الاستهداف الذي تعرض له ميناء دمياط في مصر، وتبيّن أنه هجوم بطائرة مسيّرة، بينما لم تنكشف حتى الآن رسمياً الجهة المتورطة في الحادث، لا يبدو أنه أمراً غامضاً بالكلية أو يقع في نطاق التخمينات، إنما بدا كاشفاً عن جملة دوافع مشبوهة تتمثل في وضع القاهرة بموقعها الجيواستراتيجي، وأهميتها كفاعل إقليمي مؤثر ووازن، على الحافة، وهي التي اضطلعت بمهام قصوى في استعادة الاستقرار وبناء معادلات سياسية لتجنب الأوضاع الميدانية المتوترة، كما هو الحال في وساطتها مع اندلاع الحرب الإيرانية أو إنهاء حرب غزة قبل أعوام قليلة.
وهناك محاولات متكررة لتوتير الوضع في القاهرة وتوريطها في الحرب الدائرة. ولطالما كانت مصر نقطة استقرار في بيئة إقليمية تتسم باللايقين والسيولة الأمنية. وبينما يرتبط الهجوم في ميناء دمياط بهذا السياق العام، فإن سوابق عديدة تكشف عن محاولات مماثلة لتأزيم الوضع بمصر وتوريطها في النزاعات القائمة والمحتدمة. وفي ما يبدو أن أحد الأطراف التي تحاوطها دائرة الشك والاتهام، هي القوى الميليشياوية التابعة بـ”الحرس الثوري” الإيراني.
امتداد لحرب تستهدف ممرات الطاقة
ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تحولت هجمات “الحوثي” المدعومة من إيران على السفن التجارية في البحر الأحمر إلى أحد أخطر التحديات التي واجهت قناة السويس منذ عقود، بعدما دفعت عشرات شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسار سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، عبر رأس الرجاء الصالح، لتجنب المخاطر الأمنية.
وقد تحولت مصر إلى هدف تطاله هجمات الأذرع العسكرية الإيرانية الأمر الذي كانت له تأثيرات مدوية على السفن في البحر الأحمر وباب المندب وهي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، باعتبار القناة تعتمد على استمرار انسياب التجارة العالمية عبر هذا الممر الحيوي والاستراتيجية. فيما تشير تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن إيران لعبت دوراً محورياً في تطوير قدرات “الحوثيين” الصاروخية والطائرات المسيّرة، ما منح الجماعة القدرة على تهديد واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. وترى مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي أن عمليات “الحوثيين” في البحر الأحمر ألحقت ضرراً مباشراً بالمصالح الأمنية والاقتصادية للدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر، نتيجة التراجع الحاد في حركة التجارة عبر قناة السويس.
كما يرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان أحد أهم “الاختناقات البحرية” للاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب في باب المندب ينعكس مباشرة على القناة، بما يهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. وقد أدت الهجمات “الحوثية” إلى تراجع أعداد السفن العابرة للقناة بصورة ملحوظة، بعد أن فضلت شركات النقل البحري الكبرى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، رغم ارتفاع تكاليف النقل وطول مدة الرحلات.
وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الاضطرابات في البحر الأحمر كلفت مصر نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال عام 2024، بعد تراجع العائدات بأكثر من 60 بالمئة مقارنة بالعام السابق، نتيجة الهجمات “الحوثية” على السفن التجارية.
كما أشارت “واشنطن بوست” إلى أن هجمات “الحوثيين” تسببت في خسائر قدرت بنحو13 مليار دولار، وأجبرت شركات الشحن العالمية على تجنب القناة، ما ألقى بظلاله على الاقتصاد المصري الذي يعتمد بصورة كبيرة على إيراداتها كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.
سوابق إيرانية تعزز فرضية استهداف مصر
ومع اتساع الحرب الإقليمية عام 2026، انبعثت التهديدات والمخاوف، مرة أخرى، خصوصاً مع انتقال التهديد من تعطيل الملاحة إلى استهداف البنية التحتية المرتبطة بقناة السويس. وأعاد الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء دمياط إحياء تلك المخاوف، في ما يخص تنامي نطاق المخاطر التي تواجه ممرات الطاقة المصرية، بعدما أصبحت قناة السويس وخط سوميد أكثر أهمية في ظل تعطل مسارات أخرى لتصدير النفط.
وليس خافياً أن الأذرع الإيرانية لها سوابق في استهداف أو وضع القاهرة على قائمة أهدافها في سياق توترات وأزمات إقليمية متفاوتة، وبالتالي، فإن الحوادث الأخيرة ضمن العقد الماضي لا تعد أمراً طارئاً، بل تكشف قضية “خلية حزب الله” اللبناني التي كشفتها السلطات المصرية عام 2009 عن ذهنية إيران المستمرة التي تضع أولوياتها الأمنية ومصالحها كما ارتباطاتها مع شبكاتها الولائية فوق استقرار الدول وحتى صلاتها الدبلوماسية الرسمية.
وكانت أجهزة الأمن المصرية قد أعلنت آنذاك تفكيك شبكة تضم عشرات الأشخاص، واتهمت عناصرها بالانتماء إلى “حزب الله”، والتخطيط لتنفيذ أنشطة تمس الأمن القومي المصري، شملت مراقبة الملاحة في قناة السويس، ورصد منشآت حيوية، وتوفير الدعم اللوجستي لعمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة عبر شبه جزيرة سيناء.
ورأت القاهرة أن نشاط الخلية تجاوز مجرد دعم “المقاومة الفلسطينية”، ليصل إلى إنشاء بنية تنظيمية داخل الأراضي المصرية، بما يمثل تهديداً مباشراً للأمن الداخلي.
لاحقاً، أقر زعيم “حزب الله” حسن نصر الله والذي تم اغتياله في أعقاب ما عرف بـ”حرب الإسناد” الأولى في أيلول/سبتمبر 2024، بأن أحد كوادر “الحزب” كان يعمل داخل مصر، لكنه زعم أن مهمته اقتصرت على تقديم الدعم اللوجستي للفلسطينيين في غزة، نافياً الاتهامات المصرية المتعلقة بالتخطيط لعمليات داخل البلاد.
إلا أن القاهرة تمسكت بأن نشاط الخلية لم يكن إنسانياً أو لوجستياً فقط، بل تضمن أعمالاً استخباراتية وتنظيمية اعتُبرت مساساً بالأمن القومي المصري.
لماذا ترغب إيران بتوسيع الصراع؟
مثلت القضية أول إعلان رسمي مصري عن وجود تنظيم مرتبط بمحور إيران يعمل داخل الأراضي المصرية، وأعادت إلى الواجهة المخاوف من استخدام الوكلاء الإقليميين “للحرس الثوري” الإيراني لتنفيذ أنشطة خارج حدود مناطق نفوذهم التقليدية.
كما ألمحت إلى الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس وسيناء بالنسبة للتنظيمات المدعومة من إيران، سواء باعتبارهما ممراً لوجستياً أو ساحة يمكن استخدامها للضغط على المصالح الإقليمية والدولية. عليه، ظل ملف البحر الأحمر وقناة السويس حاضراً ويشكل نقطة تماس محورية لما يرتبط بأمن الممرات البحرية العربية والتجارة الدولية، حتى وإن اختلفت طبيعة التهديدات بين الساحات المختلفة.
إذاً، كشف الهجوم الذي استهدف سفينتين للغاز في ميناء دمياط المصري على ساحل البحر المتوسط، مساء الأربعاء الماضي، أن أفق الصراع العسكري والميداني في الشرق الأوسط لا يرتبط بحدود جغرافية محددة، وذلك استناداً إلى عقيدة ثابتة في الاستراتيجية الإيرانية تقوم على أهمية خروج نطاق الصراع وامتداده خارج حدودها المباشرة، بما يمس قطاعات حيوية واستراتيجية تمتلك القدرة على التأثير في أغلب دول المنطقة والعالم.
وتدرك طهران في هذه اللحظة أن واشنطن باتت أمام مرحلة مفصلية في دائرتي الحرب والسياسة، وأن الصراع على مضيق هرمز أضحى محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الجانبين، وأن مسارات الطاقة لم تعد تحتمل عوائد المخاطر، بما يعني أن الطرق البديلة لم تعد ترفاً أو سيناريوهات متخيلة، بل أصبحت واقعاً ينبغي الخوض في تفاصيله والعمل على تنفيذه بصورة أو بأخرى، الأمر الذي يعني أن تهديد الطاقة وأسواقها، بشكل عام، يمثل مسألة مهمة لرفع تكلفة استمرار الضربات الثقيلة التي يتلقاها “الحرس الثوري”.
وقد كشف مصدران إيرانيان أن الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط في مصر بطائرة مسيّرة “يهدف إلى إظهار أن حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة يمكن أن تتعرض لاضطرابات أوسع إذا قررت إيران تصعيد المواجهة”، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.
ولم يوضح المصدران الإيرانيان ما إذا كانت إيران أو إحدى الميليشيات المتحالفة معها في المنطقة هي من نفذت الهجوم، أو الموقع الذي انطلقت منه الطائرة المسيّرة، فيما لم تعلن، حتى اللحظة، أي جهة مسؤوليتها عن الحادث.
وجاء ذلك في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة المصرية أن التحقيقات الأولية بشأن الحريقين اللذين اندلعا في سفينتين بميناء دمياط، شمال البلاد، مساء الأربعاء، أظهرت أنهما ناجمان عن طائرة مسيّرة، وذلك بعد السيطرة عليهما.
الخناق سيضيق حول إيران
قد يبدو من المنطقي أن الهجوم الذي استهدف سفينتين في دمياط، على ساحل البحر المتوسط، لن يكون الأخير ضمن حزمة هجمات مماثلة قد تطال عدداً من المواقع المشابهة خلال الفترة المقبلة، بما يرفع كلفة الحرب على الجميع، ويدفع مختلف الأطراف لتكون رقماً حقيقياً في معادلة الصراع لتكون طوعاً أو كرهاً في دائرة السلاح والسياسة.
الساعات التي فصلت بين بيان وزارة البترول والثروة المعدنية، الذي أقر بنشوب حريق دون الكشف عن سببه، وبيان مجلس الوزراء المصري الذي حسم الأمر بإعلانه أن الحادث تقف وراءه مسيّرة انتحارية، كانت كافية للدولة المصرية حتى تتبين سياق ما جرى، وتضع تصوراتها الأولية، وقائمة الجهات المرجحة، والمسار الذي اتبعته المسيّرة، والجهة التي انطلقت منها، والآليات المساعدة في ذلك، سواء تقنياً أو عسكرياً أو لوجستياً، بما يتسنى لها اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
إذاً، وبرغم أهمية إدراك القاهرة هوية الفاعل والاطلاع على الجهة التي وقفت وراء الهجوم، فإن الرسالة الأكثر فعالية وإلحاحاً في هذا التوقيت تتمثل في أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، سواء في إطار الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية، أو ما حرب غزة منذ ثلاث سنوات، لم تعد قاصرة على النقاط الجغرافية التقليدية أو ساحات الاشتباك المباشر، وإنما بدت، في نظر الجميع، أكثر اتساعاً من التصورات التقليدية، بعدما امتدت إلى استهداف البنى التحتية للطاقة ومساراتها ومنشآتها، الأمر الذي لم يعد معه من السهل التمييز بين الدول المنخرطة ميدانياً في الصراع وتلك التي تقف خارجه، ليصبح الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة جزءًا لا يتجزأ من معادلات الحرب والردع.
وبالتالي، ستتعامل القاهرة مع الحادث بما يحقق معادلة حماية الأمن القومي وتجنب الانجرار إلى دائرة التصعيد الإقليمي، خاصة وأن السياسة المصرية تقوم على احتواء الأزمات وعدم الانخراط المباشر في الصراعات، مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ ما تراه مناسباً لحماية مصالحها.
وبالتالي أيضاً، ليس من المقبول النظر إلى ما جرى في ميناء دمياط، مساء الأربعاء التاسع والعشرين من يوليو/تموز الفائت، بمعزل عن سياق الحرب الدائرة، وكيفية استشراف الأفق الذي قد تمضي إليه مثل هذه العمليات، قبل أن تُبصر الجغرافيا خرائط جديدة لمعارك السلاح وساحات المواجهة. وهو ما يعني أنه سيضيّق الخناق على النظام الإيراني، في ظل ما يبدو أنه حالة انقسام واضحة داخل مراكز صنع القرار في طهران، الأمر الذي قد يعزز احتمالات تغيير النظام كلما واصل سلوكه العدائي والتصعيدي في المنطقة وتهديده لأهم ممرات الطاقة العالمية.
