وثّقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” سلسلة من الانتهاكات ذات الطابع الطائفي استهدفت مدنيين علويين في مدينة طرطوس وريفها بين كانون الأول/ديسمبر 2025 ونيسان/أبريل 2026، متهمة عناصر منضويين ضمن أجهزة أمنية تابعة للسلطة السورية الانتقالية بالوقوف وراء اعتداءات شملت التوقيف التعسفي والتحرش الجنسي والابتزاز والسرقة والتهديد بالقتل، في ظل امتناع السلطات عن محاسبة المسؤولين أو إنصاف الضحايا.
استهداف طائفي
استند التقرير إلى 11 شهادة لضحايا وشهود عيان من أحياء الرمل والفقاسة والغمقة والمشروع السادس في مدينة طرطوس، إضافة إلى قرى المنطار ويحمور وأم حوش وخربة المعزة وبيت عمران زينة في ريف صافيتا. وأظهرت الشهادات نمطاً متكرراً من الاستهداف يبدأ بسؤال مباشر يوجهه المسلحون للمدنيين: “هل أنت علوي أم سني؟”، قبل تقرير مصيرهم بناءً على الإجابة.
ومن بين الحالات الموثقة، تعرض شاب يعمل كأخصائي تغذية، للتوقيف مع صديقته على كورنيش طرطوس من قبل أربعة أشخاص قالوا إنهم من “قوى الأمن الداخلي”، حيث دُوّنت بياناتهما وأُجبر على التواصل مع ذوي الفتاة للتحقيق في طبيعة العلاقة بينهما. كما وثّق التقرير تعرض طالبٍ وثلاثة من أصدقائه لاعتداء بالضرب والتهديد بالقتل والإهانات الطائفية على يد مسلحين يستقلان سيارة تحمل لوحة “إدلب تجربة”.

وفي حادثتين منفصلتين في حي الفقاسة، أكد شاهدان رؤية مركبة مشابهة استخدمت في اعتراض مدنيين وتوجيه إهانات طائفية لهم، ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على تحرك منظم لا يقتصر على تجاوزات فردية. وتكشف الشهادات أن بعض المعتدين كانوا يبررون أفعالهم بعبارات من قبيل “أموال العلويين ودماؤهم وأعراضهم حلال”، وهي عبارة تكررت في أكثر من شهادة مستقلة جمعتها المنظمة.
تحرش وابتزاز وتهديدات
وسلط التقرير الضوء على انتهاكات جنسية وإهانات قائمة على النوع الاجتماعي. وتحدثت صيدلانية عن توقيفها مع طفلها البالغ أربع سنوات، حيث صودر هاتفها الشخصي وتعرضت لأسئلة مهينة وتهديدات بتحويلها إلى “جارية” وقتل زوجها، بينما هدد أحد المسلحين طفلها بالذبح، ما استدعى لاحقاً إخضاعه لعلاج نفسي بسبب الصدمة.
وروى سائق سيارة أجرة، كيف أوقفه أربعة مسلحين أثناء نقله فتاة قاصر إلى منزلها، قبل أن يجلس أحدهم إلى جانبها داخل السيارة ويتحرش بها جسدياً ويصفعها عندما صرخت، فيما تعرض هو للضرب المبرح بعد محاولته التدخل. وخلال الاعتداء، خاطبه أحد المسلحين قائلاً: “أموالكم ودماؤكم وأعراضكم حلال لنا أيها العلويون الخنازير”.
كما وثّق التقرير حوادث نهب وابتزاز، بينها انتزاع مشتريات أحد المدنيين وتحطيمها مع نعته بـ”العلوي الزنديق”، ومحاولة إحراق صاحب محطة وقود بعد مطالبته بثمن الوقود الذي استولى عليه مسلحون دون دفع، إضافة إلى إطلاق النار على بضاعة صاحب ورشة دهان سيارات لأنه طالب بأجر عمل أنجزه لمسلحين رفضا الدفع قائلين إن “تركه حياً هو أجره”.
ووفق التقرير، رفضت الشرطة في أكثر من حادثة تسجيل الشكاوى أو تعاملت معها ضد مجهول رغم وجود أوصاف دقيقة للمركبات والجناة، فيما أكد محامٍ في طرطوس أن رفع دعاوى ضد عناصر أمنية قد يعرض أصحابها لمخاطر أكبر من فرص حصولهم على العدالة.
وذكر ثمانية من أصل 11 شاهداً أن تكرار هذه الانتهاكات وغياب المحاسبة دفعهم إلى اتخاذ قرار بمغادرة سوريا أو التحضير للهجرة، في مؤشر على اتساع الشعور بانعدام الأمان لدى شريحة من أبناء الطائفة العلوية في المحافظة.
غياب المحاسبة

ورأت المنظمة أن استمرار هذه الممارسات يعكس فشلاً واضحاً للسلطات السورية في فرض الرقابة على الأجهزة الأمنية ومنع التمييز ضد المواطنين على أساس الانتماء الديني أو الطائفي، معتبرة أن غياب التحقيقات الجدية والمحاسبة يرسخ حالة الإفلات من العقاب ويزيد من هشاشة السلم الأهلي، خصوصاً في المناطق الساحلية التي شهدت خلال الأشهر الماضية أعمال عنف دامية وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.
ودعت المنظمة الحكومة السورية إلى إصدار تعليمات صريحة تحظر أي إجراءات أمنية قائمة على الهوية الطائفية أو الدينية، وضمان التزام الأجهزة الأمنية بالمبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة وحرية المعتقد، وإنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى الضحايا والتحقيق فيها بشفافية. كما شددت على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتعويض المتضررين واتخاذ تدابير مؤسسية تمنع تكرار هذه الممارسات.
ويأتي التقرير في وقت تتواصل فيه تحذيرات منظمات حقوقية من تصاعد الانتهاكات ذات الطابع الطائفي في سوريا، وسط انتقادات متزايدة لأداء الحكومة السورية في ملف العدالة الانتقالية، واتهامات لها باستهداف الأقليات وعدم ملاحقة مرتكبي الانتهاكات، الأمر الذي يهدد بتعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف فرص تحقيق استقرار مستدام في البلاد.

