المقاتلون الأويغور وأبو مريم الأسترالي.. ملفان يلاحقان المرحلة الانتقالية في سوريا

المقاتلون الأويغور وأبو مريم الأسترالي.. ملفان يلاحقان المرحلة الانتقالية في سوريا

أعادت أستراليا، في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إدراج إبراهيم سكرية المعروف باسم “أبو مريم الأسترالي” ضمن قائمة العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، بعد مراجعة دورية للقائمة.

وأوضحت وزارة الخارجية الأسترالية أن هذه الإدراجات تنتهي تلقائياً وتخضع لإعادة النظر في الذكرى الثالثة لصدورها، وكانت كانبيرا قد أدرجت سكرية للمرة الأولى عام 2018، وقالت حينها إنه يُشتبه بعضويته في “جبهة النصرة”.

قرار إدراج سكرية جاء في وقت عاد فيه ملف المقاتلين الأجانب، وخصوصا الأويغور الموجودين في الجيش السوري، إلى التغطية الغربية.

وبالرغم من عدم تطابق قضية سكرية مع ملف المقاتلين الأويغور، فقد ربطت تحقيقات صحفية اسمه بلجنة تولت إعادة ترتيب أصول وشركات في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، بينما يتعلق ملف الأويغور بإدماج مقاتلين أجانب في تشكيلات الجيش الجديد.

ففي حزيران/يونيو 2025، قالت وكالة “رويترز” إن واشنطن وافقت بصورة مشروطة على خطة لضم نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الأويغور، إلى الفرقة 84، في حين قال المبعوث الأميركي توماس باراك إن القبول يرتبط بالشفافية وإدخال هؤلاء المقاتلين ضمن مشروع الدولة بدل بقائهم خارج مؤسساتها.

ويفتح تزامن الملفين أسئلة مختلفة حول الوضع القانوني للأجانب داخل مؤسسات السورية، وحدود العقوبات الخارجية وآثارها، وشروط منح الرتب العسكرية، وموقف الدول التي ما زالت تحتفظ بملفات مرتبطة بهؤلاء الأشخاص والجماعات.

عقوبات على مدير الصندوق السيادي السوري

رغم استمرار العقوبات الأسترالية، ظهر اسم سكرية خلال العامين الماضيين في تقارير تناولت إعادة ترتيب بعض الأصول والمؤسسات الاقتصادية في سوريا، وذكرت “رويترز” في تموز/يوليو 2025 أنه قاد الجانب الاقتصادي في لجنة غير معلنة شاركت في إدارة أصول وشركات مرتبطة برجال أعمال من عهد الأسد.

إبراهيم سكرية المعروف بـ"أبو مريم الأسترالي" وسائل التواصل الاجتماعي
إبراهيم سكرية المعروف بـ”أبو مريم الأسترالي” وسائل التواصل الاجتماعي

وفي 2026، نقلت تقارير صحفية عن أشخاص تعاملوا مع الصندوق السيادي السوري أنهم التقوا سكرية بصفته مديراً للصندوق، من دون أن يظهر حتى الآن قرار تعيين منشور يثبت هذه الصفة.

المحامي المعتصم الكيلاني قال في حديثه لـ”الحل نت” إن “إدراج إبراهيم سكرية على قائمة أسترالية للعقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب لا يُبطل، بذاته، أي تعيين له داخل سوريا”، موضحاً أن العقوبات الأسترالية تنتج آثارها وفق القانون الأسترالي ولا تتحول تلقائياً إلى حكم سوري أو قرار صادر عن مجلس الأمن.

وأضاف الكيلاني أن “غياب الأثر المباشر لا يعني غياب الخطر”، لأن منح شخص خاضع لعقوبات مالية سلطة على أموال عامة أو معاملات خارجية قد يعطل تعاملات مع مصارف أو شركات ملزمة بتطبيق تلك العقوبات.

ويربط الكيلاني أهلية أي شخص لتولي منصب رسمي بالقانون السوري الناظم لذلك المنصب، وشروط الجنسية والكفاءة والنزاهة، والقرار الذي استند إليه التعيين.

كيف تعاملت دمشق مع المقاتلين الأجانب؟

ملف المقاتلين الأويغور عاد للظهور بعد تقرير ميداني نشرته “فرانس 24” في 30 أيلول/سبتمبر 2026، بعد وصول الصحفي وسيم نصر إلى عناصر منهم داخل سوريا.

مقاتلون من الأويغور في سوريا
مقاتلون من الأويغور في سوريا

وقدر التقرير عدد المقاتلين الأويغور بنحو 2000، وقال إنهم ينحدرون من “الحزب الإسلامي التركستاني”، الذي أعلن حل نفسه واندماج عناصره في الجيش السوري.

وسبق أن قالت “رويترز” في 2 حزيران/يونيو 2025 إن خطة دمج المقاتلين الأجانب شملت نحو 3500 عنصر، معظمهم من الأويغور القادمين من الصين ودول مجاورة، ضمن الفرقة 84 التي تضم سوريين أيضاً.

وأكد المبعوث الأميركي توماس باراك حينها وجود “تفاهم مع الشفافية”، مضيفاً أن إبقاء هؤلاء المقاتلين ضمن مشروع الدولة أفضل من استبعادهم.

كما قال مسؤول في الحزب الإسلامي التركستاني للوكالة إن التنظيم حل نفسه رسمياً وأصبح يعمل تحت سلطة وزارة الدفاع.

لكن النقاش الأميركي لم يتوقف عند القبول المشروط بالدمج، ففي حزيران/يونيو 2026، أقرت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ نسختها من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، وتضمنت بنداً يربط التعاون مع الحكومة السورية باتخاذ خطوات لإخراج المقاتلين الأجانب من القوات والمؤسسات الحكومية، ونزع سلاح من يبقى منهم، وإنشاء نظام لمراقبتهم. ويختلف هذا النص عن شرط “FY2026″، الذي ركز على إبعاد الأجانب عن المناصب العليا فقط، ولم يصبح هذا البند، بصيغته تلك، قانونا نهائيا بعد.

ويصف الباحث آرون زيلين سياسة دمشق منذ سقوط النظام السابق بأنها تقوم على “الدمج أو الاعتقال”، إذ أدخلت السلطات معظم المقاتلين الأجانب ضمن هياكل الدولة، واعتقلت من احتفظ بأجندة مستقلة أو شكل مصدر توتر مع دول أخرى.

من جهة أخرى، يقول الكاتب والإعلامي عمار ديوب لـ”الحل نت” إن ملف أبو مريم الأسترالي يوضح خطأ سياسة التعيينات، وكذلك قبول مجموعات كبيرة من المقاتلين الأجانب في إطار الجيش، بل وتشكيل قطع عسكرية خاصة بهم، وهي ملفات تستطيع دول مثل أستراليا والولايات المتحدة وغيرها فتحها في أي وقت.

القبول الدبلوماسي بالسلطة السورية ورفع العقوبات أو رفع أسماء بعض مسؤوليها من قوائم الإرهاب لا يعني قبول كل هيئة تحرير الشام أو الأويغور أو المقاتلين الأجانب، هذا الرفع من قوائم الإرهاب لن يرافقه دعم مالي، والسلطة الآن بأسوأ أحوالها بالمعنى المادي.

عمار ديوب – كاتب وإعلامي سوري

ويرى ديوب أن عدم تخلي السلطات السورية عن الجهاديين العرب، ومن بينهم مصريون، ينعكس سلباً على علاقاتها مع القاهرة، التي يقول إنها ما تزال عند مستويات متدنية.

الرتب العسكرية أمام القانون السوري

وبالنظر للوضع القانوني فإن دمج المقاتل الأجنبي داخل الجيش السوري له ضوابط وشروط، نصت عليها القوانين السورية.

ويقول المحامي المعتصم الكيلاني إن المادة 51 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 أبقت التشريعات السابقة سارية ما لم تعدلها أو تلغها نصوص جديدة، ما يعني استمرار تطبيق قانون الخدمة العسكرية رقم 18 لعام 2003 ما لم يصدر تشريع خاص يخالفه.

تشترط المادة 21 من قانون الخدمة العسكرية رقم 18 لعام 2003 أن يحمل من يُمنح رتبة ضابط الجنسية السورية منذ 5 سنوات على الأقل، إلى جانب شروط أخرى تتعلق بالخدمة والأهلية، ويحدد القانون استثناءً لحامل جنسية دولة عربية، على أن يصدر ذلك بمرسوم ووفق الشروط المنصوص عليها.

المعتصم الكيلاني – محام سوري

ويقول الكيلاني: “إذا مُنح شخص أويغوري لا يحمل الجنسية السورية ولا جنسية دولة عربية رتبة ضابط، فإن السؤال القانوني المباشر هو: ما النص النافذ الذي أجاز تجاوز شروط المادة 21؟”.

ويشدد على ضرورة التمييز بين 3 حالات: وجود مقاتل أجنبي داخل تشكيل جرى دمجه عملياً، واكتسابه صفة عسكري نظامي، ثم منحه رتبة ضابط أو توليه قيادة وحدة، ويقول إن إثبات إحدى هذه الحالات لا يثبت تلقائياً مشروعية الحالات الأخرى.

ويضيف الكيلاني إن “منح الجنسية لاحقاً، إن وقع، لا يصحح بأثر رجعي قراراً سبق صدورها، كما أن التجنس لا يحقق فوراً شرط حمل الجنسية السورية لمدة 5 سنوات، لذلك لا يكفي القول إن هؤلاء سيحصلون على الجنسية لتسويغ رتبة مُنحت بالفعل”.

ويقول الكيلاني، “ما أخشاه كسوري هو أن تتحول معالجة ملف المقاتلين الأجانب إلى قرارات غير منشورة تُحمّل الدولة كلها تبعات لا يعرف المواطنون أساسها، المطلوب اليوم تدقيق فردي في الهوية والسجل والارتباطات، وإعلان السند القانوني للتجنيس والتعيين والترفيع، وإخضاع كل من يحمل سلاح الدولة لقيادتها وقانونها ومساءلتها”.

أين يبدأ الالتزام الدولي؟

ويفرق المحامي المعتصم الكيلاني بين العقوبات التي تفرضها دولة بصورة منفردة، وبين التدابير التي يصدرها مجلس الأمن وتلتزم بها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ويقول: إن “سوريا ليست ملزمة بتطبيق القائمة الأسترالية لمجرد أن أستراليا أدرجت شخصاً فيها”، موضحاً أن أثر هذه العقوبات يبقى مرتبطاً بالقانون الأسترالي والجهات التي تخضع له.

في المقابل، تلتزم سوريا بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن عندما تحمل طابعاً ملزماً، بما يشمل التدابير المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب وتجميد الأموال في الحالات التي تنطبق عليها الشروط المحددة في تلك القرارات.

ويشير الكيلاني إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 1373 يفرض التزامات عامة على الدول في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، لكنه لا يحول كل شخص تدرجه أستراليا على قائمتها الوطنية إلى شخص مدرج تلقائياً على قائمة أممية.

لذلك، بحسب الكيلاني، تحتاج كل حالة إلى فحص مستقل يشمل هوية الشخص، وطبيعة الإدراج، وما إذا كان اسمه وارداً في نظام عقوبات أممي محدد، إضافة إلى الوقائع والأدلة المتوافرة، ويضيف أن “منح الجنسية أو الرتبة لشخص أجنبي ليس، بمجرده، جريمة دولية”.

لكن الوضع يختلف إذا تعاملت الدولة مع شخص تنطبق عليه تدابير أممية ملزمة، أو إذا ظهرت أدلة جدية تربطه بتمويل أعمال إرهابية أو الإعداد لها، بما يفرض على السلطات مراجعة الحالة وفق التزاماتها الدولية والقانون السوري.

من احتواء الفصائل إلى بناء الدولة

الخبير في الشؤون الاستراتيجية عامر السبايلة يقول لـ”الحل نت” إن “عملية الاحتواء، أي استيعاب المقاتلين والتشكيلات السابقة داخل مؤسسات الدولة، بُنيت على فكرة الانتقال من الفكر الميليشياوي إلى الفكر المؤسسي”، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار يرتبط بخضوع هذه التشكيلات لقواعد واضحة للقيادة والمساءلة.

ويرى السبايلة أن الإشكال لا يقتصر على وجود مقاتلين أجانب داخل المؤسسة العسكرية، بل يمتد عندما تتوسع أدوار شخصيات مرتبطة بمرحلة الفصائل إلى مجالات أخرى داخل الدولة.

ويقول السبايلة: “في حال توسعت أدوار هؤلاء من الأدوار التقنية التقليدية إلى الملفات الاقتصادية والسياسية، فإن التباين بين سياسة دمشق في دمج بعض المقاتلين الأجانب وبين الدعوات الأميركية إلى نزع سلاحهم سيبقى موجوداً ويمكن أن يزداد في كل مرحلة”.

التداعيات الأمنية والسياسية، لحضور الأويغور وشخصيات مثل أبو مريم، هي العقوبات أولاً، والعزوف عن التعامل مع النظام في سوريا، والتشكيك في حقيقة هذا النظام وبنيته وشكله، وبالتالي تزداد أموره صعوبة لاحقاً.

عامر السبايلة – خبير في الشؤون الاستراتيجية

ويلفت السبايلة إلى أنه “لا يمكن لأشخاص مطلوبين في قضايا إرهاب أن يتحولوا إلى صناع سياسات اقتصادية أو سياسية، ثم يُفرض على الدول التعامل معهم”.

من جهة أخرى، يرى الكاتب والإعلامي عمار ديوب أن ملفات المقاتلين والشخصيات الأجنبية يمكن أن تتحول إلى “أوراق” تستخدمها دول مختلفة في علاقاتها مع دمشق، معتبراً أن القبول الدبلوماسي بالحكومة السورية لا يعني بالضرورة قبول جميع الأسماء والتيارات المرتبطة بمرحلة “هيئة تحرير الشام” أو بالمقاتلين الأجانب.

ملف لم يُغلق بعد

بعد قرابة عامين على سقوط نظام الأسد، لم يعد النقاش حول المقاتلين الأجانب مقتصراً على بقائهم في سوريا أو مغادرتهم، بل انتقل إلى موقعهم داخل مؤسسات الدولة وطبيعة الأدوار التي يشغلونها.

ولا تزال عدة أسئلة مطروحة، بينها الوضع القانوني لمن حصل منهم على الجنسية، والأساس الذي استندت إليه قرارات منح الرتب العسكرية، ومدى خضوع الوحدات التي ضمت مقاتلين أجانب لسلسلة قيادة ومساءلة واحدة داخل الجيش السوري.

كما يبقى موقع إبراهيم سكرية، المعروف باسم “أبو مريم الأسترالي”، بحاجة إلى توضيح رسمي في ظل استمرار العقوبات الأسترالية عليه وتقارير صحفية ربطت اسمه بأدوار داخل مؤسسات اقتصادية سورية.

ويختم السبايلة حديثه إن السؤال الأبرز هو ما طبيعة وبنية هذا النظام الجديد في سوريا، وهل يستطيع الانتقال إلى فكر الدولة الوطنية أم يبقى يدور في فلك الميليشيا الأيديولوجية؟

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم