان قد بلغ نحو 109 دولارات قبل بدء التداول، فيما سجلت العقود الآجلة لمؤشري( S&P 500) و(داو جونز) ارتفاعاً بنسبة 2.6% قبل افتتاح السوق، ما يعكس حساسية الأسواق لأي مؤشرٍ على خفض التصعيد.

تضييق الخناق العسكري

قاذفة من طراز B-1 تابعة لسلاح الجو الأمريكي في قاعدة “راف فايرفورد” الجوية (رويترز)

ويمثل إعلان ترامب أول تأكيد رسمي على وجود مسار تفاوضي لإنهاء عملية “الغضب الملحمي”، التي بدأت في 28 شباط/ فبراير، والتي كان قد أشار سابقاً إلى أنها قد تستمر نحو “أربعة أسابيع أو نحو ذلك”، ما يجعل 28 مارس موعداً تقريبياً لنهاية العمليات.

وفي تقييم لواقع الميدان، قال ترامب:  “من الناحية العسكرية، كل ما يفعلونه هو عرقلة المضيق. لكن من الناحية العسكرية، هم انتهوا”.

هذا التصريح يعكس قناعة أمريكية بأن القدرة الإيرانية على التصعيد باتت محدودة، وأن خياراتها تنحصر في أدوات تعطيل غير حاسمة، مثل إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، والذي ظل مغلقاً فعلياً منذ اندلاع الحرب، ما فاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي.

وساطة إقليمية

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي يقود جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، أن بلاده “تعمل بشكل مكثف لوضع ترتيبات تضمن المرور الآمن عبر مضيق هرمز”، في مؤشرٍ إضافي على وجود مسار تفاوضي نشط تدفع إليه الضغوط الميدانية والاقتصادية.

إذ على الرغم من الخطاب التصعيدي العلني، تُظهر الوقائع أن إيران تتحرك تدريجياً نحو التهدئة تحت تأثير ضغط عسكري واقتصادي متزايد، مع انخراط غير مباشر في مسار تفاوضي، ما يعكس تراجعاً عملياً في خياراتها الاستراتيجية، حتى وإن استمرت في إنكار ذلك سياسياً.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم