إسرائيل تخشى طموحات تركيا في سوريا ولا مبالاة واشنطن حيالها

تتزايد المخاوف داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية من مساعي تركيا لتعزيز حضورها العسكري في سوريا، وسط معلومات استخباراتية تقول تل أبيب إنها رصدت خططاً لنشر رادارات وطائرات مسيرة ومنظومات عسكرية في قواعد سورية. لكن القلق الإسرائيلي لا يقتصر على أنقرة، إذ يساور المسؤولين الإسرائيليين شك متزايد في استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتدخل لكبح الطموحات التركية، في ظل علاقته الوثيقة بالرئيس رجب طيب أردوغان واستثماره السياسي في دعم الحكومة السورية الجديدة.

“لا تنخدعوا”

كشف تقرير لموقع (المونيتور) أن مصادر سياسية وأمنية إسرائيلية رفيعة تشكك في تأكيدات تركيا بأنها لا تعتزم إنشاء قواعد عسكرية في سوريا أو نشر منظومات دفاع متطورة فيها.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل شنت ضربة على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بعد معلومات استخباراتية قالت إنها تشير إلى خطط تركية لتوسيع وجودها العسكري في الموقع.

مطار أبو الظهور قبل وبعد الضربات الإسرائيلية. (انترنت)

ورفض مسؤولون أتراك، بينهم برهان الدين دوران، كبير مستشاري الاتصالات للرئيس رجب طيب أردوغان، الاتهامات الإسرائيلية، لكن المصادر الأمنية الإسرائيلية لم تقتنع بالنفي التركي.

وقال مصدر أمني إسرائيلي رفيع لـ”المونيتور”: “لا تنخدعوا. كانت تركيا تعتزم وضع أنظمة رادار وطائرات مسيرة هجومية في قاعدة القوات الجوية السورية تحت غطاء سوري. المعلومات مؤكدة”.

وأضاف المصدر أن الأتراك والسوريين يعرفون أن إسرائيل على اطلاع على هذه الخطط، مؤكداً أن تل أبيب لا تنوي السماح بنشر قوات عسكرية تركية إضافية على الأراضي السورية.

الوجود التركي وخطوط إسرائيل الحمراء

ولفت التقرير إلى أن تركيا كانت أحد أبرز داعمي المعارضة السورية المسلحة خلال سنوات الحرب، وعززت تدريجياً وجودها العسكري في شمال البلاد منذ عام 2016، في إطار عملياتها ضد “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية.

ويُقدّر عدد القوات التركية المنتشرة في شمال سوريا بنحو 20 ألف جندي، فيما أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر في وقت سابق أن أنقرة لا تعتزم سحب قواتها من سوريا في المستقبل القريب.

ولا تخشى إسرائيل الوجود التركي الحالي فحسب، بل احتمال انتقاله إلى مرحلة جديدة تشمل قواعد عسكرية ورادارات ومنظومات دفاع جوي وطائرات مسيرة، بما يمنح أنقرة نفوذاً أوسع على المجال الجوي السوري ويقيد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية، فإن إسرائيل حاولت منع هذه الخطط عبر قنوات دبلوماسية وتحذيرات سبقت الضربة، كما أطلعت الولايات المتحدة على المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالنشاط التركي. لكن فشل هذه المساعي دفعها، وفق هذه المصادر، إلى استهداف قاعدة أبو الظهور لمنع استخدام منشآتها في إطار الوجود العسكري التركي المتوقع.

دمشق بين أنقرة وتل أبيب

تضع هذه التطورات الحكومة السورية الانتقالية في قلب التنافس المحتدم بين إسرائيل وتركيا، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى توسيع تعاونها العسكري والسياسي مع دمشق.

وفي المقابل، شهدت الفترة الأخيرة اتصالات مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بينها اتصال جرى بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومسؤول إسرائيلي رفيع، تناول النشاط العسكري التركي في سوريا.

وتعكس هذه الاتصالات تحولاً في المقاربة الإسرائيلية تجاه دمشق مقارنة بالموقف الأكثر عدائية وحذراً الذي ساد في السابق. وتوجد مساعٍ جدية لخفض التوتر ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا.

ويبدو أن إسرائيل تحاول الجمع بين الضغط العسكري لمنع التوسع التركي والإبقاء على قنوات اتصال مع دمشق، في محاولة لرسم حدود للوجود العسكري التركي من دون الانزلاق إلى صدام إقليمي أوسع.

واشنطن.. مصدر قلق إسرائيلي آخر

لكن أحد أبرز محاور التقرير يتمثل في الشكوك الإسرائيلية تجاه موقف إدارة ترامب من الطموحات التركية في سوريا. فلا تخشى إسرائيل تركيا وحدها، بل تخشى أيضاً أن واشنطن لن تتدخل فعلياً لمنع أنقرة من توسيع حضورها العسكري في سوريا.

ترامب وأردوغان في مراسم رسمية بأنقرة قبيل قمة “الناتو” تموز/يوليو الماضي. (رويترز)

ويعود ذلك إلى العلاقة الوثيقة التي تجمع ترامب بأردوغان، وإلى حرص الرئيس الأميركي على الحفاظ على علاقته بالرئيس التركي، إلى جانب استثماره السياسي في دعم الحكومة السورية الجديدة. ترى مصادر إسرائيلية أن ترامب قد لا يكون مستعداً للمخاطرة بعلاقته مع أردوغان من أجل فرض قيود على التحركات التركية في سوريا، حتى في ظل اعتبار إسرائيل أن هذا التوسع يمثل تهديداً مباشراً لمصالحها الأمنية.

وبذلك، لا يتعلق القلق الإسرائيلي بما إذا كانت واشنطن قادرة على وقف تركيا، بل بما إذا كان ترامب يرغب سياسياً في القيام بذلك أساساً.

إسرائيل تستعد للتحرك بمفردها؟

كشف التباين بشأن الضربة الإسرائيلية على أبو الظهور حجم الفجوة بين تل أبيب وواشنطن. فقد وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم باراك الضربة بأنها “تصعيد غير ضروري”، وحذر من أن الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا قد يقود إلى مواجهة غير مقصودة.

ودفعت واشنطن باتجاه إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، في محاولة لاحتواء التوتر المتزايد بين الأطراف الثلاثة.

كما كشف باراك عن وجود قنوات تنسيق أمنية بين تركيا وإسرائيل وسوريا في بعض الملفات، بما في ذلك ملاحقة خلايا تنظيم “داعش”، في مؤشر على أن التوتر العسكري لا يمنع استمرار الاتصالات الأمنية في قضايا محددة.

لكن من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن هذه الآليات لا تقدم ضمانة حقيقية لمنع تركيا من توسيع نفوذها العسكري. ولذلك يبدو أن تل أبيب تستعد لاحتمال التعامل مع هذه المسألة بنفسها إذا لم تتدخل واشنطن.

وتتجه إسرائيل إلى سياسة تقوم على احتواء تركيا في سوريا بقدراتها الخاصة، مستفيدة من تفوقها العسكري، مع محاولة تجنب مواجهة مباشرة مع أنقرة، بحسب ما خلص إليه التقرير.

فهل تنجح إسرائيل في كبح الطموحات العسكرية التركية داخل سوريا من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة؟ وهل تستطيع واشنطن احتواء التوتر بين حليفين مهمين لها، أم أن الخلاف حول مستقبل النفوذ في سوريا سيبقى مفتوحاً على مزيد من الضغوط والتجاذبات؟

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم